الدرس في كتاب الحج 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ المقطع الأول بتوضيح مسائل فقهية متعلقة بالإحرام والحجاب، مثل حكم لبس الكفين للرجل المحرم ووجوب ستر وجه المرأة. يشدد على أهمية حفظ العلم وتثبيته.
يتناول المقطع الثاني المحظورات أثناء الإحرام مثل الطيب وحلق الشعر والرفث. يُبين أن هذه المحظورات تُترك لتعظيم شعائر الله.
يشرح المقطع الثالث أحكام المحرم مثل النهي عن قتل الصيد وعدم قطع شجر الحرم. يستند إلى الأحاديث النبوية والآيات القرآنية.
يتناول المقطع الرابع حكم قتل الفواسق الخمس في الحج والعمرة، ويشير إلى شروط قتل الصيد لدفع الضرر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي مجموعة من المسائل المتعلقة بكتاب الحج من شرح الشيخ الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه "الدراري". ومما مر معنا من المسائل، نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن لبس الكفين إلا أن يقرنهما أسفل من الكعبين، وتقدم أن المسألة فيها خلاف، فما هو الراجح؟ الراجح أسفل من الكعبين، من لبس الكفين فليقطعهما أسفل من الكعبين. دليل هذا نصف حديث جابر بن عبد الله وحديث ابن عباس رضي الله عنهما. الدليل على القول بالقطع حديث ابن عباس في عرفة، نعم، وحديث ابن عمر في المدينة، نعم. وهكذا حديث جابر بن عبد الله كان بعد حديث ابن عمر رضي الله عنه وارضاه، فدل ذلك على أن هذا متقدم ومتأخر. كذلك مرجح آخر، نقوله لمن قال: يحمل المطلق على المقيد، فنقول: لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأن من شرط حمل المطلق على المقيد عدم وجود التعارض، وهنا وجد التعارض. وجه التعارض عدم البيان وقت الحاجة، وكونه في حديث ابن عباس في عرفة، ولم يبين أنه يقطع إذا كان حكم القطع ما زال ثابتًا، هذا ينافي هذه القاعدة التي تنقض حمل المطلق على المقيد. فإذا نرجع به إلى القول بالقطع، وهو الراجح. الثالث، نعم، حديث ابن عمر جاء عن ابن عمر فقط، حديث ابن عباس أكده حديث جابر، الأمر الرابع، صحيح، حديث قطع السراويل لم يذكر في ابن عمر "من لم يجد زارا فليلبس السراويل" قاله في حديث ابن عباس، حديث جابر، وليس كذلك في حديث ابن عمر. فلما أضيف هذا الحكم في حديث ابن عباس دل أن هناك قرينة تدل على أن حديث ابن عباس بعد حديث ابن عمر، وهكذا حديث جابر. وهذه الأربع المرجحات رجحت القول بالقطع، وهو الصحيح الذي ذهب إليه محمد، أحمد بن حمل، وجماعة من أهل الحديث. ومر معنا من المسائل، نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن تنتقب المرأة وأن تلبس القفازين، قلنا: هذا النهي يدل على أن وجه المرأة كوجه الرجل، خطأ، الصحيح كبدنه. والدليل: ليس النهي عن التغطية، نهي عن تغطية الرجل لجسده معنى يمشي عريان، لكن الرجل نهي عن ماذا؟ عن لبس القميص والسروال وما كان معناه مما هو ملحق بالجسد. والمرأة نهيت عن شيء يلتصق ويشد على الوجه، ولهذا كان لبدن الرجل بديل، ما يجلس عريان، ولوجه المرأة بديل، ما يكون الوجه مكشوفًا. ولهذا كان العرب يفرقون بين الحرة والأمة بكشف الوجه، الحرة تستر وجهها، والأمة تكشف وجهها. يوجد من الإماء من تستر وجهها، لكن لا يوجد من الأحرار من تكشف وجهها. واضح، يعني ما كان الإماء ينهين عن ستر الوجه، لا، ولكن يحصل التساهل لهن في هذا الباب؛ لأن ما في خلفها من يأمرها بذلك، أما الحرة فكانت تستر وجهها. فلهذا قال العلماء: وجه المرأة كبدن الرجل، معناه له بدل مثل بدن الرجل، له بدل. نهي عن شيء، وله بدل. ما يبقى الرجل عريان يلبس شيء آخر، وهو الإزار، والرداء، والمرأة تلبس شيء آخر، وهو الخمار. ليس النقاب، ليس اللثام، ليس اللجام، ثلاثة أشياء تدخل في معنى النقاب: لثام، نقاب، لجام. النقاب الذي يستر الوجه مشدودًا عليه تحت العينين، واللثام إلى الأنف، واللجام إلى الفم. هذه ثلاثة ألبسة منهي عنها؛ لأنه نهي عن الأشد فالأدنى من باب أولى. تربط إلى الوراء وتشد على الوجه، أما تربط على الرأس وينزل إلى الأسفل، هذا ما في شيء، هذا خمار جائز. يربط على الرأس ليس على الوجه المنهي، الربط على الوجه أي شيء يشد على الوجه. يربط على الرأس وينزل من أعلى الرأس، هذا واجب، ليس المستحب واجب، أي يشدد. وهل من شرطه المجافة؟ صحيح، لا، لا يشترط فيه المجافة. نراجع هذه المسائل لتثبت، ثبوت قليل من العلم خير من كثير يذهب؛ لأن العلم ما يثبت في القلب، ليس ما في الكتب. الكتب موجودة، لكن ما تخرج تمشي بين الناس وتعلمهم، الذي يخرج بين الناس هو الذي في صدرك. ما تحفظ من العلم هو الذي ينفع الناس، والذي أنت تنتفع به، وأما الذي في الكتب، فلما شاء الله اطلع. المكتبة مليئة بالعلوم والفوائد والمسائل، دق عليها ترد عليك. دق على الكتاب يا كتاب، خرج لي الفوائد الذي عندك، أعطيني ما في داخلك، سيعطيك، لا، لازم يخرج لك قلب حامل للعلم ويخرجه للناس. نعم، حتى ما يسمونه بالذكاء الاصطناعي يغلط. الذكاء الاصطناعي، قالوا الآن: تسأل الكمبيوتر أي شيء يعطيك، من الذي أدخل الكمبيوتر المعلومات؟ الإنسان. ومن الذي يحسن أصلا السؤال؟ الإنسان الذي عنده علم، حتى تسأله السؤال الصحيح. وإذا سألت: من الذي يميز أن هذا الجواب صحيح أو خطأ؟ الإنسان الذي عنده علم. الإنسان الذي عنده علم هو الذي يجيب. ولذلك الذين استخدموا الحاسوب تقع في أخطاء كثيرة. على سبيل المثال، المكتب الشامل من أنفع المكتبات الإلكترونية الموجودة في الساحل، نافع جدًا، لكن مع ذلك الذي ينصح به مشائخنا وعلماؤنا أنك لا تعتمد على غير المطبوع، يعني إذا نظرت في المكتب الشاملة، انظر إلى الصور المصورة منها حتى تتأكد أن هذا الكلام موجود أو لا. لماذا؟ لأن الذين يدخلون المعلومات حصلت عندهم أخطاء، وكم قد مر معنا في دروسنا تنبيهات على بعض الأشياء المنقولة عن شيخ الإسلام خطأ، وبعض الكلام مبتور، يحصل فيه خطأ في الإدخال، وبعضه خطأً عنه. فالمهم من الذي يكتشف هذا؟ العلماء، هم الذين يكتشفون مثل هذه الأخطاء. فلذلك تحتاج ترجع إلى الأصل. وحتى حين ترجع إلى بعض الكتب تجد أن الطبعات تختلف، فمثلًا طبعات بعض الكتب الحديثية التي طبعها عبد الفتاح أبو غدة فيها تحريف، فيها حدث فيها تلاعب على مذهبه الحنفي، وعلى مذهبه العقدي. من الذي انتبه لهذا؟ العلماء، هم الذين يزيلون الصواب من الخطأ، والدس الذي حصل من بعض أهل الأهواء. وهكذا كثير، فلابد أن يكون طالب العلم معلوماته في صدره، يمشي معه حيثما ذهب، وهذا يثبت كيف؟ بكثرة المذاكرة والمراجعة. قال رحمه الله تعالى: "وأما كون المحرم لا يتطيب ابتداءً، ويجوز له أن يستمر على الطيب الذي كان على بدنه قبل الإحرام، فذلك هو الراجح جمعًا بين الأدلة". قال: "وقد أوضحت ذلك بشرح المناسك"، يعني أنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا على القاعدة، ويدل عليه حديث عائشة رضي الله عنها "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل إحرامه، واستمر معه الطيب". ولا يضر ذلك المحرم، ولكن بشرط أن يكون أمينًا كما قلنا في درس سابق قبل الإحرام، والشرط الثاني في البدن، ليس في الثياب. لابد من شرطين في الطيب بالنسبة للرجل: يكون قبل الإحرام، ويكون في البدن، وليس في الثياب، ليس في الثياب، في الشعر، في الإبطين، في أي مكان، لا يمس الثياب. انتبه لهذا، ما تضع على صدرك ثم يأتي الثوب فيمس هذا الطيب، إذا أمس الثوب الطيب فيجب أن تغسله من الثوب، كما في حديث يعلى بن أمية أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسل عنه الطيب. وكذلك أن يكون قبل الإحرام. أما المرأة فلا تضع الطيب، لا قبل الإحرام ولا بعد الإحرام، ولا في جسدها ولا في ثيابها، إلا طيب لا رائحة له، له لون ورائحته معدومة أو ضعيفة، لا تخرج للآخرين، يكون في الجسد لا في ثيابها، مثل ماذا؟ لا الزباد، يخرج، أيه، الزعفران، أشياء خفيفة، ومثلها اليوم مزيل العرق، هذا مزيل العرق يكون فيه طيب خفيف، ما يشمه من يأتي عند الإنسان، ما تخرج به. قال رحمه الله تعالى: "وأما كونه لا يأخذ من شعره أو بشره إلا لعذر، فلحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه بالصحيحين وغيرهما". قال: "كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقمل يتناثر على وجهي". قال: "ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟" قال: "قلت: لا". فنزلت ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: "هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، نصف صاع طعامًا لكل مسكين". وهذا اللفظ يدل أولًا يدل على أن هذا الحكم جعل في حق من احتاج أن يحلق شعره بسبب هذا الضرر، فأصابه الضرر بسبب القمل، فأمره أن يذهب هذا الضرر فيحلق. ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه، معناه: إذا كان هناك عذر يمنع من مرض أو أذية، فإنه يجوز أن يتجاوز المحظور. وهل هناك علة جامعة في ذلك؟ قال العلماء: العلة الجامعة هو كل ما أمر بتركه لأجل الترفه، أي ترك الترفه، فإنه يكون فيه هذا الحكم. قص الأظافر من التجمل، كما أن قص الشعر من تجمل، فنهي المحرم عن قص شعره، وعن قص بشره، بشره يعني أظافره، قص الأظافر. فإذا احتاج إلى قص الظفر، كأن يكون به أذى، فهنا هل يقاس عليه؟ يقاس هذا على الشعر، كثير من أهل العلم يقولون ذلك. ومن أهل العلم من يقول: لا؛ لأنه لم يرد فيه النص. والصحيح أنه يلحق به ذلك، وهذا هو قول الشوكاني رحمه الله تعالى؛ لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فهذه الفدية جعلت لأجل الدخول في هذا المعنى. والأمر الثاني أن الفدية على التخيير، ليست على الترتيب: صيام أو صدقة أو نسك، أي الثلاثة يتيسر يفعلها. الأمر الثالث أن لفظ الإطعام عام، يشمل أي نوع من الطعام، أي نوع من الطعام، ليس الطعام محدد، إنما طعام يكفي ستة مساكين كما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما من فعل ذلك خطأً أو جهلًا أو نسيانًا، فإنه لا شيء عليه. وهكذا على الصحيح إذا وقع جهلًا. وقد مر معنا أن الخطأ والجهل والنسيان في باب المأمورات تسقط الإثم، ولا تسقط الحكم. وفي باب المحظورات تسقط الإثم والحكم. وهنا محظور، ولهذا كان القول الصحيح أنه يسقط الإثم والحكم معًا، فليس عليه فدية، ليس عليه شيء. والشرع لا يجمع بين متفرق، كما لا يفرق بين مجتمع. بخلاف إذا تعمد فعله، الآن هذا الذي حلق بسبب القمل تعمد أو من لم يتعمد؟ تعمد، فما دام تعمد فعل هذا، فإنه يكون له مقابل، المقابل هو الفدية. وهكذا من يحتاج أن يقص أظافره يكون له مقابل، وهو الفدية على الصحيح. قال رحمه الله تعالى: "وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَرْفُثُ وَلَا يَفْسُقُ وَلَا يُجَادِلْ فلنص القرآن". وهذه الأمور لا تحل للحلال، ولكنها مع الإحرام أغلب، وهذا سبق قلم؛ لأن ليس هذه الأمور كلها لا تحل حتى للحلال. الفسوق لا يحل، والجدال الباطل لا يحل، لكن الرفث الذي فسر به الجماع يحل للحلال، ولا يحل للمحرم. ولا يحل للمحرم، فيحمل الكلام أنه من باب التغليب، وإلا فالرفث لا يدخل في هذا الحق. والمقصود أن من دخل في الإحرام يجتنب هذه الفضائل. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"، معناه كمال الحج بكمال فعله للواجبات، وتركه للمحرمات والمحظورات. ومن المحظورات المعاصي التي هي محرمة، وكذلك المحظورات التي هي من ترك الترفه، كقرب النساء. والمكروهات التي تبعد الإنسان عما يخدش إحرامه وعمرته وحجه، وهو الجدال. تناول ثلاثة أشياء، كل واحد منها جنس، ليس عدد، ليست ثلاثة أفراد، وإنما ثلاثة أجناس. فالرفث يدخل فيه كل ما كان محظورًا لأجل الترفه. والفسوق يدخل فيه كل المعاصي: النظر المحرم، السماع المحرم، الكلام المحرم، الظلم، العدوان، وغير ذلك من معاني المعاصي تدخل في الفسوق. والجدال يدخل فيه كل المكروهات، كل المكروهات تدخل فيه الجدال. قال رحمه الله تعالى: "وَأَمَّا كَوْنُ الْمُحْرِمِ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكِحُ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي مُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يُنْكَحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطِبُ»". يعني لا يتزوج هو، ولا يزوج غيره، ولا يخطب كذلك هو. فدل هذا على أن هذا مما يتركه المحرم. لماذا يتركه المحرم؟ لا، ليس هو الرفث كما قلنا، جنس يدخل تحته معنى، ليس معاصي، لا، كل ترفه يدخل فيه، كل معنى ترفه ينافي الإحرام. لماذا؟ لأن المحرم يقبل على الله سبحانه وتعالى، مأمور أيام معدودات، يتفرغ قلبه وجسده لله، فلا يفعل ما يشغله، لا يفعل ما يشغله؛ لأنه لو فتح هذا الباب ما أدى العبادة على الوجه الكامل الصحيح. مثل المعتكف، المعتكف مما يفسد الاعتكاف: النكاح. النكاح يفسد الاعتكاف؛ لأنه يخرجه عن قصد التفرغ لله عز وجل في الطاعة. وهذا مثله. والشرع لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع. تأمل معاني هذه الأحكام ستجد أنها تجتمع في علل واحدة. وكذلك إنكاح الغير، إنكاح الغير معناه أن الإنسان يخرج عن التفرغ للعبادة. أنت فاضي الآن، أنت جئت الآن لعبادة لعمرة، لحج، فاترك هذا الباب لغيرك، اترك هذا الباب لغيرك؛ لأنك متفرغ. المعتمر والحاج والمحرم عمومًا مثل المعتكف، متفرغ في هذا الوقت لعبادة الله وطاعته، فلا ينشغل بما ينافي هذا. معنى هذا النهي. قال رحمه الله: "وأما ما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، فقد عارضه ما في صحيح مسلم وغيره من حديث ميمونة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، وهذا هو الصحيح". فابن عباس لم يضبط الحادثة، فهي أعلم من ابن عباس. ابن عباس يقول: تزوجها وهو محرم، وميمونة صاحبة القصة تقول: أنه تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهو حلال. فنقبل قول من؟ صاحب القصة، أو من لم يحضر القصة؟ صاحب القصة. فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال. ولكن قال بعض أهل العلم: أنه تزوجها في شهر حرام، فربما لأجل هذا ظن ابن عباس أنه كان محرمًا. ولأن الحادثة وقعت في مكة، ظن أنه كان محرمًا، وهذا خطأ. والصواب ما جاء في حديث ميمونة رضي الله عنها وارضاها. قال رحمه الله: "وأما كونه لا يقتل صيدًا فقد ورد بذلك القرآن الكريم". فإذا قتل صيدًا فعليه الجزاء، يحكم به ذوو عدل، كما قال الله سبحانه. وقد نهى الله عز وجل عن قتل الصيد للمحرم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. فالمحرم لا يجوز له أن يصيد الصيد، ولكن المراد بالصيد: صيد البر. قال رحمه الله تعالى: "وأما كونه لا يأكل ما صاد غيره إلى آخره، فلحديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه بالصحيحين وغيرهما". أنه أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحشي وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه. فلما رأى ما في وجهه، قال: "إن لم نرد عليك إلا أنا محرمون"، يعني امتنع من أن يقبل الهدية ويأكل منها عليه الصلاة والسلام؛ لأنه محرم، ولأنه علم أنه صاده لأجله. ويدل عليه الحديث الآخر، قال: وأخرج مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم بالصحيحين، وبالصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من صيده الذي صاده وهو حلال. والجمع بين الحديثين: أن ما صيد لأجل المحرم لا يأكل منه، وما لم يصد لأجل المحرم فلا بأس بالأكل منه. قال: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم محرمًا فأكل عضب حمار الوحش الذي صاده أبو قتادة". وجمع بين حديث الصعب، وحديث أبي قتادة: بأنه صلى الله عليه وسلم امتنع من أكل صيد الصعب لكونه صاده لأجله، وأكل من صيد أبي قتادة لكونه لم يصده لأجله. ويدل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه عند أحمد، وأهل السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَيْدُ الْبَرِ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ». وهذا الحديث معناه صحيح، ولكن لفظه ضعيف كما أشار في التلخيص، فيه انقطاع كما ذكر صاحب جامع التحصيل، ولكن معناه صحيح، تدل عليه الأحاديث السابقة، وغيرها من الصحيح الذي بمعناه. قال رحمه الله تعالى: "وأما كونه لا يعضد من شجر الحرم إلا الإذخر، فلحديث ابن عباس رضي الله عنه ما في الصحيحين وغيرهما". قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا لِمُعَرِّفٍ». قال العباس: «إِلَّا الْإِذْخِرُ فَإِنَّهُ لِقَيْنِكَ وَلِبُيُوتِكَ». وفي النسخ الأخرى: «إِلَّا الْإِذْخِرُ فَإِنَّهُ لِلْقُبُورِ». فإنه قال: للقبور عندي، للقبور والبيوت ماذا عندكم؟ ماذا عندكم؟ والمعنى أنه يستخدم في الأشياء التي لا يمكن الاستغناء عنها، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. فكونه يستخدم في إشعال النار للحداد، وفي الخلط مع اللبن للبيوت، وفي كذلك ما يفعل في اللبن للقبور، هذه مواضع يحتاجون فيها إلى الإذخر. وما كان بمعنى الإذخر، ما كان بمعنى الإذخر، فإنه يجوز أن يستخدم كذلك. هذا إذا كان من الشجر البري الذي لا يتدخل فيه الإنسان. أما الشجر الذي يزرعه الإنسان، فكله حلال: خضار، فواكه، حبوب، هذا لا يدخل في النهي. إنما النهي عن الشجر البري، كما أن النهي عن الصيد البري. أما الحيوانات المستأنسة، ولو كان أصلها بريًا، فهي ليست منهيًا عنها. مثل إنسان أخذ غزالًا من البر ورباه في البيت، وصار مستأنسًا، يعيش مع غنمه، وتتوالد مع غنمه، هل ممنوع عليه؟ ليس ممنوع عليه. الممنوع ما يصيده من البر. وهكذا كذلك شجر البر إذا كان بعضه يزرعه الإنسان في بيته، مثل الحرمل، وما كان بمعناه من الأشجار التي يزرعها، كذلك بمعنى الإذخر. كل شيء يحتاج إليه الإنسان لدفع مضرة، أو حاجة لا تندفع إلا بها، كبعض الأعشاب التي تستعمل للدواء، إذا احتاج إليها الإنسان، مثل الحرمل، مثلًا، احتاجه للدواء، فلا بأس أن يستعمله على الصحيح. وهكذا كذلك الأشياء اليسيرة التي تستخدم لما لابد منه. ولهذا قال العلماء: أن الاستثناء هنا بمعنى مفهوم العدد، الذي لا يستفاد منه الحصر، بل يستفاد منه أن ما كان بمعناه، فإنه يدخل فيه. وقوله: "هذا البلد الحرام" يدل على أن المراد مكة بحدود حرمها، بحدود حرمها كما حددها النبي صلى الله عليه وسلم، تبعًا لما كان من زمن إبراهيم عليه السلام. ولا تزال حدود الحرم إلى اليوم موجودة، حدود الحرم موجودة، وقد وضعت عليها علامات من كل الطرق. فمن طريق جدة، من جهة الشميسي، تجد حدود الحرم ظاهرة واضحة. ومن طريق المدينة كذلك، من طريق الجعرانة كذلك، طريق الليلة كذلك، من كل الطرق تجد علامات لحدود الحرم. ما كان خارج حدود الحرم، فيجوز شجره، ويجوز صيده لغير المحرم. وأما المحرم، فلا يجوز له الصيد. ويجوز الشجر. وداخل الحرم، لا يجوز الشجر، ولا الصيد للمحرم، ولغير المحرم. فرقوا بين هذا. عندنا حدود خارج الحرم، لا يمنع من الشجر، ويمنع من الصيد البري لمن؟ للمحرم فقط. وأما غير المحرم، جائز. داخل حدود الحرم، لا يجوز لا الصيد، ولا الشجر البري لمن؟ للمحرم، ولغير المحرم. فلا يجوز أن تأكل من الحمام إلا للضرورة. الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم النقصان عنها. وقع في أيام كورونا أن بعض الناس ما كان عنده عمل، ولا عنده مال، وقعوا في وقت الجوع، يخرجون حمامة ويذبحونها على النار. ولكن لا يجوز أن يأكل من مثل هذا إلا بقدر ما يدفع عن نفسه الضرورة؛ لأنه مثل الميت. الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم النقصان عنها. مثله إنسان جائع يحتاج أن يطبخ طعام، يضطر أن يأخذ شيء يكسر به جوعه، يأخذ بقدر حاجته، يأخذ بقدر حاجته. قال رحمه الله تعالى: "وأما كونه يجوز قتل الفواسق الخمس، فلحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين وغيرهما". قالت: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والكلب العقور". وفي الصحيحين أيضًا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس من الدواب ليس في قتلهن حرج». وفي صحيح مسلم، رحمه الله، من حديث ابن عمر زيادة: الحية. وكذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أحمد بإسناد فيه ليس بن أبي السليم. وهذه أحاديث تدل على استثناء قتل هذه الأشياء في الحل وفي الحرم؛ لما ذكر المحظورات، ناسب أن يذكر ما لا يدخل في هذا المحظور، بل ما يقتل، وهو هذه الفواسق. وجاء في بعض الأحاديث تسمية الخمس: الغراب، والحدأة، والعقرب، والكلب العقور. وفي بعضها ذكر الحية. وقد جمع العلماء بينها على القول الصحيح من أقوال أهل العلم: أن ما ذكر في مفهوم العدد ليس للحصر، ولكن للتنبيه على الأهم. كأنه يقول: أهم الفواسق هي هذه، وما كان بمعناها، فالصحيح أنه يدخل في حكمها. فكل مفسد من الطيور يدخل في حكم الحدأة والغراب. وكل مفسد من السباع يدخل في حكم الكلب العقور. وكل مفسد من الزواحف يدخل في حكم الحية. وكل مفسد من الحشرات يدخل في حكم العقرب. فإذا وجد من الطيور ما هو مفسد، فإنه يجوز إذا آذى وأضر أن يقتل. وهكذا كذلك بالنسبة للسباع، فإذا تأذى الناس من الذئاب، جاز قتلها، وهي برية، أو الضباع، أو نحو ذلك. وكذلك لو تأذوا من حشرات أخرى، يجوز قتلها. طيب إذا تأذى من الصيد نفسه، الصيد الذي نهي عنه، تأذى منه، قال العلماء: يجوز أن يدفع من باب دفع الصائل. تبدأ بالأخف ثم بالأشد، يعني لا تقتله مباشرة، حاول تتخلص من أذيته بغير القتل. فإذا لم يمكن أن تتخلص من أذيته إلا بالقتل، فعند ذلك تقتله. إذا ما استطعت أن تدفع ضرره إلا بالقتل، فتقتله. وهذا يحصل لبعض الدواب، فإنها قد تستعر إذا عضها الكلب المسعور، تستعر الدواب إذا عضت الإنسان، يصيبه ما يصيب الكلب المسعور؛ لأنها تكون مسعورة مثل الكلب. وهذا يحصل للضبع، كما ذكر بعض من يخرج للبر، تعضها بعض الذئاب، فتهرب وتكون مسعورة، فتصاب في هذا المرض، فتعض أي من تقابله. وغير ذلك لما ذكرها للعلم، فالمهم يدفعه دفع الصائل، يبدأ بالأخف ثم الأشد، ولا يصل إلى القتل إلا عند الضرورة. إذا كان سمى الله عز وجل، يجوز طبعًا، إذا ثبت أنها لا تضر؛ لأن بعض المسعور يضر، لا يجوز أكله لأنه يضر. كيف لا؟ المحرم ما يأكله؛ لأنه صيد، يقتله لدفع ضرره، ولا يأكله. نعم، لكن غير المحرم يجوز أن يأكله، بشرط أن يكون قد قتل على الوجه الشرعي الذي يحصل به معنى التذكية. يقول: ما حكم من يذهب من اليمن وغيره يعتمر، ثم يذهب إلى المدينة، ثم يعود مرة أخرى فيعتمر، ويكرر هذا عدة مرات؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يشرع في السفرة الواحدة إلا عمرة واحدة، هذا فعل السلف، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم. فإن وافق في سفره سفرًا آخر لا لأجل العمرة، على الصحيح، انتبه لهذا القيد: سافر لا لأجل العمرة، فيجوز، بشرط أن يسكن رأسه بعد أن يحل، وقدره العلماء بقدر عشرة أيام إلى أسبوع. الناس يختلفون بهذا، لكن بشرط أن لا ينشئ السفر لأجل العمرة. لماذا؟ لأن أهل العلم ما كانوا يستحبون في السفرة الواحدة إنشاء أكثر من عمرة. إنسان جاء يعمل عمرة، ثم ذهب إلى المدينة، قعد في المدينة أسبوع، عشرة أيام، وهو راجع، أراد أن يعمل عمرة أخرى، جائز. أما إنسان يعمل عمرة، ويخرج إلى التنعيم، ويرجع يعمل عمرة، الصحيح أن هذا الفعل بدعة. مثله إنسان يذهب إلى المدينة، ويرجع، يذهب إلى المدينة، ويرجع في أقل من عشرة أيام، الصحيح أن مثل هذا الفعل من البدع والمحدثات. وبعض أهل العلم يقول: خلاف السنة، ولا يصل إلى البدعة. المسألة الثالثة، أو الصورة الثالثة: كل عشرة أيام يذهب إلى المدينة يعمل عمرة، ويرجع، الصحيح أن هذا خلاف السنة. وبعض أهل العلم يسميه بدعة؛ لأنه يكرر في سفرة واحدة، فينشئ السفر لأجل العمرة. ينشئ السفر لأجل العمرة. فرق بين: أنت تأتي للعمرة، وبين: أنت تخرج من مكة لأجل العمرة. لماذا؟ لأن أهل مكة عمرتهم الطواف، أنت كأنه كما يقال ليس فقط شرعًا، عقلًا وشرعًا: الكعبة عندك، طف بها، وصل ركعتين، وهذا بمثابة عمرتك؛ لأن زيارة أهل مكة، ومن كان في مكة كذلك، حكمهم حكم أهل مكة، هو الطواف في البيت. إذن لا يوجد حاجة أن تروح تخرج إلى التنعيم، ولا يوجد حاجة كذلك أن تذهب إلى المدينة وترجع، فهو إضاعة للمال والوقت. وفي نفس الوقت استحداث للعبادة، ما كان يفعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا النبي صلى الله عليه وسلم. الصحابة رضي الله عنهم إذا جاءوا مكة، قعدوا، وإن جلسوا أشهر، ما تعمدوا خروجًا ليأتوا بعمرة أخرى. لأن أهل مكة كما قال ابن عباس: "عمرتهم زيارة البيت". ومن أبى منهم إلا أن يأتي بعمرة، فليخرج لأدنى الحل، لكن في الوقت المشروع، وفي الوقت المشروع، وهو خلاف الأفضل، كما يظهر من حديث ابن عباس. والله أعلم. يقول السائل: هل الخلوة محرمة في الحج والعمرة، أو فيهما إذا كان محرمًا؟ محرم. أما بعد أن يخرج من الإحرام، سواء كان بين العمرة والحج في وقت التمتع، أو كان بعده، أو قبله، فلا حرج بذلك. المهم ليس وهو محرم، هذا النهي وهو محرم. يقول: ما حكم لبس القلنسوة التي لها ظل؟ قال: وما حال الرواية؟ روى ابن أبي شيبة، وسنده عن الشام، قال: «رأيت على ابن الزبير، والنسوة لها ظل، كان يصدل بها إذا طاف بالبيت، الذي لها ظل». المراد به: يستره من الشمس، هذا مثل الذي يلبسه الفلاح. تعرفون أهل الفلاح من الرجال والنساء يلبسون إذا اشتدت عليهم الشمس، يعني نقول: إيش؟ كوفية، أو إيش؟ يسموها، كبيرة، طاقية، بس كبيرة. كبيرة لها اسم عند أصحاب الزراعة، لها اسم، أنا نسيت الآن الاسم، لا، لا تجمع، عرف، بعضها صغير، وبعضها ما شاء الله، تقول: حبة ملوخية، تعرفون الملوخية؟ قبع. طيب يقولوا: قبع، يلبسونها، الحديدة، والحضرموت، الرجال والنساء، وعند النساء أكثر. النساء يلبسنها أكثر. وفي بعض المناطق يكون هذا الرف كبير جدًا، أكثر من شبر، ربما شبر ونصف، يعني قريب ثلاثين سنتيمتر، يعمل لها ما شاء الله ظل كبير، فتشتغل المرأة في المزرعة