رمضان والمقامات الحسان - القرآن الكريم 8

رمضان والمقامات الحسان - القرآن الكريم 8

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - القرآن الكريم 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

رمضان ومقام القرآن الكريم

يعتبر رمضان شهر القرآن لإنزاله فيه، ويشير إلى عناية النبي بالقرآن في هذا الشهر. قراءة القرآن في رمضان لها فضائل وأجر عظيم.

العناية بالقرآن في ليالي رمضان

كان النبي يدارس جبريل القرآن في كل ليلة من رمضان، وهذا يدل على أهمية قراءة القرآن في الليل والنهار خاصة في رمضان. سلفنا الصالح كانوا يختمون القرآن في أوقات قصيرة.

استثمار الوقت في الطاعات

يُنصح بقراءة القرآن وتحسين لفظه وتدبر معانيه، كما يمكن استغلال الوقت في الاستماع للقرآن أثناء العمل، والاكثار من ذكر الله إذا لم يكن الشخص قادرا على القراءة.

ختام الحديث عن رمضان والقرآن الكريم

يختتم الخطيب حديثه بالتأكيد على العلاقة الوطيدة بين رمضان والقرآن، ويدعو الله أن ينفعهم بما قيل ويجعلهم من أتباع أحسن القول. يختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، استغلالا إخواني في الله لمثل هذه الأوقات التي تستغل بطاعة الله، وهي في مجالسة الذكر وقراءة العلم، فإن ذلك من أعظم ما يتقرب به إلى الرب سبحانه وتعالى في مثل هذا الشهر الفضيل. ومقام هذا، إخواني في الله، هو في الحقيقة استكمال لدروس الظهر حول رمضان والمقامات الحسان، والذي من خلاله أربط بين هذا الشهر الفضيل وبين غيره من مقامات الدين. أشرنا في دروس خلت إلى الربط بين رمضان والإخلاص، رمضان والتقوى، رمضان والصبر، رمضان والفرح بالدين، رمضان وإطالة الأعمار. وفي هذا المقام، إخواني في الله، سأذكر ما يتعلق برمضان ومقام القرآن. القرآن هو كتاب الله وكلامه، نوره وتنزيله، أنزله الله جل وعلا علينا وجعله بين أيدينا سبحانه. وإن القرآن، إخواني في الله، قراءته ليست كقراءة أي كتاب، لا من حيث التأثير على الألباب، ولا من حيث الأجر والثواب. فقد جاء في الحديث: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألف لام ميم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». احسبها يا عبد الله، احسبها وأنت تقرأ صفحة من كتاب الله، صفحة واحدة، تتبع كم عدد الأحرف في هذه الصفحة، ثم ضربها بواحد، ثم ضربها بعشرة، الحصيلة هي حسناتك. ولهذا يقال في هذا القرآن: القرآن الكريم، لعظيم الكرم الذي جعله الله جل وعلا في حق تاليه وقارئه. إخواني في الله، لست بصدد النظر في فضائل القرآن، لا، وإنما أردت في هذا المقام أن أربط إلى أن رمضان من أعظم ما يدعو إليه: يدعو إلى الإقبال على القرآن، من أعظم أوجه الربط يا عبد الله في هذا المقام أن نعلم أن رمضان يسمى في الحقيقة هو شهر القرآن. وذلكم لأن الله عز وجل خص بإنزال القرآن في هذا الشهر بالذات، من دون سائر الشهور، قال ربنا جل في علا: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. خص الله عز وجل هذا الشهر بإنزال القرآن تحديدا في ليلة القدر: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾. وعلى مذهب جمهور العلماء فإن القرآن نزل من اللوح إلى السماء الدنيا في رمضان، وبعد ذلك من السماء الدنيا إلى الأرض على حسب الحوادث، وهما يعبر عنهم: منجما، أي مقطعا على حسب الحوادث والمستجدات والأسئلة التي ترد على رسول الله، ينزل بعد ذلكم الوحي، ينزل القرآن. لكن أنزل من اللوح إلى السماء الدنيا، وذلكم في رمضان، بل ليس القرآن هو الذي ميز بأن ينزل في رمضان، بل كل الكتب السماوية، كل الكتب السماوية أنزلها الله جل وعلا في رمضان، كما جاء من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان». الشاهد من هذا الحديث أن التوراة والإنجيل والصحف والزبور والقرآن، الكتب المقدسة المعظمة المشرفة، خصها الله جل وعلا بأن تنزل في هذا الشهر، في شهر رمضان. فرمضان قد احتوى على الكتب السماوية، ومنها القرآن، فهذا من أعظم العلاقة بين رمضان والقرآن. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعتني عناية عظيمة بالقرآن في شهر الصيام، كما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس: «كان جبريل يدارس نبينا القرآن في كل ليلة من رمضان». تخيل جبريل ينزل يدارس نبينا القرآن، متى؟ في كل ليلة، في كل ليلة. وهذا الحديث، إخواني، من فوائده أولا: هذه المسألة، إذا علمنا أن النبي اعتنى بالقرآن في رمضان، فهو لنا أسوة، إذا نعتني نحن كذلك بالقرآن، نولي له اهتماما، قراءة وإقبالا. الفائدة الثانية: فيها المدارسة، فاستفاد العلماء على مشروعية مدارسة القرآن، أنت مع غيرك، إما مدارسة، مراجعة، تحفيظ، تصحيح، تجويد، تفسير، كل ما يتعلق بعلوم القرآن، فإنه مما يشرع في مثل هذه الأزمان، لأنه يدخل في المدارسة. الفائدة الثالثة: أن هذه المدارسة تمت متى؟ ليلا، كان جبريل يدارس نبينا القرآن في كل ليلة، ليلا، ليس معنى ذلك النهار لا، النهار والليل، إلا أن النبي كان مدارسته مع جبريل تتم في الليل. وفي هذه تسلية لنا، إخواني في الله، تسلية لكثير مننا، بعضنا، إخواني في الله، لربما لا يجد متسعا في قراءة القرآن في النهار، لعمله، لشغله، ذاك في وظيفته، ذاك في عمله، ذاك في تجارته، أو تلك المرأة لربما في مطبخها تطبخ الطعام أو تشتغل في أعمال البيت، فلا تجد وهؤلاء لا يجدون متسعا في أن يأخذوا وقتا طويلا في قراءة القرآن. فأحدهم يتحسر على أنهم قصر فيقال: يا عبد الله، لك العوض في المساء، لا تظن إذا دخل الليل أن الوقت قد انتهى، لا، بل قد حان الوقت الآن، قد حان. فإن النبي كان يدارس جبريل القرآن في كل ليلة، مساءا. لماذا مساءا؟ قال العلماء: لأن وقت الليل هو وقت الصفاء، صفاء الذهن، وتيقظ القلب، ويتواطأ القلب مع اللسان في تدبر معاني القرآن، كما في قول ربنا جل وعلا: ﴿إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوى مقالة﴾. ففي هذا، إخواني، فلا تسري لنا على أننا نقبل على قراءة القرآن في النهار، وهكذا في المساء. إخواني في الله، سلفنا الصالح، إذا هذه النصوص، ما كان منهم إلا أن شمروا عن ساعد الجد، فأقبلوا على قراءة القرآن. يقول إمام الزهري رحمه الله تعالى: «إذا دخل رمضان، ما هو إلا إطعام الطعام وقراءة القرآن»، يعني اختصر وادخر أعمال رمضان في عملين: إذا دخل رمضان، ما هو إلا إطعام الطعام وقراءة القرآن، قراءة القرآن فيما بينك وبين نفسك، وإطعام الطعام فيما بينك ومع غيرك، عبادة لازمة، عبادة متعدية، تجمع بينهما. وقال سفيان الثوري: وكان سفيان الثوري رحمه الله إذا دخل عليه رمضان أوقف جميع العبادات واشتغل بقراءة القرآن. ومن هنا سمعنا بمثل تلك الحكايات التي تنبهر لها العقول وتنتهش لها القلوب، مما كان من مسابقة سلفنا الصالح إلى قراءة القرآن، حتى إن منهم من يختموا في عشر، ومنهم من يختمه في سبع، ومنهم من يختمه في ثلاث، بل منهم من يختمه في ليلة، منذ أن يصلي الفجر يقبل على قراءة القرآن، ما يأتي عليه الليل إلا وقد انتهى من ختمة كاملة، ثم في الصباح يوم الآخر يبدأ بختمة جديدة. هذا ليس بصعب، هذا والله ليس بصعب، بل أخبرت، بل لما ذكر أثر عن إمام الشافعي، وهذا الأثر الصحيح، كما قال حافظ بن حجر: «للشافعي ختمتان في اليوم، ختمة في الصباح وختمة في المساء». وقد قام بعض المعاصرين بأن يفعل هذا الفعل، هل هذا مستحيل أم ممكن؟ فيقول بعض المعاصرين: فعلت ذلك، فنعم، وجدته ممكنا. قرآن يختمه ختمة كاملة في الصباح، لكن يحتاج إلى تفرغ، وهذا يحتاج إلى تمرين، من استطاعت لسانه أن تسبق مع القرآن، يقرأه عاديا. فالشاهد، إخواني في الله، لا نطمع بمثل هذه الأمور، لكن نطمع بأنك تقبل على القرآن أكثر، يا عبد الله، من قراءة القرآن. وهنا، إخواني في الله، أختم المقام بثلاث مسائل أشير إليها، وأنوه عليها. المسألة الأولى: أنك يا عبد الله حين تسمع هذا الكلام حول الضرورة في الإقبال على قراءة القرآن، ويكأن بعض الناس لربما يرفع يده ويقول: يا أخي، أنا ما أقرأ، أنا ما أستطيع أن أقرأ، أنا حرمت من القراءة، ما عندي قدرة، ما عندي قدرة على القراءة. مع أن هذا، سبحان الله، من باب الفائدة، وهذا عن تجربة ومعرفة، أعرف بعض الناس، إخواني في الله، إذا أعطي له كتاب ما يقرأه، ما يقرأ القرآن، صحيح، أمي، اسحب الكتاب، أعطيه القرآن، يقرأ القرآن، سبحان الله، هذا موجود، والله موجود. ولقد جربنا القرآن للذكر، تعطيه كتاب يقول: أشهد كله، الله ما أستطيع، ما أستطيع أن أقرأ، اسحب الكتاب، أعطيه القرآن: «بسم الله»، كيف هذا؟ يقول له: الله ما أدري، هذا موجود، بركة. لكن مع ذلك، نعم، يوجد من بعض الناس أنه ما يستطيع أن يقرأ، فيقول له: يا عبد الله، إذا ما استطعت أن تقرأ القرآن، فعوض بالإكثار من ذكر الله، تسبيحة، تهليلة، تحميدة، ذكرى. لأن من الناس من نجده يدخل المسجد وينظر يمنى ويسرى، فيقول: أخي، خذ مصحفا، ما أستطيع أكثر من ذكر الله، تسبيحا، تحميدا. فإن من أعظم ذكر بعد القرآن هو ذكر الله جل وعلا. ثانيا، كذلك يا عبد الله، أحيانا ما تستطيع أن تجمع بين العمل وبين القرآن، فحينها لا بأس أن تستمع للقرآن، الاستماع للقرآن تؤجر عليه، الاستماع تؤجر عليه، مثل الرجل ربما يشتغل في النهار، يشتغل في محل، يشتغل على مركوب، على باص، على سيارة، ويقود، لا يمكن أن يقرأ المصحف هكذا قراءة بنظره. هل هذا يمنعك من أنك تشغل ما تسمع به القرآن؟ لا، ما هناك يمنعك، شغل واستمع، يا عبد الله، وأنت تقود السيارة، فتؤجر على هذا. وهذا يفتح لك مجالا أوسع لاستغلال الأوقات، وأن لا تذهب عليك سدى. في حق من كان في عمل، في حق من كان في شغل، في حق المرأة، المرأة إذا كانت في مطبخها تشغل المذياع، ولله الحمد، الأجهزة الصوتية كثيرة جدا، ما من بيت إلا وفيه راديو أو مسجل أو إم بي ثري أو لابتوب أو شاشات أو فيه كذلك أيباد، أجهزة كثيرة جدا. أو الجوال، تخزن فيه، خط، مكان، وشغل الجوال، واجعله يا عبد الله في سيارتك، أو اجعله في محلك، أو المرأة تشتغل في بيت وتستمع للقرآن، وهي تؤجر على هذا. ثالثا وأخيرا، إخواني في الله، ونحن في قراءة القرآن في رمضان، اجمع يا عبد الله بين أمرين، اجمع بين أمرين في قراءتك. الأمر الأول: إقامة الحروف، إقامة الحروف، عليك عندما تقرأ القرآن أن تقرأه بأحرفه وكلماته، بكلماته. بعض الناس، إخواني في الله، إذا قرأ، لا، لا، لا، لا، ما تريد أن تفهم كلمة واحدة، كيف يقرأ؟ الله أعلم، بل بعضهم لربما يتفوه وهو يقرأ، طب إيش قلت؟ بأثناء وهو إيش قلت؟ يحسبها آية، هذا ما هي آية، يا عبد الله، أين المخارج؟ أين الصفات؟ ولهذا ينبغي على الذي يقرأ القرآن أن يتربى على لفظ القرآن، ألفاظه، كلماته، حروفه، اقرأه يا عبد الله بتؤدة، ولا تتعجل به كحال المتنافسين المتسابقين، يقرأ القرآن، ينظر إلى صاحبه: كدك، وين قال جزء 14؟ 14، لا، لا، لا، أنا في 17، خلال خمس دقائق، قفز على جزئين، كيف فعل؟ مسابقة، لا يقرأ، ولا يفهم لأحرفه، ولا لكلماته، انتبه يا عبد الله، هذا كلام الله، كتاب الله، اقرأه يا عبد الله كما أنزل. الأمر الثاني: التدبر لمعانيه، التدبر لمعانيه، تخيل، بل اعتقد، اعتقد يا عبد الله، أن هذا الكتاب هو خطاب الله يخاطبك أنت، ما يخاطب زيدا ولا عبدا، يخاطبك أنت يا من تقرأه، يخاطبك الله بأوامر، بواجبات، فانظر فيها، هل أنت امتثلتها أم لا؟ ولهذا قيل: كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه؟ لربما للأسف رجل مرابي، مرابي، ويقرأ الآيات التي فيها تحريم الربا، ويقرأ أمره بالكراهة أو العظة، أو لربما يشرب الخمر والعياذ بالله، أو تارك للصلاة، أو عاق لوالديه، أو قاطع لأرحامه، ويقرأ الآيات التي تأمره وتزجره عن هذه المخالفات، ويعول عليها، لا يعمد، الله كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبر آياته، أنزله الله للتدبر والتفهم معانيه. فهذا، إخواني في الله، ما ينبغي أن أذكره في هذا المقام حول الصلة الوثيقة، بل العلاقة الوطيدة المتلازمة بين رمضان وبين القرآن. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.