عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 7

الدرس في عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

السبب الخامس: إفراغ القلب من الانشغال بالمؤذي

يبيّن المقطع أن انشغال القلب والذهن بمن أصاب بالسحر أو العين أو حسد يضاعف المرض ويزيد السقم، وقد يمرض الإنسان من مجرد الوهم. ويضرب ابن القيم مثلاً بالعدو الذي لا يضر إذا لم يتعرض له الإنسان ولم ينشغل به، مؤكداً أن إفراغ القلب من هذا التعلق من أنفع الأدوية.

علاج الأذى الروحي بإشغال القلب بالطاعات والتوكل

يوضح أن تعلق الروح بعدوها يجلب الشر، بينما الابتعاد وصفاء القلب يسلمان. ويؤكد أن أنجع العلاج صرف الفكر عن المرض وعن من أصاب به، والمضي في العبادات والأعمال مع الصبر والتوكل على الله، لأن كيد الشيطان ضعيف ولا يتحمل دوام الطاعة.

دفع الشر بالحسنى والإعراض عن الأذى وقاية من العين والسحر

يستعرض فضل الإعراض عن السباب والشتم وأن الرد يزيد الشر، بينما التغافل يورث راحة القلب، مستدلاً بآية ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ وآية الدفع بالتي هي أحسن. ويختم بأن من أسباب الوقاية عدم شغل القلب بالمؤذي مع التوكل والمواظبة على الصالحات.

الخاتمة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، كخاتمة تقليدية للجلسات العلمية والدروس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما زلنا مع رسالة «عشرة أسباب للوقاية من السحر والعين». قال المصنف -فقه الله-: السبب الخامس: فراغ القلب من الانشغال بمن أصابه. قال: فكثير من الناس يزداد تعبه، وتتضاعف علته بسبب انشغال ذهنه وقلبه بمن حسده أو أصابه بالعين أو السحر؛ يعني أنه يفكر ويصيبه الهمّ لما ينشغل ذهنه بالحاسد الذي حسده، أو بمن أصابه بالعين أو السحر، فيتعلق به وينشغل به حتى يزداد مرضه، وكذلك يزداد سقمه. قال: ولعله في بعض الأحيان يتوهم بأن شخصاً ضره بأمر معين، فيمرض بهذه الأوهام من جهة انشغال فكره بها، ودوام تردد هذا الوهم في عقله. وهذا أمر واقع أن الإنسان ربما تأتيه الأفكار والهموم بأن فلاناً من الناس قد أصابه بعين؛ يعني مثلاً يشعر بشيء من التعب أو بشيء من الآلام، فيقول: هذا لعله من فلان الذي رآني، أو الذي قال كذا، فيصدق ذلك، ثم يبدأ بعد ذلك يزداد فيه المرض، ويزداد فيه السقم بسبب هذا الوهم، فيتأثر تأثراً عظيماً حتى يكون له أثر في جسده وفي نفسيته. وهكذا شيئاً بعد شيء حتى يتعب تعبا شديداً. ومن الطرائف كما ذكر: أن رجلاً كان سميناً وأراد أن ينحف، فقال للطبيب: أريد علاجاً لهذه السمنة. فقال: افعل كذا وكذا من الفحوصات. ثم قال له الطبيب: أنت ستموت بعد أسبوعين. قال: ما هذا؟ قال: هذه الفحوصات تدل على ذلك، فما عليك إلا أن تستعد للموت. هذا الرجل صدق، وذهب مهموماً مغموماً، يحسب الساعات والأيام، لا يذوق طعاماً. لا شك أن من قيل له: ستموت في اليوم الفلاني، ما ستطيب له الحياة، ما ستطيب له الحياة، فلا يذوق طعاماً ولا يذوق شراباً، ولا يهنأ في حياته. فقال له: إذا لم تمت بعد أسبوعين تعال. فمرت الأيام والرجل في غاية من الهم والغم والتفكير والانشغال، يعني لم يكن للطعام عنده لذة ولا رغبة، حتى مضت هذه الفترة. ثم جاء إلى الطبيب، قال: أنا ما زلت حياً. قال: الحمد لله، الحمد لله على العافية. جاء إليه وهو في غاية من الضعف والنحافة. قال: هذا علاجك. قال: هذا علاجك. المقصود من ذلك: أنه لما توهم هذا الوهم أنه سيموت في خلال هذه الفترة، أثر في نفسيته، فأصبح لا يشتهي طعاماً ولا شيئاً من أمور الحياة. فهكذا حال من يتعلق بمن أصابه بالمرض وينشغل قلبه به؛ فإنه يؤثر عليه في نفسيته حتى يمرض، وإن لم يكن به مرض، يمرض وإن لم يكن به مرض. قال: فإذا فرغ قلبه وفكره من الانشغال به، واجتهد في محوه من باله كلما حضر عليه، كان ذلك سبباً عظيماً لراحة باله، ودفع ما أصابه. يعني كلما أراد أن يفكر بأن فلاناً الذي... فلاناً الذي أصابه، أو الذي حسده، أو كذا، ينشغل عن ذلك، يشغل نفسه بشيء آخر. ولهذا تجدون من يعانون من الحالات النفسية، تجد أن أكثر أسباب الإصابة بالحالات النفسية هي التفرد وكثرة التفكير. وهذه أوائل الإصابة بالحالة النفسية: تجده ينعزل، ينعزل عن الناس، وتبدأ الهموم والأفكار حتى تؤثر في جسد هذا الإنسان، فيمرض من غير مرض، ويسقم من غير علة. هذا بسبب ماذا؟ بسبب هذه الأوهام والهموم والتفكيرات. قال: قال ابن القيم -رحمه الله-: وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعين على اندفاع شره. فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه. إنسان له عداء، وهذا العدو يتربص به، وهو يبتعد عنه ويتغافل عنه، يريد العدو أن يمسكه، وأن كما يقال: يضاربه ويقاتله، وهو لا ينشغل به ولا يهتم به. قال: فإذا لم يتعرض له، ولا تماسك هو وإياه، يعني لم يحصل الاشتباك والمضاربة، بل إن عزل عنه لم يقدر عليه. إذا ابتعد عنه، ابتعد عنه، فهذا العدو لا يستطيع أن يؤذيه بشيء، لا يستطيع أن يؤذيه بشيء. قال: أي لم يقدر العدو على أذيته. فإذا تماسك، تقابل هو وعدوه، وكل واحد مسك بالآخر، فهنا يحصل الشر، ويحصل ما لا تحمد عقباه. فإما أن يكون غالباً، وإما أن يكون مغلوباً، وإما أن يكون ضارباً، وإما أن يكون مضروباً. قال: فإذا تماسك وتعلق كل منهما بصاحبه حصل الشر. وهكذا الأرواح سواء، يعني روحك التي في جسدك، وروح ذلك الإنسان الذي في جسده. هذه الأرواح متباعدة، إذا انشغلت هذه الروح -روحك- بروح ذاك الإنسان، فإنها تكون كمن تقابل عدوه، وحصل الاشتباك، وحينئذ يحصل الشر والضرر. أما إذا ابتعدت هذه الروح من تلك الروح، ولم تنشغل بها، كان كمن ابتعد عن عدوه، فلم يستطع أن يصل إليه ليذيه بشيء من الشر والسوء. قال: وكذلك الأرواح سواء. فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى، عدم القرار، ودام الشر حتى يهلك أحدهما، يعني يصيبه الهلاك. قال: فإذا جبذ روحه عن... يعني أبعدها وسحبها، لم يجعل روحاً تفكر بفلان وبروح فلان. قال: فإذا جبذ روحه عنه، وصانها عن الفكر فيه والتعلق به، وأن لا يخطره بباله. فإذا خطر بباله، بادر إلى محو ذلك الخاطر. يعني إذا فكر، بدأ يفكر أن فلاناً أصابه، أو فلاناً فعل له كذا، يحاول أن يمحو هذا التفكير، وينشغل بغيره، وينشغل بغيره. فإذا فعل ذلك، فإنه بهذا يعني يسلم نفسه، وكذلك أيضاً تسلم روحه من هذه الأوهام وهذه الأمراض والأسقام. قال: والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به. بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضاً. فإن الحسد كالنار، إن لم تجد ما تأكله أكلت بعضها بعضاً. هذا كلام الإمام ابن القيم -رحمه الله-. قال: فبين -رحمه الله- أن الأنجع في علاج هذه الأمراض أن يصرف الإنسان قلبه وفكره عنها، وأن لا ينشغل بها. ولهذا يقال لمن يصاب بعين أو حسد أو سحر: لا تنشغل بهذا المرض، لا تنشغل بهذا المرض، وتجعل فكرك وهمك متعلقاً به حتى يزداد مرضك. لا، حاول أن تتناسى، تتناسى هذا المرض. تعلم أن هذا شيء قدره الله عز وجل عليك ابتلاء وامتحاناً، فعليك أن تصبر، وتعلم أن الشفاء بيد الله. ومن أسباب الشفاء أنك تتغافل عن هذا المرض، وعن من أصابك به، فلا تفكر وتشغل فكرك به إذا أردت أن يعافيك الله جل وعلا. بل إن شغل... اشغل نفسك بشيء لا يجعلك تفكر بهذه الأمور. قال: بل يمضي في مصالحه الدينية والدنيوية، مستعيناً بربه، متوكلا عليه. يعني يذهب، لا ينقطع أموره الدينية من صلاة أو صيام، أو حضور مجالس علم، أو تدريس، أو يعني قام حلقة قرآن، أو غير ذلك من الأمور الدينية، وأمور العبادات. لا يجعل هذا المرض يثنيه عن القيام بها. لأن بعض المرضى إذا ابتلوا بشيء من ذلك، ربما يجلس حبيس الجدران، يقول: خلاص، أنا ما أريد أن أخرج، ما أريد أن أقابل الناس، ما أريد أن أقوم بما كنت أقوم به من قبل. هذا خطأ. أنت بهذا تزيد نفسك مرضاً، وتزيد نفسك سقماً. بل امضِ، امضِ وجاهد نفسك، امضِ وجاهد، وجاهد نفسك. هذا من أسباب العلاج. حتى لو كنت مسحوراً، اذهب إلى حلقات القرآن، وإلى حلقات العلم. وإن وجدت شيئاً يعني من الأذية، لأن الجن في الغالب يتأذون من سماع القرآن، وسماع العلم، ومن مجالس العلم، والجلوس في المساجد. هذا مما يؤذيه، وربما يؤذيك بشيء، لكن تصبر، تصبر وتحتسب. ومع الدوام والاستمرار، فإنه يزداد ضعفاً. والله جل وعلا يقول: ﴿وَكَانَ كَيْدُ الشَّيْطَانِ ضَعِيفًا﴾، إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، وكيد الشيطان ضعيف، فهو لا يقوى أن يتحمل كلام الله جل وعلا. وكذلك لزوم العبد لطاعة ربه جل وعلا وعبادته، فإن هذا مما يؤذيه كثيراً. فإذا استمررت على هذا الخير الذي كنت عليه، أنت بهذا تسعى إلى ماذا؟ شفاء نفسك بإذن الله، والوصول إلى العافية. وهكذا أيضاً أن أمور الدنيوية من الأعمال التي كنت تقوم بها من قبل، اذهب، اذهب وجاهد نفسك واستمر بها، وقم بما كنت تعمله من قبل. قال: وضرب لذلك مثلاً حسياً برجل مر بك في الطريق، وصار يؤذيك ويشتمك بلسانه، يعني يسبك ويقع في عرضك. قال: فإن رددت عليه الشتائم والسباب، فإن الأمر سيتضاعف إلى شر من ذلك. يعني لو أنك مردت، فسبك إنسان، فرددت عليه السب وسببته، ما النتيجة؟ النتيجة أنه سيزيد، ستعطيه سباً، وسيعطيك خمساً، يعطيه خمس سبات. إذا أنت ما استفدت الآن، ما نتج عن ذلك إلا زيادة في الشر وفي الأذية، زيادة في الشر وفي الأذية. قال: وربما طال... طالك من أذاه الشيء الكبير بسبب شغلك بالرد عليه. يعني ربما يؤدي السباب من سباب باللسان إلى اشتباك بالأيدي والأقدام. ماذا بسبب زيادة هذا الشر؟ وردك عليه أدى إلى شر أعظم، وإلى أذية أكبر. قال: ولكن إذا أعرضت عنه، وتغافلت عن شتائمه وسبه، فإنك يستريح بالك وقلبك. يعني إذا مرد سبك، كأنك لم تسمعه، كأنك لم تسمعه، تسلم من شره، ويطمئن قلبك، ويسلم لسانك. وهكذا أيضاً تسلم من هذه الأذية، وبالوقوع في شيء قد يضرك ولا ينفعك. والله جل وعلا يقول في وصف عباده عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. ما يردون عليه بنفس الجهل، ما يردون عليه بالسفة الذي يقابلونهم به، بل قالوا سلاماً، ويمضون في طريقهم. وبهذا يسلمون من أذية هؤلاء المؤذين. وأما أن تكون كما قال ذاك الجاهل: ومن يجهل علينا، فإن سنجهل فوق جهل الجاهلين. هذا من الباطل والجهل. لأن جاهل أحد علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلين، يقول: من جهل علينا سنزيده، سنزيده جهلا، ونرد عليه زيادة. لا، هذا ليس بصواب. الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. هذا الذي عاملك بالسوء، وعاملك بالشر، وعاملك بالأذية، إذا قابلته بالمعاملة الحسنة، يستحي على نفسه، يستحي إن كان عنده حياء، مباشرة ما يرجع يقول: سبحان الله، أنه عامله بهذه المعاملة، وهو يعاملني بهذه المعاملة الطيبة الحسنة، لماذا أنا هكذا سيء؟ أنا سيء الخلق، يعني بذيء اللسان. هذا يجعله يرجع عما هو فيه من الشر. ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وإن لم يرجع، أقل شيء يكف شره، يكف شره ويذهب، يقول: هذا ما فيه فائدة، ما يؤثر فيه، ما يؤثر فيه السب والشتم والأذية، يكف ويذهب. قال: تستريح، يستريح بالك وقلبك، وتسلم من الشر، ويظل هو في غيظه وإثمه. يعني يبقى العدو يزداد غيظاً وإثماً وكمداً. الآن الحاسد، إذا حسد إنساناً على عمل من الأعمال، سواء كان أمراً دينياً أو أمراً دنيوياً، ثم يرى هذا المحسود يقوم بهذا العمل، ما أوقع هذا الحسد عن تركه، ماذا يكون حال الحاسد؟ يزداد غيظاً وكمداً، وربما يشتعل قلبه ناراً، لما يرى أن حسده لم يؤثر، لم يؤثر في هذا المحسود. وأنت بهذا تدفع شره. سيقول: إذا ما فيه فائدة، ما فيه فائدة من حسده وهو لا يؤثر فيه. وقد يكون هذا المحسود يتألم، لكن يصبر، يصبر ويتحمل، وبهذا يدفع شر هذا الحاسد. قال: وقد أحسن الشاعر حين قال: ولقد مررت على اللئيم يسبني ** فمضيت ثم قلت لا يعنيني هو يعرف أنه يسبه، لكن يتغافل، يقول: ما يعنيني، يعني لا يضرني، ولا يرد عليه، ولا يلتفت إليه. قال: وكم من ناس تضاعفت فيهم الأمراض والأسقام، بسبب شغل أفكارهم، وكثرة حالة إجالة الخاطر في مثل هذه الأمور، وكان من الخير لهم الإعراض عن هذا كله كما تقدم. إذا، من أسباب الوقاية من العين والسحر: أن المريض إذا مرض وأصابه شيء من ذلك، ألا يشغل قلبه بمن أصابه، بل يعلق قلبه بالله، ويلتجئ إلى الله جل وعلا، ويقوم بما كان يقوم عليه من قبل من أعمال دينية ودنيوية، ويتوكل على ربه، ولا يلتفت إلى من أصابه بهذا السوء أو الشر. وبهذا يسلك طريقاً من طرق الوقاية والعلاج من مثل هذه الأمراض والأسقام. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.