التعليق على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية 21

التعليق على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية 21

الدرس في التعليق على مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية 21، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحسن طرق التفسير: القرآن بالقرآن ثم بالسنة

يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية أن أصح طرق التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن، حيث يفسر المجمل بالمفصل والمختصر بالمبسط. تليها المرتبة الثانية وهي تفسير القرآن بالسنة النبوية التي جاءت شارحة وموضحة لكتاب الله.

السنة النبوية مصدر ثانٍ لتفسير القرآن وبيان مجمله

تبين السنة النبوية وتفصل ما أُجمل في القرآن من أحكام وأوقات الصلاة، وهي وحي مثل القرآن كما دل حديث «أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ». يرتب العلماء مصادر التفسير بالقرآن ثم السنة ثم الاجتهاد عند عدم النص مع التنبيه لضعف إسناد حديث معاذ.

مكانة الصحابة في التفسير وتميز ابن مسعود وابن عباس

يُعد الصحابة المصدر الأهم بعد القرآن والسنة لملازمتهم الوحي وطهارة قلوبهم، ويتميز ابن مسعود بعلمه بأسباب النزول ومواضعه وتواضعه في طلب العلم. بينما يُلقب ابن عباس بالحبر البحر وترجمان القرآن لدعاء النبي له بالفقه والتأويل.

عدم وجود لفظة "وعلمه التأويل" في الصحيحين

يشير المقطع إلى أن عبارة "وعلمه التأويل" غير موجودة في الصحيحين، بينما يشمل الفقه في الدين مع الترجمة. ويوضح أن هذا اللفظ ليس ثابتاً في أصح الروايات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "مقدمة في أصول التفسير": قال: فصل في أحسن طرق التفسير. قال: فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ ما هنا استفهامية. فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أولاً: أن يفسر القرآن بالقرآن. فما أجمل في مكان، فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر. فهذا يوجد في القرآن، وهو أن يفسر القرآن بالقرآن. فمثلاً: قول الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62]. من هم أولياء الله؟ ما نحتاج أن نبحث عن معنى الولي في السنة أو في أقوال الصحابة، لأن في نفس القرآن ورد تفسير الولي. فقال بعد هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 63]. إذن الولي هو المؤمن التقي. من أين أخذنا هذا التفسير؟ من القرآن. فالولي أولا أجمل، ثم فسر في الآية التي بعده في موضع آخر. وأما قوله: "وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر"، فهذا أكثر ما يرد في قصص الأنبياء؛ لأنها تتكرر. فمثلا: قصة نبي الله موسى عليه السلام، وهي من أكثر القصص تكرارا في القرآن. تجد مثلا في موضع اختصرت هذه القصة، مثلا في سورة النازعات: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: 15-20]. ما هي هذه الآية الكبرى؟ ما فصلت هنا، صح؟ أجملت، لكن بسطت في موضع آخر. فمثلا في سورة القصص ورد أن هذه الآية الكبرى العصى، تمام. وأن كذلك من الآيات التي أيد بها موسى: إخراج يده من جيبه، فتخرج بيضاء من غير سوء. إذن هذا بسط، فسر به الإجمال الذي ورد في بعض المواضع، مثل قوله تعالى كما تقدم: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ [النازعات: 21-23]. فلما حشر، ماذا الذي وقع؟ ما ورد، ما جاء في هذه السورة معنى "حشر" يعني جمع الناس. فجاء في موضع آخر أنه أتى بالسحرة، وأن السحرة ألقوا ما عندهم من سحر، وأن موسى أمره الله أن يلقي عصاه، فهذه العصا التقفت ما رمى السحرة. هذا كله موجود في هذا، ما هي موجودة؟ إذن فسر في موضع آخر. فهذا هو تفسير القرآن بالقرآن، سواء كان تفسير المجمل أو تفسير المختصر. فرق بين المجمل والمختصر. هذا النوع الأول، وهو أفضل الأنواع وأصح الطرق في تفسير القرآن. فإذا وجد، فينبغي لمبتغي التفسير أن ينظر فيه قبل أن ينظر في غيره من طرق التفسير. قال: ثانياً: فإن أعياك ذلك، ومعنى "أعياك" يعني: ما وجدت، ما وجدت تفسير هذه الكلمة أو تلك الآية من القرآن. قال: فعليك بالسنة. يعني: تفسير القرآن بالسنة. تفسير القرآن بالسنة. قال: فإنها شارحة للقرآن وموضحة له. بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله: "كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن". قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]. فالقرآن أو في السنة تفسر ما أجمل من القرآن، أو ما أطلق، أو ما أبهما. فيأتي في السنة ما يبينها. مثال ذلك: مثلا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. الحسنى: الجنة. لأنه جاء أيضا في القرآن: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. وما هي الزيادة؟ جاء في السنة أنها النظر إلى وجه الله عز وجل، كما في حديث صهيب في مسلم. فإذن هذا تفسير للزيادة. وأيضا قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]. أيش المراد بالظلم؟ لأن الظلم ثلاثة أقسام: ظلم الشرك، وظلم العبد لنفسه، وظلم العبد لغيره. فما المراد في هذا الظلم؟ من أي الأنواع الثلاثة؟ فجاءت السنة تبين ذلك، كما في حديث ابن مسعود: لما نزلت هذه الآية، قال الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام: "وَأَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ"؟ ففهموا الظلم في ظلم العبد لنفسه. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" [لقمان: 13]. ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك. ففسر الظلم في الآية بماذا؟ بالشرك. وهذا له أمثلة كثيرة، له أمثلة كثيرة. فأنتم هذا الآن؟ نعم. وقول الإمام الشافعي: "كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهمه من القرآن". لأن القرآن وحي، لكنه يتعبد بتلاوته. والسنة أيضا وحي، يوحي الله عز وجل إلى نبيه. فمثلا: هل وجد في القرآن أن صلاة الفجر ركعتين؟ أو أن صلاة الظهر أربع ركعات؟ هذا ما وجد في القرآن، لكن وجد في ماذا؟ في السنة. كذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. هل ورد في القرآن هذا التوقيت للصلاوات؟ أن صلاة الفجر عند طلوع الفجر الصادق، وأن صلاة الظهر عند الزوال، وأن صلاة العصر... وهكذا جميع الأوقات. ما ورد ذلك إلا في ماذا؟ السنة. السنة تفسر ماذا؟ ما أطلق أو أجمل في القرآن. فهي شارحة له، وهي كذلك مبينة له، كما ذكر شيخ الإسلام عليه رحمة الله. فهذا أيضا من أنفع وأصح الطرق في تفسير القرآن بعد تفسير القرآن بالقرآن. وأما هذه الآية: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105]. المراد بالكتاب هنا ماذا؟ القرآن. ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، هذا هو وجه الشاهد: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، أي: كما ذكر شيخ... كما ذكر الإمام الشافعي: أي مما فهمه من القرآن. أي أن الله عز وجل هو الذي يفهم نبيه معنى القرآن، لأنه قال: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، وهو يحكم عليه الصلاة والسلام بما أراه الله، وبما شرح الله به صدره. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. الذكر هنا المراد به ماذا؟ القرآن. فنزل الله عز وجل، أو أنزل الله عز وجل القرآن من أجل أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم للناس. إذن النبي صلى الله عليه وسلم يبين القرآن، يبين ماذا؟ القرآن. فالشاهد من الآية: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، فالنبي صلى الله عليه وسلم مبين ما نزل إليهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: 64]. هذا البيان كما مر معنا يشمل بيان الألفاظ وبيان المعاني. فكما أن الألفاظ بينها النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين للصحابة، لأنه تلقى القرآن من جبريل، والنبي صلى الله عليه وسلم لقن الصحابة القرآن، فهذا بيان من النبي صلى الله عليه وسلم للفظ القرآن. كذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة معنى القرآن، معنى القرآن وهو التفسير، وهو التفسير. فهذا أيضا من الأدلة على أن السنة مبينة للقرآن. قال: ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ». يعني: السنة. يعني: كما أنه أوتي القرآن، فكذلك أوتي السنة التي هي مبينة وشارحة للقرآن. والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن. لا أنها تتلى كما يتلى، لأن القرآن يتعبد بتلاوته، وأما السنة فلا يتعبد بتلاوته. وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة، ليس هذا موضع ذلك. يعني: على أن السنة كذلك من الوحي. السنة من الوحي. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: «اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْ هَذَا إِلَّا حَقٌّ» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. قال: والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، أي: من السنة، أو من القرآن. منه يعني: من القرآن. هذا أول طرق التفسير. فإن لم تجده فمن السنة. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «بِمَ تَحْكُمُ؟» قال: بكتاب الله. قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قال: فبسنة رسول الله. قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قال: أجتهد رأيي. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» أو: «لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ». لأن "رسول" هنا مفعول به، والفاعل مستتر: يرضي هو. وهذا الحديث في المسانيد، والسند بإسناد جيد. وقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث، وشيخ الإسلام يرى أن إسناده جيد. لكن غيره من أهل العلم ضعفه. فالشيخ الألباني والشيخ مقبل عليهما رحمة الله يضعفان هذا الحديث. لكن معناه صحيح. لذلك لعل بعض أهل العلم، لعل بعض أهل العلم ممن يحتج بهذا الحديث ينظر إلى معناه لا إلى إسناده. فمعناه صحيح. فقول معاذ: "بكتاب الله"، قدمه على السنة وعلى الرأي. فأولاً ينبغي للمفسر أن ينظر في تفسير القرآن بالقرآن، وأن يحكم بالقرآن. فإن لم يجد انتقل إلى ماذا؟ إلى السنة. فإن لم يجد اجتهد. وهذا المراد قوله: "أجتهد رأيي"، ليس معناه أنه يقدم رأيه على نصوص الكتاب والسنة، وإنما المراد: ما وجد في المسألة دليلا لا من القرآن ولا من السنة، ما وجد دليلا، فهنا يجتهد، يجتهد. وهذا ما سيأتي معنا: تفسير القرآن بأقوال الصحابة. فمعاذ من فقهاء هذه الأمة، ومن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يسبق العلماء يوم القيامة برتوة، كما جاء في الحديث. فإذن المراد بالاجتهاد هنا ليس تقديم الرأي على النصوص، وإنما الاجتهاد عند عدم النصوص. واضح؟ فالحديث معناه صحيح، لكن من حيث الصناعة الحديثية فعلماء الحديث يحكمون عليه بالضعف، فهو حديث ضعيف. قال: فصل: تفسير القرآن بأقوال الصحابة. قال: وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة. لماذا؟ قال: فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن. فهم شاهدوا التنزيل، وشاهدوا الوقائع، فيفسرون القرآن بما شاهدوه وبما علموه. فلا شك أن تفسيرهم أضبط من تفسير غيرهم ممن بعدهم. هذا أمر. وإذا قال: فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها. اختصوا بالجهاد، تجد في آيات الجهاد يعرفون ويعلمون: إيش المراد بهذه الآية؟ ومتى نزلت هذه الآية؟ وفي من نزلت هذه الآية؟ لأنهم شاهدوا ذلك، لأنهم شاهدوا ذلك. قال: ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح. لماذا الفهم التام؟ لأن نفوسهم زكت، وقلوبهم طهرت. وكلما كان العالم أو الطالب أنقى نفسا وأطهر قلبا، كان أكثر فهما وحفظا وتوفيقا من الله عز وجل. فإن هذا العلم لا يناله إلا من زكت نفسه وطهر قلبه من الذنوب والمعاصي التي تحجب دخول الهدى والنور إلى القلب. شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور، ونور الله لا يؤتاه عاص. فهذا العلم لا يؤتاه عاص. فالصحابة من أنقى وأطهر الناس نفوسا وقلوبا، فلذلك كانوا من أفهم الناس وأعلم الناس لهذا الأمر. قال: لا سيما علماءهم وكبراءهم: كالأئمة الأربعة، الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعبد الله بن مسعود. يعني: يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. هؤلاء هم الأئمة الأربعة، الخلفاء الراشدون. فهؤلاء هم أفضل الأمة، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة. فهم أفضل هذه الأمة. وعبد الله بن مسعود، لمختص به من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن مرافقة النبي عليه الصلاة والسلام، ومن السابقة إلى الإسلام، ونحو ذلك. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله: حدثنا أبو كريب، قال: أنبأنا جابر بن نوح، قال: أنبأنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود -: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَ نَزَلَتْ، وَأَيْنَ نَزَلَتْ. وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ». فهذا يبين لنا فضل عبد الله بن مسعود. يقول: ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت، لأنه ممن رافق النبي عليه الصلاة والسلام، وممن حضر المشاهد والغزوات والأحوال ونحو ذلك. فيقول: ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت وأين نزلت. حتى الموضع الذي نزلت فيه، لأنه كان شاهدا. مثلا يقول: هذا نزلت في البيت الحرام، أو هذا نزلت في المسجد النبوي، أو هذا نزلت في أحد، أو في بدر، أو في كذا، لأنه شاهد وموجود وحاضر، فهو أعلم بكتاب الله. لذلك قال: ﴿وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ﴾. يعني يقول: ومع هذا فأنا مستمر في طلب العلم، أنا مستمر في طلب العلم. فلو سمعت وعلمت أن أحدا أعلم بكتاب الله مني، عنده علم ما عندي، تبلغه المطايا أو تناله المطايا. المطايا يعني: الرواحل، مثل ما نقول: المواصلات، تستطيع أن تصل إليه، ما يكون بيني وبينه مثلا بعد أو بحر أو مشقة أو نحو ذلك، لا آتيته، ذهبت إليه وأتعلم منه. قال العلماء: لم يقل ذلك عبد الله بن مسعود تفاخرا وتكبرا، Chácha، وإنما قال ذلك لأمرين اثنين: الأمر الأول: ليبين للناس فضل العلم، أن يبين للناس فضل العلم، وأن العلم ينبغي أن يرحل إليه، وأن العبد مهما بلغ من العلم فهو بحاجة إلى التزود منه، وفوق كل ذي علم عليم. هذا أمر. الأمر الثاني: قال ذلك ليأخذ منه الصحابة هذا العلم، ليأخذ منه الصحابة رضي الله تعالى عنهم هذا العلم. قال: وقال الأعمش أيضا عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: «كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعْرِفَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ». وهذا فيه أنهم تعلموا القرآن، أنهم تعلموا القرآن وأخذوا القرآن عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ومنهم، أي: من الصحابة الذين اعتنوا بالقرآن، الذين اعتنوا بالقرآن وعرفوا بعلم تفسير القرآن، كذلك عبد الله بن عباس. أولاً: عبد الله بن مسعود، ثم عبد الله بن عباس. وإن كان كثير من أهل العلم يقدم ابن عباس على ابن مسعود في التفسير. قال: ومنهم الحبر البحر. الحبر: هو كثير العلم. الحبر: هو واسع العلم، لأن البحر واسعة، والمعنى متقارب. ويقال: الحبر والحبر، يجوز هذا وهذا. وهو العالم المتبحر في العلم، كثير العلم. قال: ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، حيث قال: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ». وهو في الصحيح. ونقار: روى شطره الأول البخاري ومسلم: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». ورواه بتمامه أحمد، وصححه بتمامه العلامة الألباني. يعني لفظة "وعلمه التأويل" ليست في الصحيحين، لكن الفقه في الدين يشمل مع ترجمة... نانسي قنقر