الدرس في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح دعاء المؤمنين ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك، وهو طلب الثواب والنصر على الأعداء. استدل على ذلك بآيات من القرآن الكريم.
شرح معنى التوسل بصفة الله عز وجل في الدعاء، حيث يستدل بالآية الكريمة. يوضح أن قول "إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ" هو تأكيد للدعاء.
الوعد إنفاذه صفة حميدة، بينما الوعيد فإن عدم إنفاذه يعتبر صفة كمال وحلم عند المقدرة. الله عز وجل يتصف بالحلم والعفو عند المقدرة.
مغفرة الذنوب وتكفير السيئات يكون من خلال عدم تنفيذ الوعيد. الوعيد يختلف عن الميعاد الذي وعد الله به عباده.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال العلامة سعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. قال رحمه الله: ولما ذكروا توفيق الله إياهم للإيمان وتوسلهم به إلى تمام النعمة، سألوه الثواب على ذلك. تقدم في الآية التي قبلها أنهم -أي أهل الإيمان- سألوا الله عز وجل ثلاثة أشياء وتوسلوا بإيمانهم به سبحانه وتعالى، فسألوه مغفرة الذنوب وتكفير السيئات، وأيضا أن يتوفاهم مع الأبرار ويحشرهم مع أهل الصلاح. فبعد ذلك أيضا قالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ما هو هذا الذي وعدهم ربهم جل وعلا ووعد رسله؟ ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي على لسان رسلك. فمن أهل العلم من قال: إن هذا الوعد هو استجابة الدعاء، أنه يستجيب لهم. ولهذا قال هنا المؤلف: فسألوه الثواب على ذلك وأن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة رسله من النصر. التفسير المشهور أن قوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي ما ذكره هنا المؤلف، وهو النصر على الأعداء وظهور أهل الإيمان عليهم، فيطلبون من الله جل وعلا أن ينجز لهم النصر؛ لأنه وعد الله عز وجل لهم وعلى لسان رسله. كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وغيرها من النصوص التي جاءت في الكتاب والسنة في أن النصر لأمة الإسلام، وأهل التقوى وأيضا أهل الصلاح فهم المنصورون، وأن جندنا لهم الغالبون. وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. فهذا وعد من الله عز وجل لنصر عباده، لكن اشترط ربنا جل وعلا شرطا وهو أن ينصروا دينه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. فهذا الشرط الذي جعله الله عز وجل على عباده، إن فعلوه نصرهم الله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. فدل هذا كله على أن أهل الإيمان إن قاموا بدينهم وقاموا بشرع الله عز وجل والتزموا أوامر الله، فإن الله عز وجل لا شك أنه ناصرهم وناجز لهم وعدهم من النصر في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة. فقالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. تقدم أن الخزي هو الذلة والصغار والعار الذي يكون يوم القيامة، فيطلبون من الله عز وجل أن لا يكون لهم خزي يوم القيامة. وهذا أيضا ما طلبه نبي الله إبراهيم: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. ولهذا جاء في صحيح البخاري أن إبراهيم -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم- يأتي يوم القيامة ويقول: «يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني هذا اليوم، فأي خزي من أبي الأبعد أنا؟ أنت وعدتني أنك لا تخزني هذا اليوم، فأي خزي من أبي الأبعد الذي بعدته وجعلته من أهل النار؟» فيقول الله عز وجل: «يا إبراهيم انظر تحتك». فينظر فيرى أباه على صورة ضبع متلطخ في دمه -معنى أنه شيء خبيث وجثة خبيثة- فيأخذ بقوائمه ويلقى في النار، فيتبرأ منه إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وما كان -كما قال الله عز وجل- إلا قول إبراهيم لأبيه: «لا أستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء». وأيضا ذكر الله عز وجل أن هذا ليس من الخزي، أي أن يجعل الله عز وجل أحد أهلك أو كذا في النار؛ لأنه هذا جزاؤه؛ لأنه خبيث كما قال الله عز وجل لنوح: «إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح». فلهذا أهل الصلاح أو أهل الباطل وأهل الفساد لا يكونون لهم صلة بأهل الصلاح. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن بني فلان ليس لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين». فهذه النسبة التي تكون بين الناس بين أهل الإيمان، وأما من خرج وابتعد وكفر بالله فهذا ليس لنا فيه صلة ولو كان من أقرب الأقرب. فقال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. فقال المؤلف رحمه الله: وتوسلهم به إلى تمام النعمة سألوه الثواب على ذلك وأن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة رسله من النصر والظهور في الدنيا، ومن الفوز برضوان الله وجنته في الآخرة، فإنه تعالى لا يخلف الميعاد. فأجاب الله دعاءهم وقبل تضرعهم. وهنا قوله جل وعلا: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. هل هم يذكرون الله بذلك؟ حاشاهم، وربنا جل وعلا قيوم قيوم السماوات والأرض، لا يحتاج إلى أحد يذكره جل وعلا. وإنما هذا قيل: إنه من باب الدعاء على صيغة الخبر. الدعاء على صيغة الخبر كما يقول: «يا رب أنت وعدتنا فأنجز لنا وعدنا؛ لأنك لا تخلف الميعاد». وأيضا من باب التأكيد، مثل ما يقول، مثل ما جاء مثلا في الحديث: «اللهم اشف أنت الشافي». فلا شك أن الله عز وجل هو الشافي، لكن هذا الكلام من باب التأكيد لما يدعو به. فقالوا: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادِ﴾. أي: أنت الذي وصفت يا رب بأنك لا تخلف الميعاد، فأنجز لنا وعدنا. فأنجز لنا وعدنا الذي وعدتنا على رسلك أو على ألسنة رسلك. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادِ﴾. أي: استجب لنا في هذا كله وأنجز لنا في هذا كله. وكما قلنا: إنما هذا صفة لله عز وجل أكدوا بها دعاءهم، كما جاء في الحديث: «اللهم أشفي أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما». فالله عز وجل هو الشافي، فهذا الدعاء إنما هو من باب التأكيد الكلام، وليس من باب التذكير. وحاشى المؤمن أن يذكر الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل قيوم السموات والأرض، سبحانه وتعالى لا يغفل عن شيء جل وعلا، ولا تأخذه سنة ولا نوم، بل هو قيم السموات والأرض جل وعلا وتقدس سبحانه وتعالى. فقولهم: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ من هذا الباب. وذكر أيضا بعض العلماء أشياء أخرى في هذا الباب. لكن المهم أنه ليس المراد التذكير كما يتوهم في ظاهر اللفظ، وإنما كما قلنا: إما تأكيد الاستجابة الدعاء، أو كما ذكرنا: أنه من باب الدعاء على صيغة الخبر. فأي: أنجز لنا ما وعدتنا يا رب؛ لأنك لا تخلف الميعاد؛ لأنك لا تخلف الميعاد. فيتوسلون بصفة الله عز وجل التي معنى هذه الصفة العظيمة: أن الله عز وجل لا يخلف ميعاده. فهو توسل أيضا بهذه الصفة: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. ووعد الله عز وجل حق. والوعد غير الوعيد، الوعد غير الوعيد. ولهذا خلط بعض أهل الباطل في مسألة الوعد والوعيد. الوعد إنجازه صفة حميدة وعظيمة. ولهذا كان المؤمن حتى الله عز وجل عليه أن يفي بميعاده ويؤدي أمانته، فهذا واجب. بل جعل النبي عليه الصلاة والسلام الذي يخلف الميعاد والذي يخلف الوعد من صفات أهل النفاق، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». وجاء في حديث عبد الله بن عمر: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». فلهذا فالواجب على المسلم معنى حثه الله عز وجل ورسوله على إنفاذ هذا الوعد. لكن الوعد هل إنفاذه صفة كمال؟ هل إنفاذ الوعد صفة كمال؟ لا. لكن الخوارج والمعتزلة ضلوا في هذا الباب، قالوا: ما دام أن الله عز وجل توعد الفساق وأهل الكبائر توعدهم بالنار، فلابد أن يضعهم في النار، وإلا كان هذا إخلافا لكلامه. وهذا كلام باطل؛ لأن الوعد تنفيذه ليس صفة كمال، بل صفة الكمال أنه يتجاوز عن الوعد. فعلى سبيل المثال -كما ذكر العلماء- الرجل مثلا يقول لابنه: «إن لم تفعل كذا وعاقبك إن لم تفعل كذا وعاقبك عقوبة شديدة». فتجد أنه لم يفعل، فالآن استحق العقوبة، لكن العبي يقول: «خلاص تجاوزت عنك هذه المرة». فهذا التجاوز يعتبر شيء حميد. وأيضا التجاوز عن العقوبات معروف أنه غالبا يكون من الكمال. ولهذا كان من الصفات العظيمة الحلم، وهو العفو عند المقدرة. العفو عند المقدرة غالبا يكون بعد تهديد وبعد وعيد، لكن إذا قدر عفا، فهذا من أعظم الصفات، وهي من الصفات العظيمة التي يتصف بها الرب جل وعلا، وهي التي تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. فلهذا فربنا سبحانه وتعالى موصوف بالحلم. ولهذا ذكرها الله عز وجل في أكثر من آية، أي صفة اسمه الحليم، وصفته جل وعلا. فعدم إنفاذ الوعيد ومغفرة الذنوب والتجاوز عن السيئات هذا صفة عظيمة من صفات الرب جل وعلا، وهي أيضا لا تدخل في خلف الميعاد كما ظنه الخوارج والمعتزلة، هؤلاء الذين ما عرفوا شرعا ولا لغة. وإنما هو من باب العفو عند المقدرة، من باب الحلم، أنه يعفو عن أصحاب الزلات وأصحاب الكبائر. تقدم معنا في حديث يزيد الفقير، لما احتج بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، قال: «كيف يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ويقول: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾؟» فهذه الآية إن حملت على عمومها على معنى كل من دخل النار، فالمراد أنه الكفار. وإن كان على كل من دخل النار، فإن أيضا أهل الإسلام يخرجون منها؛ لأن هذا الوعيد يتجاوز الله عز وجل عنه. بل أن الله عز وجل يخرج أناسا من النار قد استحقوا النار، يخرجهم بالشفاعة، إما بشفاعة الأنبياء أو بشفاعة الملائكة أو بشفاعة الصالحين أو بشفاعة العظيم سبحانه وتعالى. فمنهم من استحق النار فلا يدخلها؛ تأتي عليه الشفاعة فلا يدخل النار. ومنهم من دخل النار ثم خرج منها بالشفاعة كذلك وهكذا. فهذا كما قلنا: ليس مما يدم، وإنما الذي يدم هو إخلاف الوعد. إخلاف الوعد هو الذي يدم. فلهذا وأما الوعيد فإخلافه غالبا يكون فضلا وتفضلا، وكذلك حلما. فلهذا مغفرة الذنوب وتكفير السيئات من هذا الباب، مغفرة الذنوب وتكفير السيئات من هذا الباب، هو أنه عدم تنفيذ الوعيد. وأما الميعاد الذي وعد الله اشتركوا في القناة.