شرح كتاب التوحيد 158

شرح كتاب التوحيد 158

الدرس في شرح كتاب التوحيد 158، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم التطير والتشاؤم وحكمه

يشرح المقطع مفهوم التطير والتشاؤم ويبين حكمه في الإسلام، حيث يؤكد على أن الطيرة المحرمة هي ما يؤثر على الفعل أو القرار ويعتبر من الشرك.

أسباب التخلص من التطير والتشاؤم

يذكر أن هناك عدة أسباب تساعد على ترك التطير والتشاؤم، منها فهم الحكم الشرعي وكثرة الدعاء والإيمان بالقضاء والقدر، مما يعين المسلم على التخلص من التشاؤم والتوكل على الله.

دور حسن الظن بالله في علاج التشاؤم

ينصح بحسن الظن بالله والتعلق به لعلاج التشاؤم، ويشير إلى أن إساءة الظن بالله تؤدي إلى نتائج عكسية وأن التعلق بغير الله يجعل الإنسان عرضة للابتلاء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وله من حديث الفضل بن العباس «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك». ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، وهو باب التطير، بهذا الحديث المروي من حديث الفضل بن العباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك». وهذا الحديث، إخواني في الله، رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق ابن علاثة، عن مسلمة الجهني، عن الفضل بن عباس. وهذا الإسناد فيه ضعف من عدة جهات، فابن علاثة في توثيقه خلاف، ومسلمة الجهني فيه جهالة، وهو أيضًا لم يسمع من الفضل. ولهذا ضعف الحديث جماعة من أهل العلم، ضعفه جماعة من أهل العلم. إلا أن معنى هذا الحديث صحيح، وهو الضابط في معرفة الطيرة المحرمة، وهي ما أمضاك أو ردك. وقد أشرنا إلى أن الطيرة بمعنى التشاؤم أنها لربما تكون عابرة سبيل، لربما أمر ينقض في النفس، فهذا لا يؤثر، لا يؤثر في عقيدتك ولا يؤثر في إيمانك، إلا إذا أثر في واقعك، فجعلك تمضي أو جعلك تحجم، فحينها فقد وقعت في الطيرة المحرمة. فالطيرة ما أمضاك أو ردك، كما قال عليه الصلاة والسلام. هذا خلاصة هذا الحديث. وهنا، إخواني في الله، في ختام هذا المبحث، والذي أسهب لنا المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الأدلة الكثيرة في مسألة الطيرة، أحب هنا أن أختم هذا المقام بخلاصة العلاجات التي ينبغي أن يحرص عليها أهل الإسلام، وهم في هذا الباب من أبواب الدين، في مسألة التشاؤم والتطير. وقد أشرنا إلى أن هذه المسألة، للأسف، لها رواج عند كثير من الناس، الكثير من الناس، منهم من يظهر هذا، ومنهم من يخفيه، من يتشاءم بأشكال، من يتشاءم بألوان، من يتشاءم بأرقام، من يتشاءم بتواريخ، ومن يتشاءم بأحوال، لكن منهم من يبديه، ومنهم من يخفيه. ولهذا اهتم شرعنا العظيم بأمر التطير، بذكر أنواع العلاجات التي ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية بها ومعرفة. فمن أولى ما ينبغي أن يفعله المسلم حتى يدفع التطير والتشاؤم من نفسه، ومن معتقاداته، أولًا: عليك بالتوكل، كن متوكلا على الله جل في علاه، في كل أمورك، وفي كل أقوالك وأفعالك، وفي حركاتك وسكناتك. وقد مر المعنى في الحديث الذي مضى، قال عليه الصلاة والسلام: «ولكن يذهبه الله بالتوكل». فما تذهب الطيرة عنا بمثل ما نتسلح بالتوكل، وهو أن تفوض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى، فلتلتج إلى الله وتتوكل على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، حسيبك الله، لن يضرك شيء، بل لن يضيعك ربك إذا اتكلت وتوكلت عليه. هذا الأمر الأول: التوكل. الأمر الثاني: أنك، يا عبد الله، يا من اشتغلت بالتطير، عليك أن تعلم حكم التطير الذي تفعله، هل هي عبارة عن كما يفعلها بعض الناس؟ يقول: لا والله، هذه طبيعة، فيها إيش من طبيعة فيك؟ هو والله طبيعة فيها إذا شفت هذا الشيء، وإذا سمعت هذا الصوت، أني أتشاءم، لا، هذه ما هي طبيعة تبررها على نفسك، لا، هذه مسألة شرعية، هذا ينبني عليها حلال، ينبني عليها حرام، ينبني عليها آثام، ينبني عليها عقوبات. وقد جاءت الأدلة الكثيرة على أن الطيرة من الشرك، كما جاء في حديث ابن مسعود، قال عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك، الطيرة شرك». وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «من ردته الطيرة فقد قارف الشرك». وقال عليه الصلاة والسلام: «لن يلج الدرجات العلا من تكهن أو تكهن له، أو رجع من سفر تطيرا». هذا لن يبلغ الدرجات العلا، من هو لن يبلغ الدرجات العلا في الجنة؟ من تكهن، أو تكهن له، ذهب إلى الكهانين، إلى المشعوذين، إلى السحرة، أو من رجع من سفره تطيرا، أي: ما رجع، وما بطل من سفره ورحلته إلا لما تشاءم، هذا الصنف، وذاك الصنف لن يصل الدرجات العلا. فالمسلم إذا أخذ في ذهنه يحدث نفسه بأحاديث الوعيد الدالة على أن حكم التطير من التشاؤم، أو أن من الشرك، لكان ذلك من أدعى الزواجر على أن ينكف، وأن لا يتساهل، ولا يسترسل في أمر التشاؤم. وقد مر معنا، إخواني في الله، ولو قلنا: على أن أقل الاحتمالات أن التطير من الشرك الأصغر، فإن الشرك الأصغر عند الشرع يعد من كبائر الذنوب، الشرك الأصغر في باب ميزان الشرع يعد من كبائر الذنوب. كفاك أن شرعًا سما شركًا، فلا تستسلم، ولا تسترسل، إذا دخلت عليك تلكم الأحوال التي اعتدت على أن تتشاءم منها، أو اعتبرتها نحسًا، اعلم أن هذا النحس، أو أن هذا الشؤم، حكمه شرعًا الشرك. فإذا لسانًا دائمًا يفهم هذه المسألة، وهذا الحكم الشرعي، كان ذلك من دواعي الكف عن التطير. كذلك مما يعين على ترك التطير والتشاؤم: الدعاء، الدعاء، يا عبد الله، خاصة ما قد مضى معنا أن من ابتلي بالتطير فليكثر من قوله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الحديث: يحسن جماعة من أهل العلماء «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». على صحته، وإن لم يصح، فإن الدعاء والأذكار، يا عبد الله، تحميك، تحميك من كل ما يسوءك. أنت من ماذا خائف؟ التشاؤم ما يصدر إلا عن خوف، عن هلع، عن جزع، عن ضعف. لكن أركن إلى ربك جل وعلا، أكثر من ذكره، من دعائه، من وردك لله جل وعلا، فالله معك. «وأنا مع عبدي، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملأه». فالله معك كل ما ذكرته، فاذكروني أذكركم. فإذا ذكرت الله في حلك وترحالك، وفي سفرك، وفي مقامك ومقعدك ومجلسك، وفي كل شؤونك، فالله معك، إذا، ما الذي سيؤذيك؟ مماذا تخاف؟ لا تخاف شيئًا إذا كان الله معك. ولهذا، الشرع، حرص على أن الإنسان دائمًا يلازم الدعاء، لازم الدعاء، حتى كان من أذكار الدعاء: «اللهم إني أسألك خير هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده». خلاص، ادعُ الله، يا عبد الله، فالله يحميك. حتى الزوجة إذا دخلت على الزوجة في أول يوم تضع يدك على جبهتها: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه». انتهى أمرها، إن كان فيها شر سيقمعه الله. فالإنسان دائمًا يحرص على الأذكار، على الأوراد، ما يضرك شيء، فما في داعي التشاؤم إذا كان الله معك، من ذا الذي سيضرك، يا عبد الله؟ فهذه من أسباب إبعاد التطير من حياتنا: كثرة الذكر والدعاء لله. رابعًا: كذلك مما يعين في هذا الباب: الإيمان بالقضاء والقدر، تعلم أن الأمور بيد الله جل في علاه، الكون كونه، والخلق عبيده، يفعل ما يشاء جل في علاه، الضار والنافع هو الله سبحانه وتعالى، ما يقع شيء في كونه، ولا في خلقه إلا بتدبيره وأمره، بتدبيره وأمره، هو الذي أراد فكان، ما هناك خالق سوى الله جل في علاه. لا تظن أن هذه الأحوال من الرمال، ومن الأشخاص، ومن الأقوال، ومن الطيور، ومن البهائم، ومن غيرها، أنها تجلب عليك شرًا، لا، يا عبد الله، ما أتى بهذا الشر إلا بما قدره الله عليه. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. فالإنسان كلما كان مستوثقًا بإيمانه بقضاء الله وقدره، حينها لن يلتفت إلى التشاؤم، يعلم أن ما أصاب السيارة، أو ما أصاب المركوب، أو ما أصابوا في نفسه، أو ما أصابوا في أهله وعياله، إنما هو بتقدير الله، لا بتقدير أحد سواه. كذلكم خامسًا، إخواني في الله، مما ينبغي أن الإنسان إذا خشي على نفسه من التشاؤم عليه أن يحسن الظن بالله في كل أحواله. أردت أنك تمضي في مقام، إذا كان تمشي في مهمة من المهام، اعلم أن الله سيعاملك، اعلم أن الله سيعاملك على قدر تعاملك بربك. وفي الحديث القدسي قال الله: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء، فإن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًا فله». فلا تسيء الظن بالله جل وعلا، إذا سافرت أو أقدمت، لا تتردد أو تشكك، وإنما أحسن الظن بالله. فإذا أحسنت الظن بالله كان الله عند حسن ظنك، فإن ظن بي خيرًا فله، فتجد الخير أمامك، وإن ظننت بالله وحاشا سوءًا فتجد أن السوء أمامك. ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل، لأن الفأل مما يعطيك حسن ظن بالله. أخيرًا، إخواني في الله، مما يعالج به التشاؤم أن تعتقد أن الله عز وجل سيعاملك على نقيض فعلك، على نقيض فعلك. أنت أردت من التشاؤم شيئًا، الهروب، الهروب من ماذا؟ من المخاوف. تفتح المحل، رأيت أعور، أقفلت المحل، ماذا فعلت؟ هروب من ماذا؟ من أزمة ستحصل عليك في الدكان، مثلًا. أردت أن تسافر، أردت أن تعقد زواجًا، أردت أن تذهب إلى مكان، فأصبحت أشياء من وجود نعال، من وجود بهائم، من أشياء ليس لها إلا خيال، فجعلت عليها أثرًا، هذه الأشياء جعلتك تكف، لماذا كففت عن المضي قدمًا؟ حتى لا تقع في أهوال. اعلم أن الأهوال ستأتيك، لأن الله يعاملك على خلاف قصدك. وفي الحديث القدسي قال الله: «أنا أغنى شركاء عن الشرك، فمن أشرك معي غيري تركته وشركه». الله عز وجل لا يجد أحدًا أن يزاحمه في العبودية، ولا في الألوهية، فهو واحد أحد فرد صمد جل في علاه. فإن وجد أن عبدًا من عباده جعل مع الله شريكًا، لا ما يصلح هذا، فيقول الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن أشرك معي غيري تركته وشركه». أنت وشركك، وأنا لست معك، حينها إذا تركك الله مع الذي أشركت معه، ما الذي تظن أن هذا الشريك سيفعل بك؟ سيفعل بك الأفاعيل. وقد دلت الأدلة الشرعية والأدلة العقلية على أن الإنسان إذا تعلق بأمر ابتلاه الله جل وعلا به، اهتله الله به، مثل ما كان يفعله أهل الجاهلية، وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، ما الذي صار؟ فزادوهم رهقًا. عندما كان أهل الجاهلية لا يلتجئون إلى الله، وإنما التجئوا إلى غير الله لطلب الحماية، يلتجئوا إلى الجان، فماذا فعل الجان بالإنس؟ زادوهم، زادوهم رهقًا. وهكذا قل في حق المتشائم. ولهذا، ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتابه «البدائع»، قال رحمه الله في حق المتطير: ما حاله؟ قال: «البلايا إليه أسرع، والمصائب به أعلق، والمحن له ألزم». يعني هو هرب، المتطير هرب من هذه الأمور، لكن الله يبتليه بضدها، فتجد أن المصائب تأتيه، المصائب له ألصق، ما يتنفك عنه. كحال هذا الرجل الذي أغلق الدكان، هل انتهى أمره؟ لا، إذا ذهب إلى البيت، والله ستأتيه المهاوس والهواجس، فكل حركة وكل تسكينة ستكون في بيته، قد أغلق المحل، في بيته سيجعل هاجس تشاؤم، نحس تشاؤم، نحس يتعلق بها قلبه، ولا يزال في خوف واضطراب، لأن من أشرك مع الله يجعلك الله مع هذا الشرك، ولا يبالي له بك. ولهذا، يا عبد الله، انظر في كل من تعلق بغيره، لمن تعلق بالمال وأصبح خريصًا على المال، يعذبه الله بالمال، يعذبه الله بماله، دائمًا يحسب، دائمًا ينظر، دائمًا يراقب الحسابات، تضيع عليه الأموال، تقل عليه البركة، لا زال هوس، هوس يعذبه الله بمن تعلقت به. فالمسلم لا يتعلق إلا بربه، فمن تعلق بشيء وكل إليه، ومن تعلق بالتشاؤم فالله جل وعلا يكلك إلى التشاؤم، فتجد أن المصائب تكثر في حقك، بخلاف المتوكل على الله، لن يضره شيء، بل ولو قدر عليه قضاء، فالله جل وعلا يدفعه ويرفعه، لأن الله كافيه، وأن الله حاميه. فهذه أمور، إخواني في الله، يذكرها العلماء في هذا المقام، في بيان كيفية التخلص بمسألة التطير والتشاؤم، وأنها من الأمور النافعة إن حرص عليها كل مسلم ومسلمة. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.