الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش حديث النبي حول سب الدهر ويوضح أن الدهر ليس من أسماء الله، وأن الله هو مقلب الليل والنهار. يُظهر أيضًا أن نسبة الأفعال إلى الله قد تكون كناية عن فعل آخرين بأمره.
يشرح معنى الدهر وسبه، ويبين أن سب الدهر يعتبر سبًا لفعل الله لأنه هو الذي يقلب الليل والنهار. يُوضح أن الدهر ليس اسمًا من أسماء الله.
يُبين أن سب الدهر قد يكون سببًا في الكراهية من الله دون أن يكون كفرًا إذا لم يقصد صاحبه سب الله مباشرة. يشرح أيضًا معنى كراهية الأذى لله عز وجل وتناقض بعض الأفعال مع كمال الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر فقد آذى الله. وقول الله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾. قال في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار». وفي رواية: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر». طيب، هذا الباب متعلق بأسماء الله عز وجل، لأنه قد ظن بعض العلماء أن الدهر اسمه من أسماء الله، وهذا خطأ من جهتين. أولًا، أن الدهر اسم جامد، غير مشتق، وأسماء الله عز وجل مشتقة، ليس هناك من أسماء الله عز وجل ما يكون جامدًا. والأمر الثاني أنه قال: «وأنا الدهر أقلب الليل والنهار»، مقلب الليل والنهار، فالدهر هو الليل والنهار، وهناك مقلب ومقلب. فيستحيل مثلًا أن يكون المقلب هو المقلب، أن المقلب الليل والنهار وهو الدهر، والمقلب هو الله أقلب الليل والنهار، فيستحيل أن يكون هذا المقلب هو الله، هذا بعيد جدًا، وليس هو في معنى مفهوم الحديث. فلا يقال مثلًا أن هذا أخذ بالظاهر. والعجيب أن ابن حزم يقول بإثبات اسم الدهر وأنه من أسماء الله، وهو لم يثبت أسماء لله عز وجل، بل هو ينفي، يعطل الأسماء مثل تعطيل الجهمية، ويعطل الصفات، لكن هنا قال: إن الدهر اسم من أسماء الله، وهذا غير صحيح، وليس هناك من أهل السنة من يقول: إن الدهر اسم من أسماء الله، لأنه كما قلنا، الحديث واضح. إنما نسب الله عز وجل نفسه إلى الدهر لأنه هو المقلب، مثل ما ينسب الله عز وجل نفسه أحيانًا مثلًا في فعل شيء، وهو الفاعل الحقيقي فقط. وهذا معروف في لغة العرب، مثلًا الله عز وجل يقول: «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد»، أو يقول مثلًا: «ونحن أقرب إليه ولكن لا تبصرون»، معنى الملائكة عنده، لكن لا يبصرهم الميت. الآن الله عز وجل نسب هذا الفعل إليه جل وعلا. وأيضًا أشياء كثيرة ينسبها الله عز وجل إلى نفسه، وهو قيام الملائكة بفعله، وهذا كما قلنا معروف في لغة العرب. مثلًا الآن يقولون: من بنى القاهرة؟ يقولون فلان، معز الدين الفاطمية وكذا الحاكم، لكن هو ما بنى، لعله حتى ما حرك حتى حجر، لكن بأمره بنيت، بأمره. واسط بناها الحجاج، يقولون: واسط بناها الحجاج، الحجاج في الكوفة، معنى ما هو هو البناء، لكن هو الذي أمر. فمن الممكن أنه في لغة العرب ينسب الشيء للآمر، ويكون مقامه، فلهذا قال الله عز وجل: «أنا الدهر»، لأنه هو الذي يقلب الليل والنهار، «أنا الدهر أقلب الليل والنهار». ولأن الذي يسب الدهر أصلا يسب فعل الله، يسب فعل الله، فكأنه سب الله. لهذا قال الله عز وجل في هذا الحديث: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر»، فالذي يسب الدهر هو يسب رب العالمين سبحانه وتعالى. قال: وقوله: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر﴾، هذه الآية جاء بها المؤلف لأجل أن يبين أن الدهر هو إطلاق على الزمان. وما يهلكنا إلا الدهر، معنى لو كان معنى يريد الاحتجاج على الذين يقولون: إن الدهر هو الله، معنى اسم من أسماء الله، لو كان الدهر اسم من أسماء الله، لماذا أنكر الله عز وجل عليهم؟ لماذا أنكر عليهم وهم قالوا: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾؟ فلو كان الدهر هو الله، معنى اسم من أسماء الله عز وجل، لماذا أنكر عليهم؟ لكن هم أرادوا الدهر أي الزمان، أنه ما يهلكنا إلا الدهر، أن الزمان كل واحد له زمن معين، متى ما جاء زمانه مات. هذا الدهرية الذين ينكرون الله عز وجل، فقالوا: ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾، فلهذا أنكر الله عز وجل عليهم. فلو كان مثلًا اسم من أسماء الله عز وجل، لو قالوا مثلًا: «ما يهلكنا إلا الرحمن»، الرحمن اسم من أسماء الله عز وجل، فهذا شيء صحيح. لكن هنا لم يصحح قولهم، فلو كان اسم من أسماء الله لكان قولهم صحيح، فلهذا ذكر المؤلف هذه الآية على من يحتج بأن الدهر هو معنى بأن الدهر اسم من أسماء الله عز وجل. وفي الحديث أيضًا كما قلنا، حديث أبي هريرة، ما يدل على أن الدهر ليس هو الله، معنى ليس أقصد اسم من أسماء الله، وإنما قال الله عز وجل: «وأنا الدهر أقلب الليل والنهار»، لأنه بفعله جل وعلا، لأنه بفعله جل وعلا. فلهذا ربنا جل وعلا ينسب أفعاله إليه، ينسب أفعاله إليه. وهذا مثل كما ذكرنا، مثل الأعيان التي تنسب إلى الله، مثلًا المال مال الله، يقال مثلًا للشخص: المال ليس مالك، وإنما مال الله. فهل هذا صفة؟ لا، ليست صفة، وإنما أن أضيف إلى الله عز وجل لأنه هو الذي خلقه سبحانه وتعالى، خلق المال، وهو أيضًا المالك الحقيقي. قال: فيه مسائل: الأولى أنه عن سب الدهر، الثاني التسمية أذى لله، الثالث التأمل في قوله: «فإن الله هو الدهر»، الرابع أنه قد يكون سابًا. طيب، تسميته أذى لله، أي يسب الدهر لأن الله عز وجل هو الذي يقلب الليل والنهار، فالذي يسب الدهر كأنه يسب الله، يسب فعل الله، يسب فعل الله. يقول: هذا الدهر مثلًا خيبة، هذا الزمان أو قبّح هذا الزمان، هذا الزمان خبيث، هذا الزمان كذا، اليوم هذا نحس، أو اليوم هذا خبيث، اليوم هذا شر. مثل هذه الألفاظ غالبًا هذا تكون من سب الدهر، وهذا لا يجوز لأنه فعل الله عز وجل، فهذا يسب ويشتم في فعل الله. أيضًا مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح، فإنها من روح الله». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن رأى ريحًا فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما هي له، وأعوذ بك من شرها وشر ما هي له». وقوله: «من روح الله»، أي من نسيمه، معنى ليس من روحه. معنى بعضهم ينطق خطأ ويفسر خطأ، معنى تجد مثلًا يقول: الريح من روح الله، ليس من روح الله، وإنما «من روح الله» من روح الله، معنى من نسيمه جل وعلا، معنى هو الذي خلق هذا النسيم وهذا الهواء، هو الذي خلق هذا الهواء وهذا الريح «من روح الله». مثل أيضًا عيسى «روح الله»، معنى نسيم الله عز وجل الذي نفخ في مريم، فكان هذا الولد. والله عز وجل أيضًا نسب هذا الفعل إليه، والذي نفخ هو جبريل. طيب، قال هنا: تسميته أذى لله. قال: التأمل في قولي: «فإن الله هو الدهر»، قال: هو الدهر لأنه هو الذي يقلب الليل والنهار، وهو من فعله. الرابع: أنه قد يكون سابًا، ولو لم يقصده بقلبه يكون سابًا، لكن وإن لم يقصد، لو قيل له: كيف تسب الله؟ فيقول: لا، أنا ما أسب الله أبدًا، وأعوذ بالله أن أسب الله، لكن أسب هذا اليوم، أسب هذا الشهر، فهذا أيضًا سابًا لله عز وجل. وليس أنه يكفر صاحب هذا الفعل، لماذا؟ لأنه لم يقصد أصلا ساب الله، لم يقصد، لأنه لو قصد ساب الله لكان كافر بلا خلاف بين أهل العلم. لكنه يقصد عيب هذا اليوم أو عيب هذا الشهر، فلهذا لا يدخل في الكفر المخرج من الملة. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. نسبة العداوة لله من باب الكراهية، لا ليس ضرر، العداوة قد يكون ليس فيها ضرر، لكن الضرر لا، لأن كما قال في الحديث: «إنكم لم تبلغوا ضرًا فتضروا»، ما يستطيع البشر والمخلوقين أن يضروا الرب جل وعلا والخالق، لكن من باب الكراهية أن الله عز وجل يكره مثل هذا، كما قال الله عز وجل: «لا أحد أكره ممن أذن سمعه من الله»، لا أحد أكره أذن سمعه من الله، يخلقهم ويرزقهم ويدعون له الولد، معنى يكره هذا الأذى، معنى الله عز وجل، معنى كيف يخلقهم ويرزقهم ثم يدعون له الولد وأنه فيه هذا النقص.