الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 594، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناولت المقاطع الأولى أحكام مباشرة الحائض ومؤاكلتها، حيث أجاز النبي صلى الله عليه وسلم مؤاكلتها ومباشرتها فوق الإزار. يرى بعض العلماء جواز المباشرة مع الكراهة إذا كان الإنسان قادرًا على ضبط نفسه.
ناقشت المقاطع حكم مباشرة الحائض فوق الإزار، حيث اختلف العلماء بين الجواز مع الكراهة والتفريق بين بداية الحيض ونهايته. يُشترط ضبط النفس عند المباشرة.
استعرضت المقاطع الأخيرة أحكام غسل المذي، حيث يُستحب غسل الذكر والأنثيين عند نزوله. يُعتبر المذي نجسًا ويجب غسله إذا ظهر في الثوب، ويكفي رش الماء إذا لم يظهر أثر له.
ناقشت المقاطع طهارة المذي وتنجيسه، حيث يرى الحنابلة أن غسله مستحب وليس واجبًا. يجب غسل الثوب إذا ظهر فيه المذي، ويكفي رش الماء إذا لم يظهر أثر له.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، إن شاء الله تعالى نكمل الحديث أو ما تبقى من الروايات في حديث عبد الله بن سعد. قال وقال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا عباس بن عبد العظيم العنبري ومحمد بن عبد الأعلى، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن معاوية بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد، قال: سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن مؤاكلة الحائض، فقال: «واكلها». وهناك جاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عن نفسه: «وآكلها»، أو قال: «وأمّموا آكلة الحائض فآكلها»، أو فقال هنا: «واكلها»، معناه: يجوز لك أن تأكل مع الحائض. قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن سعد حديث حسن غريب. قال أبو عبد الرحمن: ورواه أبو داود. أبو عبد الرحمن عن الشيخ مقبل، قال: ورواه أبو داود، وقبله: «ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار». وأخرجه ابن ماجه. قال أبو داود رحمه الله: حدثنا إبراهيم بن موسى، وهو الفراء، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا معاوية -يعني ابن صالح- عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله الأنصاري، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: «ذلك المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة». قال: هذا حديث حسن. طيب، الآن في هذه الروايات معنى بعض الزيادات التي لم تذكر في الرواية الأولى. وذكرنا مسألة الحائض، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن مؤاكلة الحائض قال: «وكلها». وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن اليهود ما كانوا يأكلون مع الحائض ولا يجالسونها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افعلوا كل شيء إلا النكاح، افعلوا كل شيء إلا النكاح»، أنا أنا إلا الجمع، لا تجامعوا. واجت في رواية رواية أبي داود: «ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار». قال: «لك ما فوق الإزار». وهذا أيضًا حكم آخر في مسألة مباشرة الحائض، فالحائض لا تجامع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يفعلوا كل شيء إلا النكاح»، لكن هل مباشرتها تكون في كل مكان دون الفرج، أو ما فوق الإزار؟ وقد جاء أيضًا عند أحمد والنسائي أن أسامة بن زيد أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: «ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: يحل له ما فوق الإزار». ومعنى ما فوق الإزار: أي الإزار يكون من الركبة إلى ما بعدها، معنى: قبل السرة، معنى: فوق الركبة وقبل السرة، معنى هذا إزار عند العلماء سمي إزار. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما فوق الإزار»، أي: أنه لا يحل أن يأتي الرجل المرأة ويباشرها في المكان الذي يجامع فيه، حتى ولو كانت مباشرة. وقد جاءت أحاديث بجواز المباشرة في الفرج وفي غيره، كما قلنا في حديث أنس لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فأتوا حرثكم أنى شئتم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افعلوا كل شيء إلا النكاح»، أو قال: في قول الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فقال: «افعلوا كل شيء إلا النكاح، افعلوا كل شيء إلا النكاح إلا الجماع». وجاء أيضًا في الصحيحين أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر وهو حائض ألقى على فرجي خرقة وباشرني». فالجمع بين هذه الأحاديث أنه يقال: أنه يجوز المباشرة مع الكراهة، وهذا اختاره جماعة، ورجحه الحافظ في الفتح، فإنه يجوز مع الكراهة، يجوز أن يجامع دون الفرج، أو أقصد في مكان الفرج، لكن مع الكراهة، والأفضل أن يكون فوق الإزار، أن يكون فوق الإزار. وقال بعض العلماء بالتفريق بين بداية الحيض ونهايته، بداية الحيض ونهايته. وجاء في رواية بحديث عائشة مما يدل على هذا، وقالت عائشة رضي الله عنها: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أملككم لإربه»، أملككم لإربه. فلهذا أخذ العلماء كأحمد وغيره أنه لا بأس أن الإنسان يجامع إذا رأى من نفسه أنه -أقصد- يباشر ولو عند الفرج، إذا رأى من نفسه أنه لا يأتي الحرام، يعني إذا رأى من نفسه أنه بعيد عن أن يأتي في الحرام فلا بأس، فإنه لا بأس أن يجامع في هذا المكان. وكذلك أيضًا خلف المرأة -معنا في دبر أو كذا- أيضًا إن عرف من نفسه أنه لا يأتي الحرام فلا بأس. وأيضًا كذلك من كان يظن من نفسه أنه قد لا يتوقع ولا يملك نفسه، فالواجب أنه يبتعد، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، فالواجب أنه يبتعد. ويذكر بهذا الحديث ما يحل للمرأة ويحرم، قال: «لك ما فوق الإزار». وأما الرواية الأخرى وفيها: «فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك»، لأن هناك من قال من العلماء كالشافعي باستحباب غسل الأنثيين -أي البيضتين أو الخصيتين- لمن أنزل مذيًا، قال بعضهم باستحباب ذلك، وبعض العلماء يقول: أن الزيادة: «أنثييك» ليست صحيحة، لكن جاءت بإسناد صحيح، نفس الإسناد، ورواها عبد الله بن وهب، وهو حافظ كبير. صحيح أنه خالف عبد الرحمن بن مهدي، فعبد الرحمن بن مهدي لم يأت بهذه الزيادة، وعبد الرحمن بن مهدي كان يؤدي الألفاظ، لكن قد يكون هذا الاختلاف من معاوية بن صالح نفسه، لأن معاوية بن صالح قد تكلم بعض العلماء في حفظه، وقد يكون منه أحيانًا يزيد هذه الزيادة، وأحيانًا لا يزيدها. فلهذا فنقول: إن عبد الله بن وهب حافظ، وهذه الزيادة زيادة صحيحة، وزيادة الثقة فلهذا فهي مقبولة، فيستحب أن يغسل من نزل منه مذي أن يغسل فرجه وأنثييه من باب الاستحباب، ولا من باب الإلزام، لأنه قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام بغسل الذكر فقط: «يغسل ذكرك وتوضأ»، ولو أضاف الأنثيين أيضًا هذا أفضل، أن يغسل أنثييه مع ذكره، مع معنى غسل الذكر. وأما ما أصاب الثوب -ما يصيب الثوب- فقد جاء في حديث سهل بن الحنفية عند أحمد وأبي داود والنسائي أنه قال: «كنت أجد عناء شديدًا من المذي، وكنت أغتسل حتى تشقق ظهري -كنت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري- فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال: إنما يكفيك الوضوء»، قال: «فسألته عما يصيب الثوب منه -أي من هذا المذي- فقال: خذ كفًا من ماء ورشه عليه»، خذ كفًا من ماء ورشه عليه. ولهذا الإمام أحمد عمل بهذا الحديث، ويرى أن المذي إذا أصاب الثوب فإنه يطهر بكف من ماء، أن يؤخذ ماء ويرش على مكان الذي يظن أنه فيه في ثوبه، الذي يظن أنه في ثوبه، فيرش فيه، فيكفيه هذا، معنى: ما يغسل الثوب، وإنما الرش يكفيه. فإذا مثلًا ما وجد شيئًا -معنى يعرف أنه أمذى- لكن ما يدري أين وقع من الثوب، وليس له أثر، فلا عليه شيء، لا عليه شيء. بعض الناس مثلًا جلوس واثق هذا الثوب فيه مذي فيه كذا، ويخرج الثوب ولا يصلي فيه، لا يصلي فيه. إن وجد شيئًا غسله، أو رشه بالماء، إن لم يجد شيئًا ظاهرًا فلا عليه شيء، ولا عليه أن يخرج ثوب. وقد جاء في حديث معاوية أنه قال: «سألت أم حبيبة -وهي أخته- سألت أم حبيبة عن هل يصلي النبي صلى الله عليه وسلم في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم، إلا إن رأى أذى غسله، وصلى فيه»، معنى: إذا كان لم يرَ شيئًا يصلي في هذا الثوب الذي قد جامع فيه، وإن رأى شيئًا غسله، وصلى فيه. وهذا الغسل ليس كما ليس هو على الوجوب إذا كان منيًا، وأيضًا عند جماعة من الحنابلة حتى ولو كان مذيًا ليس على الوجوب، وإنما على الاستحباب، لكن الصحيح أنه نجس، فإن رأى في ثوبه شيئًا غسله، وإن لم يرَ شيئًا قد ذهب أثره -مثلًا لأن المذي غالبًا يذهب أثره- فلا عليه شيء، لكن إن رأى فإنه يكفي حتى رشه بالماء، وإن غسله فمن باب الزيادة. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم.