الدرس في المشروع والممنوع في زيارة القبور 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن ظاهرة الغلو في زيارة القبور وتخصيص بعضها دون غيرها دون أساس من الكتاب أو السنة. هذا التخصيص يعتبر افتراء وتعظيما لبعض الأشخاص.
ينتقد عبادة الأولياء والصالحين وتبرير أخطائهم، ويشير إلى ممارساتهم المنكرة والمعاصي التي يتم التغاضي عنها وتبريرها بأعذار واهية.
ينتقد بعض الطوائف التي تقسم الدين إلى ظاهر وباطن وتبرر أفعال مشائخها المخالفة للشريعة، ويشير إلى أن هذه الأفكار تؤدي إلى الفساد والانحلال.
يحذر من أن يكون الإنسان وسيلة لغيره للوصول إلى أهدافهم، ويختم بالدعاء إلى الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإني أتمم إخواني في الله لأهم الملاحظات والأخطاء والمخالفات التي يقع فيها أهل الزيارات، بل لعلّكم ربما رأيتموه، وهذا الذي أنا بصدده في ذكري أهم مسألة، وهي التي أوقعت الكثير من الناس في هذه الضلالات، بل هو الأساس والأسوة في ضلال كثير من الناس، ما كان من أمر الغلو، الغلو وهو الإفراط بالتعظيم في أهل الشرف والعلو، وكما قيل: من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل. ظاهرة الغلو في أمر الزيارات واضحة للعيان، تخيلوا هذه مقابر المسلمين وقد اجتمعت على لا أقول واحد، ولا عشرات، ولا مئات، بل آلاف، بل مئات الآلاف من القبور من المسلمين والمسلمات، إلا أن الزيارات إنما تأتي محصورة وتأتي مقصورة ومخصوصة لبعضها لهذا ولذاك، ولبعضها، فيا ترى لماذا هذا التخصيص؟ ومن أين جاءت هذه التحديدات؟ أمن كتاب الله أو حديث من رسول الله؟ الجواب: لا، وإنما هو محض افتراء، محض افتراء بأن هذا القبر يجصص ويبنى ويعبد من دون الله، وتجعل له زيارة على مدار العام، ولهذا أصحابها يتفننون في إطلاق ألفاظ التعظيم وصفات التقديس والتشريف والتفخيم. هذا قبر شرف الوجود، هذا إليه منتهى كل مقصود، هذا الإمام الكامل، هذا القطب، هذا الغوث، هذا الكبريت الأحمر، هذا ترياق المجرب. زد على ذلك تلكم القصص والحكايات والروايات التي يأتي بها أصحابها لأهلي هذه الزيارات، وهذا من العظيم الفرية على الله ورسوله، ومن الضحك على الناس. كم من أناس، وأنتم تعلمونهم، لربما لما كانوا بين أظهرنا كانوا من عامة الناس، لربما بيته بجوار المسجد، ما يصلي إلا قليلًا، لربما ما يعرف له أنه صام إلا ما كان من رمضان، ولا يعرف له نفقة ولا عطاء ولا مد لأبواب الخير، ولا ولا ولا، بل ربما كان الكثير من الناس أفضل منه، أفضل منه. لكن الأعجوبة أنه إذا مات، فظهر لنا تلكم القصص والخيالات، هذا وتعرفون هذا كان عنده التجلي، هذا عنده التخلي، هذا عنده كانت من القصص الواقعية أنه فعل وفعل، وكان يذكر الله، وكان يفعل كذا، وكان يصلي، من أين جاء هذا كله؟ نعرفه، كانت دون كانت دون مقصر في كثير من الأمور، من أين جاءت هذه القصص والاختلاقات؟ هي أكذوبات يفتريها القوم، ولا يخافون الله جل وعلا، فيما إذا كان الواحد منهم يتجرأ على أن يكذب على رسول الله، بل يتجرأ الواحد أن يكذب على الله، ويقول: إن هذا من دين الله، وليس من دين الله. فما ظنكم بالكذب على أحد الناس؟ الأمر عنده معتاد، الذي يعتاد على أن يكذب على الله وعلى رسوله، فإنه يفري الكذبات لأصحابه: فلان فعل وفعل، ولا زال ينفخ حتى إذا نفخ صاحبهم أعطي حينها شرف السيادة، وأنه من أهل الولاية، إذن تعطى له زيارة، تعطى له زيارة، كل ذلك من باب الغلو، كل ذلك من باب الغلو. إلا وقد وجدنا من الصالحين ممن لا نحتاج أن نكذب في حقهم، بل هذه حياتهم قد ملئت بالجهاد في سبيل الله، وجهاد الشيطان، عندهم من العلم، وعندهم من الخير، ومن الطلاب، وكان من أولياء الله في حياتهم من الصحابة، ومن التابعين، وأتباعهم، ومع ذلك ما قامت لهم هذه الألقاب، ألقاب السيادة، ولا أعطيت لهم زيارة، ما ضرهم هذا، ما ضرهم هذا. ولهذا إخواني في الله، تجد أن الزيارات قائمة على الغلو، ما تجد الناس احتجت إلى هذه القبة، ولا تلكم القبة، إلا لما ظنوا فيهم أنهم هم وهم وهم، لا شيء، وهم حقيقة لا شيء، حتى لو كانوا شيء، ما يجوز هذا التعظيم، فما ظنك يا عبد الله، إلى أن الكثير منهم الناس ما يعرفون حقيقتهم، من هم؟ هؤلاء الموتى؟ هذه تشد لهم الرحال في هذه البلاد، وفي غيرها من بلاد المسلمين، من القباب والأضرحة التي بلغت الآلاف، توزعت بين أقطار أهل الإسلام. الله أعلم بأحوال أهلها، كيف كانوا في حياتهم؟ وكيف كانوا هم؟ بل إن منهم من قد ذكر وصفطر عنه في حياته أنه كان بعيدًا عن ربه، كان فاسقًا، كان فاجرًا، هذا يوجد، هذا يوجد، هذا ابن عربي مثلًا، ابن عربي الذي يسمى الآن القطب والغوث، كيف كان رجل معرفة حلول، يقول بوحدة الوجود، ويقول بأن الله يحل في خلقه، تعالى الله، بأن الله يحل، ينزل في بشر، ويكون بشري، بذكر أن أفضل صفة حلول الله في خلقه في المرأة، هذا يسطر، يعرف هذا عن ابن عربي، كفر، وقد كفره العلماء، قد ألف البقاعي رحمه الله تعالى كتابًا مطبوعًا متداولًا بعنوان تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، قد كفره العلماء. لكن تعال له زيارة، زيارة، زيارة، وتشد له الرحال، والنفخ في صفات التفخيم والتعظيم والتقديس، كيف هذا الرجل؟ هذا كتبه ألفها موجودة، يقول بأن الله يحل في النساء، يحل في المخلوقات، وأعظم أنواع التجلي عند الوقاع، كفر، كفر، أو ذاكم الرجل الآخر التلمساني، ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وكان التلمساني مدمنًا على شرب الخمر، مدمنًا على شرب الخمر، ومع ذلك يزار في بلاده له قبة وضريح، ويعبد من دون الله جل وعلا. البدوي، ما أدراك من البدوي؟ له مزار في أرض كنانة في مصر، وله قبر قوي، في أحد السنوات بلغ عدد الزوار لقبره بالملايين، وهذا الرجل في ترجمته في دليل اللامع أنه ما كان يصلي، ما كان يصلي، بل نقل أنه في يوم الأيام دخل الجمعة والإمام يخطب، فدخل الحمام وخرج وما صلى، متهاون حتى في أركان الإسلام. لكن انظر الواقع، انظر الواقع، ولا هيك نهيك عن من يدعي الألوهية، كحال ذاك الذي يتبجح بأبياته وأقواله، ويقول: والسماء أنا بانيها، ونار الجحيم أنا أطفيها، من هذا؟ هذا رجل يدعي هذا لنفسه، ومع ذلك له قبة يزار من دون الله جل وعلا، وينفخ أنه وأنا يقول: أنا للسماء بانيها، ونار الجحيم أنا أطفيها، ما حكم هذا عندنا؟ هذا من أقوال أهل الكفر، من أقوال أهل الشرق، لكنه يُعبد الآن من دون الله جل في علاه. ناهيك عن الذي يفعل المعاصي منهم، من كان متهاون في صلاة، حتى يذكر أن في ترجمة بعض الناس أخذ خمسة عشر سنة يصلي بوضوء واحد، كيف يصلي بوضوء واحد؟ أنا أريد أن نفهم هذا، موجود، موجود، هذا أنه خمسة عشر سنة يصلي بوضوء واحد، ما ينام، ما يتغوط، كيف يصلي؟ هذا زندقة، هذا زندقة في الإسلام. وذاك الذي يذكى في ترجمة أنه لص، بمعنى الكلمة، إذ أنه يذكى في ترجمة: وكان الولي الفلاني بإمكانه يأخذ المال من كيس الناس من حيث لا يشعرون، هذه ولاية، ولا سرقة عندنا، هذه سرقة، هذا لص بارع يأخذ أموال الناس من حيث لا يشعروا من أكياسهم، تجعل هذه ولاية، هذه ولاية. وقس على ذلك ذاك الذي يدعي نفخ الروح، وأنه من قصة أنه جئ له بدفتر أو صور في صور عصافير، فنفخ فيها الروح، فإذا بها حية، من هذا الذي ينفخ الروح في الصور؟ فتقول حية، هذا لله جل في علاه يحيي الموت، يدعون لأصحابهم، يدعون لبعض مقبوريهم، وكم وكم نحدث إخواني في الله عن هذه الأشياء التي بعضهم، بل حتى والله يستحى من ذكرها، فعل الملذات، وفعل الشهوات، ذاك الذي يراود النساء، وذاك الذي يفعل الفواحش، ذاك الذي يخطب هذا مسجل يخطب على الناس عريان، من يخطب؟ هذه كرامة، يخطب الناس عريان، كرامة. بل أحد ممن يزار في هذه البلاد مما يذكر فيه ترجمة أنه كان للجنون أقرب، كان للجنون أقرب، مجنون يذكر الله، فإذا أخذ في الذكر استرعى وارتم وأخذ أسبوعًا بالأصلاة ولا شيء، هذا مجنون، هذا يجعل له مزار وزيارة وسيادة وحفاوة وإكرام، يعبد من دون الله جل وعلا، تصرف له الطاعات، تصرف له النذور والقرابين والكفارات، ما يحل هذا؟ إخواني في الله، وكم وكم نحدث عن الكثير من هذه الحوادث عن أناس تذكر لهم قصص، وهذه القصص منكرة، منكرة. لكن تأتي البلية الآن، تأتي البلية، وهي العقلاء ممن آتاهم الله العقل السليم، وقبل ذلك الدين القويم، يعلم أن هذا باطل، وأن هذا ارتزاق في دين الله، وأن هذا من أعظم الظلم أن يتوصى إلى أمثال هؤلاء، ويجعلون قدوة وأسوة، بل ويجعلون معبودات من دون الله، العقلاء أهل الإيمان والتقى هم من أبعد الناس عن الإيمان بمثل هذه الخزعبلات. لكن ننظر إلى الطرف الثاني ممن هو لا زال يدندن ويستميت، ولا زال سنوات طوال، وقلبه قد تعلق بأمثال هؤلاء ممن قد علم بأحوالهم أنهم من أبعد الناس عن دين الله، ما موقفهم؟ وجدنا أن موقف هؤلاء يعود إلى أصنام في الثلاث، موقف هؤلاء إذا علموا بمثل هذه الجرائم، بمثل هذه الموبقات، بمثل هذه المخالفات التي صدرت من بعض أصحاب الزيارات، موقفهم الموقف الأول منهم من يجبن، يجبن عن الكلام، ما يستطيع، يخاف، يقرأ، يقرأ يا عبد الله، يقول: لا، هذا ليس بصحيح. إذا تذكر له بالكلام وترد له القصص مشافهة، يقول: هذا كذب، هذا دستوها في كتبنا، هذا مجسوس علينا على مشائخنا وعلى كبارنا، وأنتم فعلتم، وأنتم حرفتم، وأنتم صحفتم، وأنتم بالغتم، ونقف يا عبد الله، خذ لا تأخذ كتبنا، خذ كتابكم، أنتم مطبوع بأيديكم، فلان وفلان كتبوها، انظر، اقرأ، هذا موجود، فلان فعل، وفلان فعل، وفلان كان يراود، وفلان كان يفعل الفاحشة، وفلان كان ما يصلي، وفلان كان يفعل ويفعل، يدعي الألوهية، ذاك يدعي الربوبية، اقرأ هذا بخطكم أنتم. فإذا به يتلعثم، وقد وقع هذا، أذكر أن أحدًا منهم وكلم فلانًا من الناس ممن هو لا زال مع القوم، فإذا به يغضب ويزمجر وينكر، فقال: خذ، خذ الكتاب، وأخذه أسبوعًا يقرأ فيه، فلما رجعه، قال: ماذا تقول؟ قال: لا تشوش علي الاعتقاد، لا تشوش عليك الاعتقاد، يعني: ترضى أن يكون هذا الاعتقاد في هؤلاء، ولا ترضى بما كان من اعتقاد الباطل في الله جل في علاه. فبعضهم يجبن، بل حتى بلغني أن بعضهم لو ربما ما يتكلم، ولا يتجرأ على الإنكار، لماذا؟ خوفًا، خوفًا من لعنتهم عليه، أعوذ بالله، يخاف أن يرى أن فلانًا من فلان كان يفعل كذا، يريد أن ينكر، يقول: هذا غلط، يخاف أن يقول: هذا غلط، فإذا بالولي وفي القبر يعلم أن خطيئته راحت فيها، يخافون رهبة أشد من خوفهم من الله، أعوذ بالله. هذا الصنف الأول من يسكت جبنًا وخوفًا، بل ربما تعظيمًا في حق هؤلاء، الصنف الثاني أمام هذه الأخطاء والانحرافات من أصحابهم، من لربما يمرر هذه تحت ما يسمى بالعلم اللدني، وهذا كثير منهم، من يرى أن هناك في الحقيقة هناك أشياء نحن نراها بأمر، وفي الحقيقة أمر آخر، أنتم ما تعلمون. فهؤلاء يقسمون الدين مثلًا إلى حقيقة وإلى شريعة، ويقسمون العلم إلى علم ظاهر، وإلى علم باطن، ويقولون: هذا كحق، قصة موسى مع الخضر، خضر فعل أشياء، موسى ظنها بظن، وهي على خلاف ظن موسى، الموسى رأى الظاهر، لكن فيها علم باطن، علم لدني، قالوا: هكذا يفعل مشائخنا، هذا يفعل مشائخنا. فأن نحن قد نراها أنهم يفعلون ويفعلون ويفعلون مما نحن نستقبحه منهم، لكن عندهم مخارج يعلم بها الله عز وجل، فلا ننكر عليهم، لا ننكر عليهم، فيمررون هذه القصة، ويسلمون بما فيها، قل: أنتم ما عليكم بالظاهر، هذا له سر، هذا له سر عند الله جل وعلا، ويمررون هذا على الأتباع، بل مرروا هذا على أنفسهم. مما يذكر في قصة هذه الخزعبلات، قصة ذاكم الرجل، ويسجل عندهم في طبقات المبتدعة، أن رجلًا كان منهم من أوليائهم كان يفعل الفاحشة مع دابته، أقولها صراحة، وهذا مسجل ليس عندي، هذا مسجل في كتبهم، يفعل الفاحشة مع دابته، فلما أنكر عليه الناس هذه الفعل القبيحة المنكرة، إذ به يدافع عن نفسه، وقال لهم: ما أفعله الآن ليس الذي ترونه، أنا الآن أسد خرقًا في سفينة كادت أن تغرق في المحيط، أنتم ترون هذا، هذا أمر، هذا شيء ثاني، أنا الآن أنا أتجل في مكان آخر، هناك سفينة ستغرق، وأنا أسد الخرق، هذا الخرق، وذاك الخرق، ما هذه الدياثة؟ ما هذا الفجور والمجون؟ والذي يصبغ باسم الدين؟ آخر هذا مسجل عندهم. وكان من فعله أنه كان يجري خلف النساء، ويعفر على أنه يلمس، فعتب هذا عليه، تقل: لا، فقال: ما أفعل هذا إلا في سبيل أني أخرج منه شهوة الزنا، هذا، هذا مسجل عندهم، وهكذا هم، كلما تأتي مصيبة، وجريمة، وفسوق، وفجور، ومجون، خرجوا بهذه المخارج السخيفة، فأصبح أصحاب هؤلاء يفعلون ما يشاءون، تحت ظل: ماذا؟ أنتم ما تعرفون. ولهذا هم يذكرون هذه القصص، بل ما يتجرؤون، وأحيانًا هم لا يتجرؤون على ذكرها أمام العامة، وأذكر فيما أذكر أن واحدة منهم كان يأتي بهذه القصص أمام العامة في الكلمات والمساجد، فمنع، قال: لا، هذا إنما للخواص يفهمونها، العوام أنت تشوش عليهم، فمنع أن يذكر، فهم يذكرون هذه القصص، ويخرجونها بمخارج عدة، وكلها إباحة لما يفعلون، مثل هذه الجرائم. هذه الطبقة الثانية، الطبقة الثالثة من تصرف القوم أمام ما يعلمونه من المخالفات القبيحة التي صدرت من مشائخهم، وممن يعبدونهم ويجلونهم من دون الله جل وعلا، أنهم يقولون بملء الفم: هؤلاء ناس، هم سقطت عنهم التكاليف، سقطت عنهم التكاليف، أنا وإياك نعم، نلزم بالحلال والحرام، نلزم بالشريعة والأحكام، أنا وإياك، وفلان، وكل الناس. لكن هناك طبقة من خلق الله لا يحاسبهم الله، يفعلون ما شاءوا، كيف ما شاءوا، وهم يؤولون في هذا المقام ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، فيرون أن الإنسان إذا تعبد الله بعبادات، وتروض على بعض السلوكيات، فإنه يصل إلى هذه المرحلة التي بها تنتهي العبادة، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، إذا سمعت صوت الحق، وأنك بلغت اليقين، حينها تسقط عنك التكاليف، فأنت حر، فأنت حر، قد أحل الله لك الحرام، قد أحل الله لك الحرام. وهذا طبعًا من العقائد الباطنية الخبيثة، والغزالي رحمه الله تعالى، وقد كان متأثرًا بهذه المدرسة، بالمدرسة الصوفية، تأثر بها ردحًا من الزمن، ومع ذلك أشار إلى هذا المذهب، والذي يرى أن الإنسان يصل إلى مرتبة تسقط عنه التكاليف، قال: فهؤلاء يقتلون، يقتلون، بل قال: إن قتل واحد منهم أفضل عند الله من قتل مئة كافر، هكذا صرح، قتل واحد منهم أفضل عند الله من قتل مئة كافر، لماذا؟ لأن هؤلاء هذا الفكر إذا انتشر عند المسلمين أن الإنسان إذا بلغ إلى مرحلة تسقط عنه التكاليف، ما الذي تتوقع؟ كل واحد يدعي. فما نرى في هذه القصص والروايات الموجودة، هؤلاء يخرجون على أنهم وصلوا إلى هذه المرحلة، فماذا فعلوا؟ انحلوا من الشريعة، يفعلون ما يشاءون، ما هناك شيء اسمه حرام، ويذكر في هذا المقام ما يذكر عن الجيلاني رحمه الله تعالى، وهم من العارفين الصادقين العاملين، خرج يومًا مع أتباعه، فإذا بصوت من السماء، فرفع رأسه، فإذا بسحابة تناديه باسمه: يا جيلاني، أنا الحق، أنا الحق، قد أحللت لك الحرام. فقال الجيلاني رحمه الله: قال: اخسأ يا عدو الله، اخسأ يا عدو الله، قال: فإذا انسحبت قشعت، فكان من عندهم، قال: رحمك الله، ما الذي أعلمك؟ كيف عرفنا هذا وحي شيطان، وأن هذه من تلاعب الشيطان، قال: لما علمت أن الله جل وعلا ما أحل الحرام لأنبيائه، ولا لرسله، كيف سيحلها لنا؟ هذا هو العقل، ماذا إذا كان نبينا من الذي يدعي أنه أفضل تعبدًا من رسول الله، أو من الأنبياء؟ وهل صغرت عنهم التكاليف؟ لا، بل عبد الله إلى الرمق الأخير. ولهذا الصحيح في قوله، بل الآية التي يستدل بها القوم: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، أي: حتى يأتيك الموت، هذا اليقين الذي ما بعده شك ولا ريب، تعبد الله حتى يأتيك الموت، الشاهد إخواني في الله من هذه الكلمة أن الإنسان يتق الله في من تورط في مثل هذه الزيارات، ولينظر من الذي أولجه، ومن الذي أوقعه، ويرى أن الذي جره إلى ذلك ما هو إلا الغلو، زيادة، زيادة في تعظيمه لهذه المقامات، ولهذه العتبات، وإلا فلينظر يمنة ويسرى، هذه القبور منثورة، لماذا ما جعل على هذا، وجعل ذلك؟ لماذا فلان وفلان وفلان خاصة فقط؟ لأن لهم مقاصد، مقاصد من الأحياء، لا زالت تدر عليهم منصب سمعة، مرجعية، نفوذ، سلطة، إلى غير ذلك من حظوظ الدنيا. فيا عبد الله، إياك أن تكون سلما لغيرك يرتقي عليك من بعدك، هذا إخواني في الله ما أحب أن أذكره في هذا المقام، تنبيهًا على هذه الملاحظات التي تكمن في بعض الزيارات، أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.