شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 9

شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 9

الدرس في شرح أذكار الصباح والمساء من فقه الأدعية والأذكار 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

افتتاحية الدرس: حديث جويرية وفضل الذكر المضاعف

يستعرض المقطع حديث جويرية رضي الله عنها في صحيح مسلم عن الذكر المضاعف الذي يفوق سائر الأذكار، ويوضح ابن القيم معنى "عدد خلقه" بأنه إخبار واستحقاق لتسبيح لا يحصى بعدد المخلوقات الماضية والآتية، كما يبين أن "رضا نفسه" يتضمن أمرين عظيمين يتعلقان برضا الله سبحانه وتعالى.

تفصيل معاني ألفاظ التسبيح: رضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته

يشرح المقطع معاني ثلاثة ألفاظ في التسبيح النبوي: "رضا نفسه" ويعني تسبيحاً لا نهاية لعظمته مساوياً لرضا الله الذي لا غاية لكماله، و"وزنة عرشه" إشارة إلى ثقل العرش وعظمته كأثقل المخلوقات، و"مداد كلماته" يدل على تسبيح لا ينفد عدداً ولا صفة ولا ثقلاً لأن كلمات الله لا تنتهي كما في آية البحر مداداً.

أثر استحضار المعاني في تضاعف الأجر والمواظبة على الذكر الصباحي

يبيّن المقطع عظمة ذكر "سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" وأنه يعدل أضعاف الأذكار المطلقة، مستدلاً بحديث جويرية رضي الله عنها وقول ابن القيم في عدم نفاد كلمات الله. ويؤكد أن استحضار المعاني بالقلب عند الذكر هو سبب تضاعف الأجر والفضل، ويحث على المواظبة على هذا الذكر بعد صلاة الفجر اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته.

تلخيص هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر الصباحي الأربع كلمات

يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقول أربع كلمات ثلاث مرات كل صباح، وهي: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. ويبين معنى هذه الكلمات العظيمة ويستشهد بشرح ابن القيم لها، داعياً الله أن ينفع بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن أذكار الصباح التي يستحب للمسلم أن يواظب عليها كل صباح ما جاء في صحيح مسلم من حديث جويرية رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم «خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، والبكرة هي أول النهار، وهي في مسجدها أي في موضع صلاتها، قال: ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته». هذا الذكر يسميه العلماء بالذكر المضاعف، وذلك لما ورد فيه من أفضليته ومن كذلك فضله على غيره من الأذكار. والمقصود بقوله عليه الصلاة والسلام: «سبحان الله وبحمده»؛ مر معنا أن التسبيح هو التنزيح، سبحان الله أي أنزه الله عن كل نقص وعيب، والحمد كما مر معنا أيضاً في أذكار عدة أنه يراد به حمد الله عز وجل على كماله في أسمائه وصفاته، وعلى إنعامه وعلى إنعامه، فقولك: سبحان الله وبحمده، نفي النقص عن الله عز وجل وإثبات الكمال المطلق له سبحانه وتعالى. وهذا الحديث تكلم ابن القيم عليه رحمة الله عند شرحه له بكلام لطيف وجميل، يبين لنا فيه معاني هذا الحديث وما اجتمل من تعظيم لله سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: قول المسبح: «سبحان الله وبحمده عدد خلقه»، ما معنى عدد خلقه؟ قال ابن القيم: تضمن إنشاء وإخباراً، عدد خلقه قال: تضمن إخباراً عما يستحقه الرب من التسبيح عدد كل مخلوق كان أو هو كائن إلى ما لا نهاية له، فقولك: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، كم خلق الله؟ كم الخلق الذي هو موجود الآن كائن الآن، وكم الخلق الذي سيخلقه الله عز وجل؟ شيء لا تستطيع له عدا ولا حصراً، فهذا فيه إخبار عما يستحقه سبحانه وتعالى من التسبيح، وأنه تسبيح لا نهاية له، فتضمن الإخبار عن تنزيه الرب وتعظيمه والثناء عليه هذا العدد العظيم، هذا العدد العظيم الذي لا يبلغه العادون ولا يحصيه المحصون، فالله عز وجل يستحق هذا الثناء وهذا التعظيم، فهذا إخبار، هذا هو إخبار بأن الله عز وجل يستحق هذا التعظيم والثناء سبحانه وتعالى. وأما الإنشاء فهو إنشاء العبد لتسبيح هذا شأنه، الإنشاء بمعنى إقرار العبد بشيء لله سبحانه وتعالى، فهو إنشاء من العبد لتسبيح هذا شأنه، ليس معنى قول العبد: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، أن ما أتى به العبد من التسبيح هذا قدره وعدده، لا، وإنما المراد أنه أخبر أن ما يستحقه الرب سبحانه وتعالى من التسبيح هو تسبيح يبلغ العدد الذي لو كان في عدد ما يزيد عليه لذكره، يزيد عليه لذكره، لأن تجدد المخلوقات لا ينتهي عدداً ولا يحصى، الحاضر لا تستطيع أن تحصر الحاضر من مخلوقات الله، ولا تستطيع أن تجعل حداً لخلق الله، فخلق الله عز وجل لا ينتهي عدداً، فإذا هذا إنشاء من العبد لتسبيح هذا شأنه، هذا شأنه، فهذا معنى قوله: عدد خلقه، خلقه الموجود وخلقه الذي سيأتي ولا ينتهي عدده، هذا معنى قوله: عدد خلقه. وأما قوله: ورضى نفسه، يقول ابن القيم: وهو يتضمن أمرين عظيمين، قوله: ورضى نفسه، قال: يتضمن أمرين عظيمين، ما هما؟ قال: أحدهما أن يكون المراد تسبيحاً هو في العظمة والجلال مساوياً لرضى نفسه، قال: كما قال، ولا ريب أن رضى نفس الرب أمر لا نهاية له في العظمة والوصف، لأن الرضى صفة من صفات الله، وصفات الله بلغت الغاية في الكمال والجلال، فلم تنتهِ لها، فلذلك قال: ولا ريب أن رضى نفس الرب أمر لا نهاية له في العظمة والوصف، قال: والتسبيح ثناء عليه سبحانه يتضمن التعظيم والتنزيح، التعظيم والتنزيح، فإذا كان أوصاف كماله ونعوت جلاله لا نهاية لها ولا غاية، بل هي أعظم من ذلك وأجل، كان الثناء عليها بها كذلك، عندما يثني العبد على الله عز وجل بأسماء وصفاته فإنه لا يحصي ثناء على الله، فكذلك ذكر رضا نفسه سبحانه وتعالى لا يحصي العبد على الله به ثناء، فإذا معنى قوله: ورضا نفسه، أي تسبيح وتعظيم لا نهاية له لما يكون من كمال هذه الأسماء والصفات، هذا المعنى الأول، وهو أن يكون المراد تسبيح هو في العظم والجلال مساوي لرضا نفسه، ورضا نفسه كما تقدم لا نهاية له. والأمر الثاني: وهو أن فيه إنشاء، فيه إنشاء بمعنى أن العبد لعظمة الله عز وجل يثبت هذا لله سبحانه وتعالى، وأنه يستحق هذا الثناء والتعظيم سبحانه وتعالى، هذا معنى قوله: ورضا نفسه. ومما يدل على هذا المعنى أيضاً إحسان الله سبحانه وتعالى وثوابه وبركته وخيره لا منتهى له، لا منتهى له سبحانه وتعالى، وهو من موجبات رضاه وثمرته، فكيف بصفة الرضا إذا كان الإحسان والثواب والبركة والرزق من الله عز وجل لا نهاية له، وهو من موجبات رضى الله عز وجل وثمرته، كذلك الرضا، فكيف بهذه الصفة لله سبحانه وتعالى؟ فإذا المراد أن العبد يسبح الله عز وجل تسبيحاً لا نهاية له، لأن رضى نفس الرب سبحانه وتعالى أمر لا نهاية له في العظمة والوصف، في العظمة والوصف، هذا هو معنى قوله: ورضى نفسه. وقوله: وزنة عرشه، العرش من أعظم المخلوقات ومن أثقل المخلوقات على الإطلاق، إذ لو كان شيء أثقل منه لوزن به التسبيح، فيراد بذكر العرش يراد بذكر العرش في هذا التسبيح العظم والثقل وكبر المقدار، فلثقل العرش وأنه أعظم وأثقل المخلوقات ذكر في هذا الموضع، ذكر في هذا الموضع، ففيه ففيه إثبات العرش، وفيه إضافته إلى الرب سبحان وتعالى، وأنه أثقل المخلوقات على الإطلاق. فالتضعيف الأول في قوله: عدد خلقه، هذا للعدد والكمية، تعظيم الله عز وجل بالتسبيح في العدد والكمية في قوله: عدد خلقه، وقوله: ورضى نفسه، هذا فيه مقدار الصفة والكيفية، تعظيم الله عز وجل بالتسبيح في الصفة والكيفية، وقوله: وزنة عرشه، هذا فيه إثبات أو فيه تعظيم الله عز وجل بالتسبيح والتحميد للعظم والثقل وكبر المقدار، وكبر المقدار، فاجتمعت في هذه الثلاثة تعظيم الله عز وجل بالتسبيح في العدد والكمية، وتعظيم الله عز وجل بالتسبيح والتحميد في الصفة والكيفية، وتعظيم الله عز وجل بالتسبيح والتحميد في الثقل وكبر المقدار، اجتملت هذه الثلاثة على هذه المعاني. وأما وما قوله: ومداد كلماته، فهذا يعم الأقسام الثلاثة ويشملها، هكذا يقول ابن القيم عليه رحمة الله. وما معنى ومداد كلماته؟ مداد كلمات الله عز وجل لا نهاية لقدره ولا لصفته ولا لعدده، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، انتهى البحر لو كان مداد لكلمات الله عز وجل قبل أن تنفد كلمات ربي، لأن كلمات ربي لا نهاية لها، ولو جئنا بمثله مدداً، ولو جئ ببحر آخر ثم آخر ثم آخر ثم آخر إلى ما لا نهاية، فإن كلمات الله عز وجل لا تنفد ولا تنتهي. فإذا قولك: سبحان الله وبحمده مداد كلماته، يعني تسبيح وتحميد لا نهاية له، لا في عدده ولا في كميته، ولا في صفته وكيفيته، ولا في ثقله وكبر مقداره. وكما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، هنا ذكر العدد، وفي الآية المتقدمة ذكر الإطلاق، ولو جئنا بمثله، كم هذا المثل؟ لا نهاية له، ومعنى الآية أنه لو فرض البحر مداداً وجميع شجر الأرض أقلاماً، جميع شجر الأرض أقلاماً، والأقلام تستمد بذلك المداد، يعني مداد البحر، فتفنى البحار والأقلام، وكلمات الله لا تفنى ولا تنفد، هكذا يقول ابن القيم عليه رحمة الله. فالمقصود أن في هذا التسبيح من صفات الكمال ونعوت الجلال ما يوجب أن يكون أفضل من غيره، انتهى كلام ابن القيم عليه رحمة الله. إذن هذا ذكر عظيم: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، كم نحن نقول هذا الذكر لكن ما نستشعر هذه المعاني، ما نستشعر هذه المعاني، وهنا يتبين لنا أهمية معرفة العبد بمعاني هذه الأذكار وهذه الكلمات واستحضار معانيها عند الذكر بها، ولذلك قال العلماء: أنه بحسب ما يقوم بقلب العبد من هذه المعرفة والاستحضار يكون لهذا الذكر أو لذاك الدعاء من المزية والفضل ما ليس لغيره، لا شك أن الذي يقول هذه الأذكار ويواطئ قوله قلبه في استحضار المعاني أفضل من ذاك الذي يقولها بلسانه ولا يستحضر معانيها، فتأثير من قال الذكر بلسانه واستحضر معناه وعرف معناه بقلبه لا شك أن هذا التأثير أبلغ من تأثير الذكر بغير استحضار، بغير استحضار. فإذن يجدر بالمسلم أن يواظب على هذا الذكر وأن يستحضر معانيه لما فيها من العظمة ومن الجلال ومن الثناء على الله سبحانه وتعالى، ولذلك كما تقدم يسمي العلماء هذا الذكر بالذكر المضاعف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال لجويرية؟ قال لها: ما زلت على الحالة فارقتك عليها، قالت: نعم، وهي ماذا تفعل؟ تذكر الله من جالس هكذا صلة الفجر ثم جلست في مصلاها تذكر الله سبحانه وتعالى، لكن تذكر الله عز وجل بأذكار عامة، كمثلا التسبيح المطلق كقولها مثلاً: سبحان الله وبحمده، هذا ذكر قد مر معنى أنه كذلك من أذكار الصباح والمساء وأنه يقال مئة مرة، لكن هذا الذكر: سبحان الله وبحمده، ليس في الفضل والأجر كهذا الذكر الذي فيه التسبيح والتحميد بهذه الصيغة التي فيها من التعظيم لله عز وجل، ولذلك قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن. انظر، هو قالها ثلاث مرات، وجويرية رضي الله تعالى عنها تذكر الله عز وجل من بعد الفجر إلى وقت الضحى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع بعد أن أضحى، بمعنى بعدما دخل وقت الضحى، ووقت الضحى عند ارتفاع الشمس قدر رمح، يبدأ ماذا؟ وقت صلاة الضحى أو وقت الضحى، فهذا دليل على فضيلة هذا الذكر وأنه مضاعف، فينبغي للمسلم أن يحرص عليه بكل صباح. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً فيه تعبد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لله، وما كنا عليه من الطاعة والعبادة لله سبحانه وتعالى، فهذه جويرية رضي الله تعالى عنها تجلس في مصلاها إلى وقت الضحى تذكر الله سبحانه وتعالى، فانظر إلى حالنا وحال نسائنا اليوم، نصل الفجر ثم نبحث عن الفراش لننام، والقليل من يستثمر هذا الوقت المبارك، وقت ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من صلى الفجر ثم جلس يذكر الله إلى أن تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان ذلك كحجة تامة تامة تامة»، والحديث يحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله، فهذا فيه هذا المعنى، وهو تعبد زوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لله عز وجل. وفيه أيضاً أن هذا الذكر يقال ثلاث مرات كل صباح، يقال ثلاث مرات لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أربع كلمات ثلاث مرات، والمراد بأربع كلمات: عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، فيسبح الله عز وجل ويحمد بها: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. فإذا هذا حديث عظيم، عرفنا معناه وعرفنا كذلك ما ذكره العلامة ابن القيم في تفسيره وشرحه، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بذلك، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى.