الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 91، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتميز العرب بفصاحة اللسان وقدرة على التعبير والتمييز بين المعاني، كما أن غرائزهم أطوع للخير. كانوا قبل الإسلام قابلين للخير لكن بدون شريعة أو علم منزل.
يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع كل عادات الجاهلية تحت قدميه، وأن السابقين الأولين كانوا أفضل خلق الله بعد الأنبياء. نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم فيما يخالف هدى الله.
التمسك بالعربية يعزز الإيمان ويساعد على فهم الدين بشكل صحيح، بينما التشبه بالعجم قد يؤدي إلى التأثر بعاداتهم وأخلاقهم. نهى الإسلام عن التشبه بهم لما يترتب عليه من فوات الفضائل أو اكتساب النقائص.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا بعد، فلا زال الشيخ يتكلم على مسألة تفضيل جنس العرب على غيره. قال: والعرب هم أفهم من غيرهم، وأحفظ، وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني جمعا وفرقا، وهذا على حكم الأغلب، وإلا قد يكون الإنسان ليس عربيا وهو أعرف من الكثير من العربيين، مثل ما حصل في ذلك الزمان، فالناس أو أهل خراسان وغيرهم اهتموا باللغة العربية وأجادوا فيها، بل أكثر من كتب في اللغة غير العرب. قال: يجمع المعاني الكثير في اللفظ القليل إذا شاء المتكلم الجمع، ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر، كما تجدهم من لغتهم في جنس الحيوان، فهم مثلا يعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة، ثم يميزون بين أنواعه في أسماء كل أمر من أموره من الأصوات والأولاد والمساكن والأطفال، إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي التي لا يستراب فيها. قال: وأما العمل فإنما بناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير معطلة عن فعله، قبل أن يأتيهم الإسلام. ولهذا تجد أن عندهم حلفا وتعاونا على الخير، حين حضر النبي عليه الصلاة والسلام في الجاهلية حلفا عقدته قريش أو بعض قريش في بيت عبد الله بن جدعان على نصرة المظلوم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد حضرت حلفا في بيت عبد الله بن جدعان، لو دعيت له في الإسلام لأجبت؛ لأنه نصرة للمظلوم». فيحصل عندهم قابلية للخير، لكن كما قال الشيخ: معطل عن فعله، ليس عندهم علم منزل من السماء، ولا شريعة موروثة عن نبي، ولا هم أيضا مشتغلين ببعض العلوم العقلية المحضة كالطب والحساب ونحوهما، إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم أو من الحروب. ولهذا كانوا يسمون بالأميين بسبب أنهم لم يتعلموا الحساب والطب والفلك وغيرها من هذه الأمور. نشأ فيهم من يعرف الطب، ونشأ فيهم من يعرف الحساب، لكن قليل. كان في ذلك الوقت الحارث بن كلدة طبيب العرب، فهذا قبل الإسلام، ويقال إنه أسلم. قال: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي ما جعل الله في الأرض أمرا أجل منه أعظم قدرا، وتلقوا عنه بعد مجاهدته الشديدة لهم ومعالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية. ولهذا من خطبته عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع أنه قال: «كل أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي». لما رسخت عقيدة المسلمين وتركوا عادات الجاهلية الضارة والباطلة، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي». وأول ما يوضع: الربا، عن الربا، وغير ذلك من الضلالات كلها موضوعة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحت قدمي»، والمراد أنه لا يعبأ به، ولا يؤخذ؛ لأنها عادات جاهلية باطلة. قالوا: معالجتهم على نقلهم عن تلك العادات الجاهلية والظلمات الكفرية التي كانت قد حالت بين قلوبهم وبين فطرتهم. فلما تلقوا عنه ذلك الهدى العظيم زالت تلك الريون عن قلوبهم. الريون: جمع ران أو رين، والرين هو الطبع والدنس، وهو أيضا الران. قال: زالت تلك الريون عن قلوبهم واستنارت بهدى الله الذي أنزل على عبده ورسوله، فأخذوا هذا الهدى العظيم بتلك الفطرة الجديدة. فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم - أي من محبة الخير - والكمال الذي أنزل الله إليهم، بمنزلة أرض جيدة في نفسها، لكنها معطلة عن الحرث، أو قد نبت فيها شجر العضاء - شجر العوسج، وهو شجر الشوك - قال: له عضاء، والعوسج أيضا من أشجار الشوك. قالوا: صارت كالأرض التي طهرت من الشوك والدواب المؤذية، فإذا طهرت وزرعت فيها أفضل الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله. فصار السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل خلق الله بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم من اتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة من العرب والعجم. وكان الناس إذ ذاك الخارجون عن هذا الكمال قسمان: إما كافر من اليهود والنصارى لم يقبل هدى الله، وإما غيرهم من العجم الذين لم يشركوا معهم فيما فطروا عليه. وكان عامة العجم حينئذ كفارا - أي من الفرس والروم - فجاءت الشريعة باتباع أولئك السابقين على الهدى الذي رضيه الله لهم، وبمخالفة من سواهم إما لمعصيته، وإما لنقيصته، وإما لأنه مضنة نقيصة. فأول من بادر بالإسلام هم هؤلاء العرب. قال: فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم، دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار قديما وحديثا، إذا كان هذا من مميزاتهم، سواء كان الأعاجم الكفار القدماء أو الآن. قال: ودخل فيه ما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن عليه السابقون الأولون. وهذا أيضا ليس خاصا بالأعاجم، حتى العرب إذا كانت عندهم عادة غير صحيحة ومخالفة للشرع ومخالفة لعادة المسلمين، فإنها لا تقبل. لكن غالبا الناس العادات يتوارثونها، فما كانت عادة سيئة فهي باطلة، وما كانت عادة حسنة فغالبا فهي توافق الإسلام. كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليها أهل الجاهلية قبل الإسلام، وهي الجاهلية المطلقة. فلهذا قال العلماء - كما ذكر الشيخ الإسلام وغيره - لا يصح وصف أناس بالجاهلية المطلقة، وإنما يقيد أن جاهلية في كذا أو جهلا في كذا. أما من يطلق لفظ الجاهلية على البلدان أو المناطق، فمعنى ذلك أنه تكفير. حتى قال سيد قطب في بعض كتبه: حتى عادت البلاد كالجاهلية الأولى. «كالجاهلية الأولى» معنى ذلك: قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، أي أنهم كلهم كفار. قال: فإذا دخل فيه ما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن عليه السابقون الأولون، كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام، وما عاد إلى كثير من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها من القتل وتعصب القبيلة وغير ذلك من هذه الأشياء التي كانت عند الجاهلية. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». فهذه من أمر الجاهلية، فكل ما كان من أمر الجاهلية فهو باطل إذا كان يخالف الإسلام. وقد ألف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب كتابا سماه «مسائل الجاهلية»، وكان كتابا عظيما أجاد فيه. قالوا: من تشبه من العرب بالعجم لحق بهم، ومن تشبه من العجم بالعرب لحق بهم. ولهذا كان الذين تناولوا العلم والإيمان من أبناء فارس إنما حصل ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف بلوازمه من العربية وغيرها. ومن نقص من العرب إنما هو بتخلفهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم فيما السنة أن يخالفوا فيه. فهذا وجه من الوجه الأول: أنه إذا تشبه العرب بالعجم فإنه غالبا يكونون مثلهم، وإذا تشبه العجم بالعرب غالبا يكونون مثلهم - أي على الخير والإسلام. قالوا أيضا: فإن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغا عنه للكتاب والحكم بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به، لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط اللسان. وصارت معرفته من الدين - أي معرفة اللغة - وصار اعتبار التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم. وصارت اللغة أصل من أصول الدين؛ لأنه لا يعرف الكتاب والسنة إلا باللغة. قالوا: سنذكر إن شاء الله تعالى بعض ما قاله العلماء من الأمر بالخطاب العربي وكراهة مداومة غيره لغير حاجة. واللسان تقارنه أمور أخرى من العلوم والأخلاق، أن الإنسان لما يتكلم بلغة أناس، فمعنى ذلك أنه غالبا يأخذ من علومهم وأخلاقهم. فأولا الذين يتكلمون مثلا بالإنجليز في محادثاتهم، فغالبا تجد أنهم أحيانا يتخلقون بأخلاق الغرب. وهذا لا يجوز. قال: فإن العادات لها تأثير عظيم فيما يحبه الله أو فيما يكرهه. فلهذا أيضا جاءت الشريعة بلزوم عادات السابقين الأولين في أقوالهم وأعمالهم، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. قالوا: كراهة الخروج عنها إلى غيرها من غير حاجة. فحاصل ذلك أن النهي عن التشبه بهم لما يفضي إليه من فوت الفضائل التي جعلها الله تعالى للسابقين الأولين، أو حصول النقائص التي كانت في غيرهم.