الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 115، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات كمال الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله. يُبين أنهم أنصار لا إله إلا الله الذين أثبتوا لله الملك التام والحمد التام.
يشرح كيف أن الجبرية والقدرية عطلا معاني ربوبية الله وألوهيته وأسمائه وصفاته، مما يؤدي إلى نقص في التوحيد. يُبيّن أن أفعال الله من صفاته وجزء من معاني ربوبيته وألوهيته.
يتناول تناقضات الجبرية والقدرية في فهمهم للإرادة الإلهية والصفات. يُظهر كيف أن كلا الفريقين خالف بعضهما في إثبات الحكمة والتعديل، مع زعمهم أن إثبات الصفات يقتضي مشابهة المخلوقين.
يُوضح أن ضلال المبتدعة لا يقتصر على مسألة القدر بل يتعداه إلى مسائل العقيدة والتوحيد. ومن ضل في باب لزمته الضلالة في أبواب أخرى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشهر أن يقدم لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: «وقام حزب الله وحزب رسوله وأنصار الحق بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، وهو على كل شيء قدير، حق القيام، ورعوا هذه الكلمة حق رعايتها، علما ومعرفة وبصيرة، ولم يلقوا بالحرب بين حمده وملكه، بل أثبتوا له الملك التام الذي لا يخرج عنه شيء من الموجودات، أعيانها وأفعالها، والحمد التام الذي وسع كل معلوم، وشمل كل مقدور. وقالوا: إنه له تعالى بكل ما خلقه وشرعه حكمة بالغة، ونعمة سابغة، لأجلها خلق وأمر، ويستحق أن يثنى عليه ويحمد لأجلها، كما يثنى عليه ويحمد لأسمائه الحسنى ولصفاته العلا، فهو المحمود على ذلك كله أتم حمد وأكمله، لما شملت عليه صفاته من الكمال، وأسماؤه من الحسن، وأفعاله من الحكم والغايات المغتضية لحمده، المطابقة لحكمته، الموافقة لمحابه. فإنه سبحانه كامل الذات، كامل الأسماء والصفات، لا يصدر عنه إلا كل فعل كريم، مطابق للحكمة، موجب للحمد، مرتب عليه عن محابه، من محابه ما فعل لأجله». وهذا -منه رحمه الله- توضيح لمذهب أهل السنة والجماعة، أنصار الحق، كما قال رحمه الله: «حزب الله ورسوله أنصار لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، وهو على كل شيء قدير»، أي: من أثبت لله معاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فأفرده سبحانه بما يستحق سبحانه وتعالى من كماله في ذاته، وكذلك في معاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. ومن ذلك ما يتعلق به القضاء والقدر، التي هي من أفعاله، ومن لوازم معاني ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فمن أثبت لله الكمال التام والملك التام، لازم أن يثبت له كذلك الكمال التام في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله. ومن ذلك أن أفعاله كلها كاملة، فهذا لازم لمن يعتقد هذا المعتقد. ومن كمال أفعاله سبحانه أن أفعاله لا تكون إلا لحكمة وغايات، وهذا على خلاف ما عليه الجبرية، وأنه سبحانه وتعالى خالق كل شيء، ويخلق ما يشاء متى شاء كيف شاء بما شاء، وهذا خلاف ما عليه القدرية النفاة. ولذلك صار حقيقة تعطيل الجبرية والقدرية لمسائل القدر هو تعطيل لمعاني ربوبية الله وألوهيته وأسمائه وصفاته، لأنها متلازمة. فمن نفى شيئا مما يتعلق بكمال الله في أفعاله -وهذا هو ما وقع من الجبرية- وهكذا كذلك القدرية، فكل من الطائفتين عطلت شيئا من أسماء الله وصفاته وكماله في أفعاله. وهذا يستلزم كذلك نقصا يقابله في معاني ربوبيته وألوهيته وكماله بأسمائه وصفاته، لأن أقسام التوحيد الثلاثة متلازمة، لا يمكن أن يقع خدش في واحد منها إلا ويستلزم خدشا في غيرها، بل يستلزم الخدش في الجميع. وأفعال الله من صفاته، ومن معاني ربوبيته وألوهيته، فلم يثبت لله حق التوحيد من عطل شيئا من مسائل القدر. ولهذا وطأ بهذه التوطئة ليصل بها إلى ما بعدها من الرد على الطائفتين الجبرية والقدرية. قال رحمه الله: «هذا أمر ذهب عن طائفتين: الجبرية والقدرية»، يعني: معاني الكمال المتلازم ذهب عن ذهني وفكري الجبرية والقدرية. قال: «وحال بينهم وبين أصول فاسدة أصلوها، وقواعد باطلة أسسوها، من تعطيل بعض صفات كماله، كما عطل الفريقان حقيقة محبته. وقالوا: إنه لا يحب ولا يحب، بل حقيقة محبته عند الجبرية مشيئته وإرادته، ومحبة العبادة لله إرادتهم لما يخلقه من النعيم في دار الثواب، فالمحبة عندهم إنما تعلقت بمخلوقاته لا بذاته. وحقيقة محبته وكراهته عند القدرية أمره ونهيه، ومحبة العبادة له محبتهم لثوابه المنبصل». وهذا باطل؛ لأن الله سبحانه وتعالى أولاً أثبت لنفسه أنه يحب ويكره، والله أعلم بنفسه من غيره سبحانه وتعالى، ويثبت هذا على أكمل ما يكون للرب جل وعلا، ولا ينافي ذلك كماله سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته سبحانه. والجبرية وقع منهم هذا؛ لأنهم على هذا المسلك أولاً أنهم زعموا أنهم ينزهون الرب سبحانه وتعالى، وهذا التنزيه أوقعهم في التعطيل. وفي مقابل هؤلاء القدرية، وكما مر معنا هما على طرف نقيض، فهؤلاء أثبتوا الإرادة الشرعية ونفوا الإرادة الكونية، والجبرية أثبتوا الإرادة الكونية ونفوا الإرادة الشرعية، فصار قولهما متناقض. ولهذا صارت التناقضات كذلك في عقائد كثيرة لا تزال بينهم؛ لأن هذا التأصيل الذي أصلوه والقواعد التي قعدوها أثمرت كذلك تعطيلاً في جوانب كثيرة. فمن أثبت الإرادة الكونية ونفى الإرادة الشرعية دون القدرية -كهؤلاء الجبرية- أو العكس في القدرية، لزمهم التعطيل في غيرها من الصفات. ولذلك نفوا المحبة وعطلوا الكثير من الصفات التي تتعلق بهذا المعنى وتستلزمه. قال رحمه الله: «أصل الفريقان أنه لا يقوم بذاته حكمة ولا غاية يفعل لأجلها، ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: لا يفعل لغاية ولا لحكمة أصلاً. وتكايست القدرية بعض التكايس، فقالت: يفعل لغاية وحكمة لا ترجع إليه ولا تقوم به، ولا يعود إليه منها وصف»، يعني: هم خالفوا القدرية الجبرية في إثبات الحكمة والتعديل، وفي نفس الوقت هم يزعمون أن إثبات الصفات يقتضي مشابهة المخلوقين. فلذلك كان قولهم متناقضاً؛ فقالوا: «يفعل لغاية لا ترجع إليه»، معنى: «لا ترجع إليه وصفاً»، فلا يوصف بأن له حكمة وغاية، زعماً منهم أن إثبات ذلك يقتضي مشابهة الخالق للمخلوق. وهذا من أمحل المحال وأبطل الباطل. فكما أثبت لله ذاتاً لا كالذوات، فينبغي أن يثبت لله صفات لا كالصفات. فلله ذات تليق بجلاله وعظمته، لا تشابه ذوات المخلوقين. ولو نفوا وجود الذات لنفوا وجود الرب سبحانه وتعالى، ولا أحد من المعطلة -لا جبرية ولا قدرية ولا جهمية ولا غيرهم- إلا ويثبتون ذاتاً تليق بجلال الله وعظمته، لا تشابه ذوات المخلوقين. ولهذا لذاتهم، فالقول في الصفات كالقول في الذات. فكما أننا نثبت لله ذاتاً لا كذوات المخلوقين، فيلزم كذلك أن نثبت لله صفات لا كصفات المخلوقين. فنمر ما جاءت به الأدلة من الكتاب والسنة كما جاءت، هذا فيما يتعلق بالذات، وذلك ما يتعلق بالصفات. وكذلك ما يتعلق بأفعال الله عز وجل، ومن ذلك مسألة القضاء والقدر. وبه يعلم أن ضلال هؤلاء لم يقف فقط عند مسألة القدر، بل مسائل العقيدة والتوحيد متلازمة، من ضل في باب لزمه أن يضل في أبواب أخرى كثيرة، وهذا هو الواقع كما بينه وأوضحه رحمه الله. طيب، إلى هنا. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.