التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 121

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 121

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 121، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم المشاركة في أعياد المشركين وآثارها

يناقش حكم مشاركة المسلمين للمشركين في أعيادهم وآثار هذه المشاركة، ويشمل ذلك حكم البيع والشراء في أعيادهم. يُبين أن المشاركة تعتبر إعانة على المنكر.

الآراء الفقهية حول التعامل مع الكفار في أعيادهم

يستعرض آراء الفقهاء حول الشراء من أسواق الكفار في أعيادهم، ويشير إلى اختلافهم في هذه المسألة واستنادهم إلى قواعد فقهية مثل 'الوسائل لها أحكام المقاصد'.

موقف مذهب مالك من أعياد المشركين والتعامل معهم

يشرح مذهب الإمام مالك في مشاركة المشركين في أعيادهم، ويبين كراهية أكل ذبايح النصارى وتعظيم شركهم، والنهي عن تهنئتهم ومشاركتهم في عيدهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. بعدما ذكر المؤلف شيخ الإسلام المترجم رحمه الله تحريم التشبه بالعياد أو بعياد المشركين، ذكر بعد ذلك أيضا أنه لا يجوز مشاركتهم في الأعياد، حتى ولو كان ببيع؛ لأن هذا مشاركة، وأيضا تكثير لسوادهم. قال: «ولا يبيع المسلم ما يستعين به المشركون على مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر». فأما مبايعتهم ما يستعينون به على عيدهم، أو شهود عيدهم للشراء فيها، فقد قدمنا أنه قيل للإمام أحمد: «إن هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام، مثل طور يانور ودير أيوب وأشباهه، يشهدها المسلمون، يشهدون الأسواق ويجلبون فيها الغنم والبقر والدقيق والبر وغير ذلك، إلا أنه إنما يكون في الأسواق، يشترون ولا يدخلون عليهم بيعهم، وإنما يشهدون الأسواق». قال: «إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق، فلا بأس؛ أنا لا نرى بأسا للإنسان أن يشتري، لكن يشاركهم في البيض، هذا خطأ». قال: «فهذا الكلام محتمل؛ لأنه أجاز شهود السوق مطلقا، بائعا ومشتريا؛ لأنه قال: إذا لم يدخلوا عليهم كنائسهم، وإنما يشهدون السوق، فلا بأس. وهذا يعم البائع والمشتري، لا سيما إن كان الضمير في قوله: يجلبون، عائدا إلى المسلمين؛ فيكون قد نص على جواز كونهم جالبين إلى السوق». فهذا يقول: احتمال أن الإمام أحمد يجوز هذا. قالوا: «يحتمل، وهو أقوى، أنه إنما رخص في شهود السوق فقط، ورخص في الشراء منهم، ولم يتعرض للبيع منهم؛ لأن السائل إنما سأله عن شهود السوق التي يقيمها الكفار لعيدهم». وقال في آخر المسألة: «يشترون ولا يدخلون عليهم بيعهم، أن لا يدخلون الكنائس التي فيها عيدهم، وإذا أرادوا أن يشتروا شيئا من هذه الأسواق التي فيها العيد، فلا بأس». لكن الشيخ هنا يريد أن يبين أن مسألة البيع خطأ، أن يبيع المسلم في عيد هؤلاء المشركين، هذا خطأ. قال رحمه الله: «وذلك لأن سائل مهنا بن يحيى الشامي، وهو فقيه عالم، وكان -والله أعلم- قد سمع ما جاء في النهي عن شهود أعيادهم، فسأل أحمد: هل شهود أسواقهم منزلة شهود أعيادهم؟ فأجاب أحمد بالرخصة في شهود السوق». فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط، للشراء منها من غير دخول الكنيسة، فيجوز؛ لأن ذلك ليس فيه شهود منكر، ولا إعانة على معصية. ولا شك أن الأسلم هو الابتعاد، لكن إذا أراد شيئا لا يجده إلا في هذه السوق، فلا بأس أن يشتري. أما أن يأتي ويبيع ويكثر سوادهم بالبيع، هذا خطأ. قال: «لأن نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعون لعيدهم عنهم؛ فيكون فيه تقليل الشر». يقول: الآن هذا إذا كان هذا الشيء الذي يشترى لا يكون فيه إعانة على عيدهم. قالوا: «قد كان مثلا، مثل أعياد الفرس، يبيعون النار وغيرها، وما يكون فيه نارا؛ فلا يشتري للإنسان ما يكون فيه نارا، حتى لا يؤيدهم فيما هم عليه». قالوا: «قد كانت أسواق في الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون لأعياد باطلة». وأيضا فإن أكثر ما في السوق أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية، فهو كما لو حضر الرجل سوقا يباع فيها السلاح لمن يقتل به معصوما، أو العصير لمن يخمره. فحضرها الرجل ليشتري منها، حتى لو كان مثلا هذه السوق يباع فيها الحراب، لكن هناك أشياء تباع معها حلال، يجوز له أن يشهد ويشتري هذا الشيء الذي أراده. قال: «ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز عندنا؛ كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام، وهي دار حرب». وأما معنى ذهاب أبي بكر في وقت مع أبي طالب، فهو خطأ. حصل أن أبا بكر ذهب مع النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أبا بكر كان تاجرا، فكان يذهب أحيانا إلى أرض الشام. وهنا ذكر أنه ذهب في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: «حديث عمر رضي الله عنه، وحديث آخر، بسط القول فيهما في غير هذا الموضع؛ بأنه لا بد أن تجتمع أسواقهم على بيع ما يستعان به على المعصية». الآن يريد الشيخ أن يفرق بين أن يشتري الإنسان شيئا من أسواق المشركين في عيدهم، فأما في أسواقهم، أسواق الجاهلية، أو أسواق الكفار في بلدانهم، هذا جائز؛ الإنسان يشتري ما ينفعه، ولو كانت هذه السوق يباع فيها الحرام. فإن كان وجد هذه البضاعة التي يريدها في مكان آخر، فهو أفضل. وإن لم يجدها إلا في هذه السوق، أو أنها أرخص، فلا بأس أن يشتريها. وأما إن كان في أعيادهم، فيقول: أن لما محمد رخص في الشراء، وجاء عن بعض الأئمة أنه يمنع من ذلك. قال: «فأما بيع المسلمين لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا في نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصلا، وهو أن بيع الكفار العنب وعصيرا يتخذون خمرا، لا يجوز. وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحا يقاتلون به مسلما. وهذا داخل في القاعدة الشاملة، وهو أن الوسيلة حكمها حكم المقصد، أو الوسائل لها أحكام المقاصد. هذه قاعدة فقهية: الوسائل لها أحكام المقاصد. وهذه من القواعد الكبرى، هي قواعد خمس الكبرى. من هذه القاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد. وهي تدخل في القاعدة الأولى في المقاصد. فكل وسيلة تؤدي إلى الحرام، فهي حرام. فلهذا فاجتماع الناس في البيع في أعياد المشركين، هذا تعاون لهم». قالوا: «قد دل حديث عمر رضي الله عنه في هدايا الحلة السراة إلى أخ له بمكة مشرك على جواز بيعهم من حرير؛ لكن الحرير مباح في الجملة، وإنما يحرم الكثير منه على بعض العادمين. أن بيع وشراء جائز، لكن لبسه الذي هو حرام». قالوا: «لهذا جاز التداوي به في أصح الروايتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لبعض الصحابة أن يلبسوا الحرير لأجل الحكة، أجاز للزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف». قال: «ولم يجز بالخمر بحال أن أجاز الحرير، ولم يجز الخمر، وجازت صنعته في الأصل، والتجارة فيه». قال: «فهذا الأصل فيه اشتباه؛ فإن قلنا بالاحتمال الأول في كلام أحمد، جوز ذلك. وأن أحمد في جواز حمل التجارة إلى أرض الحرب، روايتان منصوصتان؛ فقد يقال: بيعها لهم في العيد كحملها إلى دار الحرب. فإن حمل الثياب والطعام إلى أرض الحرب، فيه إعانة على دينهم في الجملة. وإذا منعنا منها إلى أرض الحرب، فهنا أولى». معنى أرض الحرب: أي الأرض التي فيها الكفار الذين يقاتلون المسلمين. فهل يجوز للمسلم أن يذهب ببطاعة إلى عندهم؟ فهذا قال: روايتان عن أحمد فيه. معنى رواية فيها المنع، ورواية فيها الجواز. قال: «وأكثر أصوله ونصوصه تقتضي المنع من ذلك». معنى المنع من أن الإنسان يعين الكافر في مثل هذه الأعياد وغيرها. قال: «لكن هل هو منع تحريم، أو تنزيه؟ مبني على ما سيأتي». وقد ذكر عبد الملك بن حبيب أن هذا مما اجتمع على كراهته، وصرح بأن مذهب مالك أن ذلك حرام. أي البيع في أماكن أعياد المشركين، لا يجوز أن يباع فيها. وقال عبد الملك بن حبيب في الواضحة: «عبد الملك بن حبيب هو القرطبي أبو مروان، وهو من أئمة المالكية الذين كانوا في الأندلس». قال عبد الملك بن حبيب في الواضحة: «كره مالك أكل ما ذبح النصارى لکنائسهم، ونهى عن أكل ما ذبحوا على اسم المسيح أو الصليب أو أسماء من مضى من أحبارهم ورهبانهم الذين يعظمون». وقد كان مالك وغيره ممن يقتدى به يكره أكل هذا كله معا من دبايح. وبنأخذ بهذا، وهو يضاهي قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. ما أهل: أي ذكر فيه اسم غير اسم الله. قال: «وهي ذبايحهم التي كان يذبحون لأصنامهم التي كانوا يعبدونها». قال: «وقد كان رجال من العلماء يستخفون ذلك، يقولون: قد أحل الله لنا ذبايحهم، وهو يعلم ما يقولون وما يريدون». ومعنى الله عز وجل: حل ذبايح النصارى، لكن إذا عرف أنهم يذبحون باسم فلان أو فلان، فإنه لا يأكل. وكره جماعة من العلماء ذلك. وقال بعضهم: يستخفون ذلك، استخفافا، أي يجيزون هذا. قال: «ويقولون: قد أحل الله لنا ذبايحهم، هو يعلم ما يقولون وما يريدون بها». ورووا ذلك عن ابن وهب، عن ابن عباس، وعباد بن الصامت، وأبي الدرداء، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، وربيع، ويحيى بن سعيد، ومكحول، وعطاء. أنهم رووا، وعنهم كراهة ذلك. قال: «وقال عبد الملك: وترك ما ذبح لأعيادهم وقسيسهم وموتاهم وكنائسهم أفضل». قال: «وإن فيه عيبا آخر: إن أكلهم من تعظيم شركهم». قال: «ولقد سأل سعد المعافر مالكا أيضا: سعد المعافر هذا من علماء المالكية من طلبة مالك». قال: «وقد سأل سعد المعافر مالكا عن الطعام الذي تصنعه النصارى لموتاهم، يتصدقون به عنهم. أأكل منه المسلم؟ قال: لا ينبغي، لا يأخذ منهم». قال: «لا ينبغي أن يبتعد عنه؛ لأنه إنما يعمل تعظيما للشرك، وهو كالدبايح للأعياد والكنائس». وسئل ابن القاسم عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة، هل يجوز لمسلم شراؤه؟ فقال: «لا يحل ذلك له؛ أن إنسانا يبيع عرضا، ويقول: هذه الأرض، ريعها أو المال الذي يكون منها يعود للكنيسة. فهل يجوز للمسلم أن يشتري هذه الأرض؟ فقال: لا يحل ذلك له؛ لأنه تعظيم لشعائرهم وشرائعهم، ومشتريه مسلم». سواء هذا كلام مالك، أو كلام ابن القاسم، وهو من أصحاب مالك. وقال ابن القاسم: «في أرض الكنيسة يبيع الأسقف منها شيئا في مرمتها، في ترميم هذه الكنيسة، وربما حبست تلك الأرض على الكنيسة لمصلحتها». معنى وقف: إنه لا يجوز للمسلمين أن يشتروها من وجهين: الواحد من العون على تعظيم الكنيسة، والآخر من جهة بيع الحبس، أي بيع الوقف. ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز للمسلمين. ولا أرى الحاكم من حكام المسلمين يتعرض فيها بمنع، ولا تنفيذ، ولا بشيء. قالوا: «وقد سئل ابن القاسم عن ركوب السفن التي تركب فيها النصارى إلى عيدهم، فكره ذلك؛ مخافة نزول السخط عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه». أن السفن التي تذهب إلى مكان فيه عيد، فكره ذلك. وكره ابن القاسم أن يهدي المسلم للنصارى شيئا في عيدهم، مكافأة لهم، ورآه من تعظيم عيدهم، وعونا لهم على مصلحة كفرهم. ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئا من مصلحة عيدهم: لا لحما، ولا إداما، ولا ثوبا، ولا يعارون دابة، ولا يعاونون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم، ومن عونهم على كفرهم. وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك. وهو قول مالك وغيره، لم أعلم أنه اختلف فيه. هذا كلام ابن القاسم رحمه الله عليه، وهو من فقهاء المالكية، من أصحاب مالك، أو من تلاميذ مالك. قال: «فأكل دبايح عيدهم داخل في هذا الذي استقروا على كراهيته، بل هو عندي أشد». فهذا كله كلام ابن حبيب. وقد ذكر أنهم استقروا على كراهية مبايعتهم، ومهاداتهم ما يستعينون به على عيدهم. وقد صرح بأن مذهب مالك أنه لا يحل ذلك. فهذا ما ذكره المؤلف هنا في مذهب مالك: أنه لا يجوز مشاركة المشركين في عيدهم، والواجب الابتعاد عن مثل هذه الأماكن التي يحصل فيها الشرك، أو يحصل فيها الحرام. فنكف بهذا. والله تعالى أعلم.