الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 129، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن قاعدة ذكرها الإمام ابن القيم في كتابه 'طريق الهجرتين' حول تفاوت الناس في التعامل مع المعاصي والذنوب. يركز على المشهد الأول الذي يتمثل في شهود السبب الموصل إلى المعصية والغاية المطلوبة منها فقط.
الناس يتفاوتون في قدرتهم على ضبط شهواتهم والسيطرة على صفاتهم الحيوانية. غلبة الصفة الحيوانية على الإنسان تجعله يرتكب المعاصي والذنوب.
ضبط الشهوة يتم بالأمور المعنوية مثل العلم والإيمان والطاعة، والأمور الحسية مثل تجنب المأكولات التي تزيد الشهوة. الإنسان يمتلك صفات حيوانية تؤثر على سلوكه.
المقطع يشير إلى ختام حديث أو خطبة معينة. يتضمن حمد الله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب. قال رحمه الله تعالى: الناس في البلوى التي تجري عليهم أحكامها بإرادتهم وشهواتهم متفاوتون، لحسب شهودهم لأسبابها وغاياتها، أعظم تفاوت. وجماع ذلك ثمانية مشاهد. وأشار بالتعليق، كما ترون، أنه ذكر في بعض كتبه الأخرى غير هذا العدد، فتارة يزيد وتارة ينقص، وبعضها يختلف عن بعض في بعض المواضع. وهذا يدل على أنه رحمه الله كتب هذا عدة مرات، فتارة يستحضر أشياء فيزيد، وتارة يقتصر، وتارة يستبدل شيء بدل شيء. وهذا يستفاد منه أن هذه المشاهد قد تزيد بالتفصيل، وقد تختصر بالإجمال، وسيأتي معناه ما يدل على ذلك إن شاء الله في أثناء المرور على هذه المشاهد. قال رحمه الله تعالى: أحدها شهود السبب الموصل إليها والغاية المطلوبة منها فقط، وهو شهود الحيوانات، إذ لا تشهد إلا طريق قضاء وطرها وبرد النفس بعد تناولها. وهذا الضرب من الناس ليس بينه وبين الحيوان البهيم في ذلك فرق، إلا تدقيق الحيلة بالوصول إليها، وربما زاد غيره من الحيوانات عليه بتناولها ولذته بها. هذا موضع من المواضع والمشاهد، كما ذكر رحمه الله، التي تبين وتوضح حال الناس مع المعاصي والذنوب. فالناس مع المعاصي والذنوب على مشاهد وأنواع. وسبب وقوفه في هذا الموضع والإشارة إليه، بيان أن العبد ليس مجبورًا على فعل معصيته، وأنه يفعل ذلك بإرادته، وخروجه عن الطاعة إلى المعصية، وفعله للشر وتركه للخير، ليس جبرًا من الله سبحانه وتعالى، كما ادعاه بعض من ضل في باب القدر، ولكن هو محض فعل للإنسان، ثم لهذا الفعل أسباب. من هذه الأسباب هذا السبب الأول والمشهد الأول، وهو غلبة الصفة الحيوانية في بعض الناس. تغلب عليه صفته الحيوانية حتى يطغى على عقله البشري الإنساني، فعند ذلك والناس يتفاوتون بهذا، يقدم الشر على الخير، ويقدم الشهوة على ما فيه منفعة له في دينه ودنياه. فإن الفطر الصحيحة والعقل السليم، فضلًا عن الشرع، يمنعان الإنسان العاقل أن يقع في الشهوة على الوجه الخاطئ. فقد أغناه الله بالحلال عن الحرام، ولذلك فالناس يتفاوتون. فمن الناس من يضبط شهوته، ولا يحتاج مع هذا الضبط فقط إلى إرادة. ومن الناس من يحتاج مع الإرادة، لفرط الشهوة وقوة الداعي الحيواني، أن يكبل هذه الشهوة بقيود تعينه على ذلك. ومن ذلك الصيام، على سبيل المثال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». لأن الإنسان قد تكون له إرادة ضعيفة، فشهوته تغلب الحيوانية، فيقع في المعصية. فعند ذلك يكبل هذه الشهوة بماذا؟ بالصيام الذي يكسر هذه الشهوة ويقيد هذه الصفة الحيوانية. ومن الناس من لا يردعه إلا السلطان. ولذلك جعلت العقوبات في الشرع على هذه الذنوب، جعل حد الزنا، وجعل حد الخمر، وجعل حد القذف، ونحو ذلك. لماذا؟ لأجل أن تحفظ الحقوق، ولا تغلب الصفة الحيوانية. فإذا غلبت الصفة الحيوانية، بغى بعض الناس على الآخرين في الأعراض والأموال والأنفس، وغير ذلك من أنواع البغي. فصارت هذه الحدود والتعازير بمثابة القيود، تقيد هذه الصفة الحيوانية عند بعض الناس. ومع ذلك فمن الناس من صفته الحيوانية تطغى حتى على عقله، فيضيع حتى الحياء. فربما تجد بعض الناس تغلب عليه صفته، حتى يفعل أشياء غير معقولة. تصور أن إنسانًا يتسلق بيتًا ويكفز على امرأة لأجل أن يأتي الحرام، وليس بينه وبين المرأة شيء، حتى تقول إن المرأة دعته. مثل هذا، ما هو الذي دفعه لمثل هذا الفعل؟ ما هو؟ غالبة شهوته الحيوانية، حتى صار أشد من البهيمة. ولكن كما قال ابن القيم: زاد على البهيم في فرق التدقيق والحيلة. ربما البهيمة ما عندها فكرة كيف تتسلق البيوت وتصل إلى شهوتها، لكن الإنسان لأنه عنده شيء من العقل، يصل إلى الجريمة وإلى المحرم، ولو بمثل هذه الحيلة. وهذا بسبب ماذا؟ فرض هذه الصفة الحيوانية حتى طغت على العقل. وهكذا فالناس يتفاوتون في هذا الباب. إذن فاعل هذا الذنب وهذه الخطيئة والمعصية بهذا الوصف، هل فعلها لأنه مجبور على فعلها؟ الجواب: لا، بل لأنه ضعيف في مصادمته وضبط شهوته الحيوانية. وهكذا كذلك قل في معاصي وذنوب كثيرة. من الناس من سريع الغضب، فيقتل أو يجرح. وآخر لسانه سليط، يسب. وآخر يسرق ويأخذ الأموال والحقوق. وكل هذا من الصفات الحيوانية، غلبت عليه هذه الصفة، وصار يبغي على الآخرين. ثم هذه الصفات الحيوانية، كما بينها الإمام ابن القيم رحمه الله، تتفاوت. فمنهم من يغلب عليه باب العدوان، فهو كالوحوش المفترسة. ومنهم من يغلب عليه الإفساد، كالقرود مفسدة. ومنه من هو عنده من الأخلاق الحقيرة وهكذا. صفات الناس كصفات الحيوانات. وقد أطال الإمام ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه في ذكر هذه الصفات شيئًا عجيبًا. وهذا ها هنا شيئًا مختصرًا. والمقصود وعلاقة هذا بالقدر، هو أن من الأسباب التي تجعل الإنسان يخرج عن طريق الخير إلى الشر، وكذلك الطاعي للمعصية، هو غلبة فرط شهوته وصفته الحيوانية. فمعناه: من ضبط نفسه بهذا الباب، فإنه يوفق للسلامة. فإن قيل: ما هو الذي يعين على ضبط هذا؟ الجواب: يضبط هذا بأشياء معنوية وأشياء حسية. وقد أشار الشرع إلى هذا. فأما الأمور المعنوية، مثل العلم والإيمان والطاعة والعبادة، فإن هذه تهذب النفس وتكسر الشهوة، وكذلك تضبط الجوارح. وكلما ازداد المرء علمًا، ازداد قيادًا لأوامر الله وشرعه، وهذبته وزكته هذه الطاعة. فلا تتقرب إلى الله بعلم نافع وعمل صالح، إلا ووفقك الله وعانك الله على نفسك الأمارة بالسوء. وهذه الشهوات الكامنة في النفس الأمارة بالسوء. والأمر الآخر الحسي، هو ما جاء الإشارة إليه في حديث ابن مسعود، حديث الصيام. فإن الصيام وجاء، معناه: إذا كان الإنسان يؤثر فيه الصيام، فكذلك بعض المأكولات والمشروبات تؤثر. فمثلًا، كما أشار الإمام ابن القيم رحمه الله، كذلك وغيره من أهل العلم، يجنب الشباب المأكولات الحارة التي تزيد في شهوتهم وفرطها، فيجنبون هذه المأكولات. لماذا؟ لأن هذه المأكولات تزيد في شهوتهم. فعند ذلك يجد معاناة في تفريغ شهوته، وهو شاب أعزب، ما عنده زوجة. فكيف يصنع إذا لم يضبطها بإيمانه وبطاعاته؟ فإن الشيطان قد يجره إلى الحرام. ومن الأمور الحسية أن يبتعد عن أسباب تهييج هذه الشهوة. فالخلطة المحرمة والتساهل بها، من أسباب الوقوع في هذه المحرمات. الصور والافتتان بها، من أسباب الوقوع في هذه المحرمات. وقس على ذلك أشياء كثيرة حسية تكون سببًا في تهييج شهوة الإنسان وتغليب الصفة الحيوانية. فإذا قطع هذه الأسباب، وسيجد بإذن الله سبحانه وتعالى العون. فجلوسه في حلق العلم في المساجد، أحب البقاء إلى الله، وانشغاله بالخير، هذا ضد ما عليه بعض الناس، إذا كان خالط السيئين وافتتن بالخلطة المحرمة والصور المحرمة، وغير ذلك مما هو مدعاة للشر والفساد. فخلاصة الأمر أن الإنسان ينبغي أن يحافظ على جوارحه وعلى ضبط نفسه بالأمور الشرعية والكونية التي دل عليها الشرع، فيكون ذلك عونًا له على ترويض نفسه على طاعة الله، وإبعادها عن معاصيه، وعن أسباب سخطه، وعن أبواب الشر. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه، وأن يجنبنا أبواب معصيته، واجعلنا من خاصة أهل طاعته. وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه.