الدرس في الآداب الشرعية في حياة المسلم اليومية - آداب الأكل 6، مسائل : المضمضة وغسل اليدين - الأكل في موائد الخمر والذهب - مسائل الصلاة مع الطعام وماله رائحة - القناعة والمواساة بالطعام . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل آداب الطعام المتعلقة بغسل اليدين والمضمضة قبل وبعد الأكل، مع مناقشة آراء العلماء حول هذه المسائل. يُستحب غسل اليدين بعد الطعام لحديث أبي هريرة.
يناقش هذا الفصل بعض الممارسات المحرمة عند الطعام مثل الأكل في أواني الذهب والفضة، والجلوس على مائدة يوجد عليها خمر، وتناول الطعام في المطاعم التي تبيع الخمور.
يتناول هذا الفصل آداب تناول الطعام جماعيًا، وترتيب الأولويات بين الطعام والصلاة، والابتعاد عن الأطعمة التي تؤذي المصلين أو الملائكة، مع التركيز على الرضا بالقليل من الطعام والمواساة.
يستشهد هذا الفصل بأمثلة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في آداب الطعام، مشيرًا إلى أهمية إطعام الطعام وإقراء السلام والرضا بالقليل.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، أولا بادئ ذي بدء، إخواني في الله، أحب أن أنبه وأذكر إخواني الطلاب ممن يلتحق بهذه الدورة المباركة أن يوم الجمعة، كما قد نبه على ذلكم، أن الدروس فيه مستمرة، ما عدا الفترة الصباحية، فمن يوم الجمعة من صلاة العصر فما بعدها، تبقى الدروس على ما هي عليه، ما كان من الدروس العامة، وما كان من الدروس الخاصة بفتراتها، وذلك نظرا لضيق أيام الدورة ولطول بعض الكتب والدروس، فنستغل هذه الأيام بما يعود نفعه للجميع. فنذكر بهذا إخواني في الله أن يوم غد الجمعة تتوقف الدروس الصباحية، لكن في الفترة المسائية ستستمر من صلاة العصر، من الدرس العام فما بعده من الفترات. واصل إخواني في الله، ولازلنا في ذكر ما يتعلق بمسائل آداب الطعام، وقد أشرنا في درس أمس إلى عدة مسائل، وهي مما لها تعلق بآداب الطعام عند الاجتماع. ومما نستكمل به هذا الدرس أيضا من الآداب ما يتعلق بغسل اليدين قبل الطعام وبعد الطعام. ما حكم هذا؟ أولا نبدأ بما بعد الطعام. ما بعد الطعام، ذهب أكثر الفقهاء، بل منهم من يذكر الإجماع على استحباب غسل اليدين بعد الطعام، وذلك استدلالا لقوله عليه الصلاة والسلام: «من بات وفي يده ريح غمر وأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه». من بات وفي يده أي من أثر الطعام، ريح غمر أي شيء من الدسومة، لأن هذه مدعاة إلى جلب الهوام والدواب والحشرات إلى يده، ناهيكم عن الأمراض التي تبقى طيلة الليل. قال: «فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه». وهذا الحديث رواه الترمذي من حديث أبي هريرة. ولهذا أكثر العلماء على استحباب الغسل بعد الطعام، إلا أن المالكية يرون أن هذا خاص بالأكل الذي فيه دسومة، وأما ما ليس فيه دسم فحينئذ لا يستحب. لأن الاستحباب هنا، إخواني، فيه التعبدي. أنا أتكلم في استحباب، أي عبادة. فعلق المالكية على هذا الحديث بأن هذا خاص بالدسومة، بينما أكثر العلماء استفادوا من هذا الحديث التعميم. وغسل اليدين يكون إما بالماء، لك أن تكتفي بالماء، أو لك أن تضيف شيئا من هذه المطهرات والمنظفات. ولهذا قال ابن رسلان: «الأولى غسل اليد بالأشناني أو الصابون أو ما في معناها». فذكر رحمه الله تعالى أن هذه مما يكون مع الغسل. إن استطعت أن تضيف شيئا من المطهرات، وهذا مما عليه العمل الآن بالصابون ونحوه، وإلا فإن لم تجد فلا أقل من أن تستخدم الماء. هذا ما يتعلق بغسل اليدين بعد الطعام. نأتي الآن إلى غسل اليدين قبل الطعام. هل هذا يستحب؟ وتأملون، أتكلم عن الاستحباب، أتكلم عن أنها قربة، أتكلم على أنها شيء يتعبد به الرب سبحانه وتعالى. هل يستحب غسل اليدين قبل الأكل أم لا يستحب؟ هنا وقع الخلاف بين أهل العلم. لماذا وقع الخلاف؟ لأن ما عندنا هنا سنة ثابتة. ولهذا الإمام البيهقي قال: «الحديث في غسل اليدين بعد الطعام حسن، ولم يثبت شيء في غسل اليدين قبل الطعام». بعد الطعام عندنا حديث يمكن أن نأخذ ونعطي في استدلالاته، أما قبل الطعام ما عندنا شيء ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإن أكثر العلماء ذهبوا إلى الاستحباب، هذا الذي ينقل عن الحنفية والشافعية وهكذا الحنابلة ذهبوا إلى استحبابه. أما المالكية فإنهم لا يجعلون غسل اليدين قبل الطعام، من السنة، ولا يستحب إلا إذا كان فيه أذى، إذا كان في اليدين مثل رجل عمل عملا فإذا بيده ملوثة فأراد أن يأكل، هنا يستحب. لأنه فيه من دفع المضرة، فيدخل في العمومات. فالخلاف حاصل في هذا الباب. وبقي مسألة مما يتعلق بهذا الباب، وهي إذا كان الذي يريد أن يأكل الطعام رجل عليه جنابة، هنا تأتي المسألة. هل يستحب في حقه أن يغسل يديه قبل الطعام أم لا؟ ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ». فعندنا هنا لفظة الوضوء. فكان من هديه عليه الصلاة والسلام وهو جنب إذا أراد أن يأكل يتوضأ قبل أن يأكل. وهذه مسألة وقع فيها الخلاف بين أهل العلم في مسألة «توضأ». ما معناها؟ هل معناها الوضوء الشرعي الذي يؤدى مثل وضوء الصلاة؟ أم أن الوضوء هاهنا بمعنى غسل يدين؟ فمن أهل العلم حمل الوضوء على محمله اللغوي، وأن المقصود بالوضوء هاهنا هو غسل اليدين. ومما يستدل به على ذلك ما جاء كذلك من حديث عائشة وهو في صحيح النسائي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه». غسل يديه. ومنه من حمل هذا الحديث على فهم الحديث الأول، وأن المقصود بالوضوء للجنب عند الأكل أن يغسل يديه. ومنهم من قال: لا، وإنما المقصود بالوضوء هو الوضوء الشرعي، لأنه جاء في روايات مسلم: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة». توضأ وضوءه للصلاة. فهي مسألة خلافية بين أهل العلم في استحباب هذا الأمر. والمسألة كما قلنا مذكورة، والنزاع حاصل كما أشار العلماء بين هذا. وقد قال الإمام أبو داود في سننه: «وقال علي بن أبي طالب وابن عمر: أن الجنب إذا أراد أن يأكل يتوضأ». أي: أكثر الصحابة ذهب إلى الوضوء الشرعي. وهذا كذا ينقل عن أكثر العلماء أنهم يرون أن الإنسان يحرص على الوضوء الشرعي، فإذا أمكن ذلك يا عبد الله فهذا طيب. وهل يدخل الحائض في هذا الحكم؟ هل تدخل الحائض في هذا الحكم؟ اختلف العلماء كذلك. فمن أهل العلم من أدخل الحائض، وأن الحائض كالجنب أنها تتوضأ عند أكلها وشربها. ومن أهل العلم من استبعد هذا، كالأحناف، أن هذا خاص بالجنب فقط، لأن الحاجة لم تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسها وهي تحيض، لكن تحدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن هذا الحكم خاص بالرجال إذا كان في حال الجنابة فأراد أن يأكل. وهم: اغتسل، فأقل أحواله أن يتوضأ، إن استطاع، ما استطاع على الوضوء، فلا أقل من أن يغسل يديه. كذلك مما يتعلق بمسألة آداب الطعام، وخاصة بعد تناوله، المضمضة. المضمضة بعد الأكل من الطعام، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فدعا بماء فتمضمض وقال: إن له دسما». وهذا الحديث في صحيح ابن ماجة. فنبينا دعا بلبن، فلما انتهى من شرب لبن تمضمض. تمضمض. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذا الحكم هو خاص باللبن. خاص باللبن. إذا شربت لبنا تمضمض بعده. تمضمض يا عبد الله بعده. ومن أهل العلم من عمم الحديث، وقال: عمم المسألة، وقال: أن المضمضة تكون معك في كل وجبة، ليس في اللبن فقط، بل في كل وجبة. وهؤلاء استدلوا بما رواه البخاري في صحيحه من حديث سويد بن النعمان رضي الله تعالى عنه: «أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكروا أنه جئ لهم بسويق فأكلوا وشربوا، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فمضمض فاه، ثم صلى المغرب». وهنا مضمض فاه، هنا أكل السويق، أكل فيه تمر، ليس فيه لبن، لا من قريب ولا من بعيد. ولهذا بعض العلماء يرى أن الحكم عام، أنك تتمضمض بعد الأكل. ومن أهل العلم من ضيق النطاق، قال: نعم، هذا إذا كان قرب الصلاة، قرب الصلاة، لأنك تدخل على الصلاة، فهذا المضمضة من الطعام تعينك على نظافة الفم. نظافة الفم. فالشاهد إخواني في الله أن هذا الأمر يعود إلى حالة الإنسان. فمن أكل طعاما ووجد أن هناك طعاما بين أسنانه أو فوق لثته أو تحت الشفة ونحو ذلك، فإنه يستحب له أن يتمضمض حتى يتخلص من هذه البقايا. وكما قلنا، فمن أهل العلم من يرى أن هذا خاص باللبن، ومنهم من يرى أنه عام في كل طعام. كذلك مما يذكر من آداب الطعام، وهو أنك لا تأكل يا عبد الله من طعام قرب لك على صحائف من ذهب أو فضة. لا تأكل من طعام قرب لك على صحائف الذهب والفضة، وذلك لما جاء في الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». فإنها لهم في الدنيا أي في الكفار، ولكم في الآخرة. وقد نقل العلماء الإجماع والاتفاق على التحريم، على عدم الجواز، أن تأكل على طعام قدم لك على هذه الأواني المصنوعة من الذهب والفضة. وعد ذلك من كبائر الذنوب. ومن كبائر الذنوب. وأدخل العلماء في هذا الباب أيضا ما يسمى الآن في هذا العصر بالمطلي بالذهب أو المطلي بالفضة. وقد صرح بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وهكذا العلامة ابن عثيمين، على أن المطلي بالذهب والفضة يدخل في نفس الحكم. فالآن، سواء كان ذهبا خالصا أو ذهبا مطليا، فيدخل في الحرمة، لأنه يقال في حق صاحبه: «أنه أكل في هذه الأواني من الذهب والفضة». وأما استخدام الأواني من الذهب والفضة أو العلب في غير الأكل والشرب، فهذه مسألة خلافية. وليس الحديث عنها. طيب، إذا كانت الآنية صفراء، صفراء مثل آنية النحاس، هل تدخل في الحكم؟ الجواب: لا، لا تدخل في الحكم. الحكم لا يتعلق باللون، الحكم يتعلق بالمادة، مادة الذهب والفضة. فلا نقيس في هذا الباب ما كان شبيها بألوانها، ما كان شبيها بألوانها. وقد أفاد كذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: «أنه يقاس على هذه الأواني كل ما كان أداة من أداة الأكل والشرب». فقال: «فيدخل في ذلك الملاعق، الملعقة من ذهب، من فضة لا يجوز». أو كذلك إذا كانت أكواب، كأكواب الشاي، فكل ذلك يعتبر من الذهب والفضة، لا يجوز. كذلك من المسائل المتعلقة بآداب الطعام، أنك يا عبد الله لا تأكل على مائدة طعام وضع فيها خمر. وضع فيها خمر. وذلكم لما جاء من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، رواه الترمذي في سننه، قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر». من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر. وجاء كذلك عند أبي داود من حديث ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مطعمين، منها عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر». فعندي أدلة كثيرة تدل على هذا الحكم، على أن مائدة الطعام إذا كان من ضمن أصناف الطعام قرب فيها خمر، فلا يجوز أن تجلس. لا يجوز أن تجلس. إما أنك إن كنت صاحب قدرة، هذا يرفع، تعال ارفع هذا، يلا برو، ارمي به، اخرجه، يخرج من مائدتك. فإذا كان كذلك انتفت العلة، والحكم يدور مع علته، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما. حتى ولو أنه ما شرب الخمر، حتى أنك ما تشرب الخمر. يعني أنت في مكان يوجد هذه الأصناف، في بعض بلاد المسلمين الذي كثرت فيه الغفلة والبعد عن الله، تجد في بعض المطاعم لو ربما دعيت إلى طعام ويعطى لك كومة، يقول: «هذا بيبسي»، شرب بيبسي، زاك الله، وأنت أشمعك؟ والله أنت هذا ما ينفعك. ليش هذا يا أخي؟ هذا شامبانيا، ولا فودكا، ولا أنت ما شربت، ولا قرب إليك. لكن وجد في حضرتك، قم، قل: «لا، لا، الله أحفظك». لا أنا ما أبقى، أنا والخمر ما أجتمع في مائدة واحدة. هكذا أمرني نبي عليه الصلاة والسلام. «لا تجلس في مائدة يدار عليها الخمر». وهذا يدخل فيه كما صرح بهذا علماؤنا، كشيخ ابن باز رحمه الله، في الاجتماعات. تجد بعض الاجتماعات، سواء كان على المستوى المحلي في بعض الدول، أو المستوى الخارجي الإقليمي، تجد تقام على مستوى الدول، العالم، التلفزة والإعلام، ويتجسد المسؤول يتكلم، ويعطى عنده خمر. خمر. لا، ما يجوز. حتى في هذا، قم، قم يا عبد الله، وإلا يزال الخمر من على المائدة، لا تبقى، لا تبقى في هذه الموائد. طيب، تأتي كذلكم مسألة، والشيء سواء كان مع المسلمين أو مع الكفار، الحكم يدور مع الخمر. لا تجلس في مائدة قرب لك فيها خمر. كذلكم يدخل مما يذكر في هذا المقام معنى هذا. طيب، لو أن إنسانا، وهذه مسألة تطرح، يقول لك بعض الناس: «أنا أشتغل يا أخي، أنا ذهبت إلى بعض البلدان، ذهبت إلى أوروبا، ذهبت إلى كذا، أبحث عن لقمة عيش، فأدخل في بعض المطاعم، وهذا المطعم يبيعون خمر، الله المستعان، يبيعون خمر». هل يجوز أن نشتغل معهم؟ أشتغل، أنا ما أشرب، والله الحمد. قل له: «لا يجوز، لا يجوز أن تعمل في هذا المطعم، وإنما عليك أنك تبحث عن عمل آخر». ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. مسألة أخرى شبيهة بهذه المسألة: هل أدخل إلى مطعم يبيعون الخمر؟ أنا الآن ما سأأكل، ما سأعمل، ولا أرضى أن يطرح لي خمر في مائدتي، لكن أعلم أن هذا المطعم مطعم رائق، ويبيع كل الأصناف، كل ما تشتهي تحت سقف واحد، ومنها الخمور، ومنها الخمور. هل لي أن آكل في هذا المطعم؟ معنى في المطعم، ما سأطلب إلا الأكل. طيب، برست، ولا خبز، ولا سندويش، ما سأطلب خمر، ولا شيء، لكن أعلم أن هناك خمر. قال العلماء، وهذا الأحوط، أنك لا تدخل إليه، ولا تأكل منهم. لماذا؟ لعدة أمور. الأمر الأول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده». ستجد الموائد الثانية، يأتي هذا النادل صاحب الوجبة، يأتي بالخمر يمين ويسار، وإن تنظر، وإن تنظر، هذا منكر، غير المنكر، ولن تستطع. ما الذي أدخلك في هذا الموضوع؟ والمنكرات تعم وتعج في هذا المحل. الأمر الثاني: أنك يا عبد الله، ما الذي يضمن لك أن هذا الطعام الذي طلبته فاصوليا، والأفول ليس فيها خمرة؟ قوم لا يخافون الله، بدليل أنهم يشربون الخمر، هذا أكبر علامة ما يخافون الله. وأن هؤلاء أصحاب المطاعم دائما يذكروا أن النكهات يستعينون بها بالخمر، فما أدراك؟ وهم يطبخون فول، أو فاصوليا، أضافوا شيئا من الخمر، رشة، حتى يعطون له بنة، وأعطوك إياه فيه خمر، وهم يقولون: «فهو يضحك عليك». هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث: ما الذي يضمن لك أن الأواني قد صفيت من الخمور؟ فأنت بعد ذلك تطلب كوب ماء، أو تطلب شرابا، لربما أتوا بهذا الكوب الطارف، لربما طارف بيبسي، وقد فيه بقايا الخمر. فلهذا كله، يا إخوان، من أهل العلم، أن المطاعم التي تبيع الخمور، وهي مظنة لبيع الخمور، لا تدخلها أصلا. وما ضيق الله عليك يا عبد الله في مثل هذه المطاعم؟ كذلك مما يذكر إخواني في الله في مسائل آداب الطعام الجماعية، عدم الازدحام على الطعام. عدم الازدحام على الطعام، وذلك لحديث جابر بن عبد الله في يوم الخندق، عندما أمره نبينا صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بالمهاجرين والأنصار، وقد أعد طعاما عليه الصلاة والسلام. فقال: «فأمرهم بالدخول، قال: ولا تتباغطوا، ولا تتباغطوا». أي: لا تزدحموا، لا تزدحموا. فحينها أمر نبينا صلى الله عليه وسلم من جابر أن يدخل هؤلاء جماعات، فكان يدخلون عشرة بعد عشرة، عشرة بعد عشرة. وكم كان عدتهم؟ قال جابر: «نحو من ثمانين رجلا». أنظر لعظيم البركة، والنبي إنما أعد طعاما يسيرا قليلا، لكن دعا نبينا بهذا الطعام فبارك الله فيه. فكان هؤلاء العدد الكبير المهول من الناس من الرجال على هذا الطعام، بارك الله فيه. الشاهد أن النبي ما أرادهم أن يدخلوا دفعة واحدة، وإنما أمرهم بعدم الازدحام، عشرة ينصرفون، ثم يأتي عشرة بعدهم يأكلون يشبعون ينصرفون، ويأتي عشرة، وهكذا. وهذا فيه تربية إخواني في الله في مسألة آداب الطعام. أحيان تجد أن من الناس من يخرج عن هذا الأدب، لربما إذا قرب طعام هاجت الناس هنا وهنا، وهذا يأخذ من فوق، وهذا من تحت، ما يصلح هذا. لا تضاغوا يا عباد الله، وإنما على رسلكم، ولو أن أمر أصبح بالترتيب لكان الطعام كافيا للجميع. وأيضا كذلك مما يذكر إخواني في الله في مسألة آداب الطعام، اجتماع الطعام مع الصلاة. اجتماع الطعام مع الصلاة، فقد جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بحضرة الطعام، وهو يدافعه الأخبثان». فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بحضرة الطعام»، أي: إذا كان الطعام قريبا من وقت الصلاة، وسيزاحم وقت الصلاة، فحينها قال نبينا: «لا صلاة». وجاء كذلكم بلفظ آخر، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء». أي: إذا وضع العشاء قد وضع، فضل يا فلان، وأنت عدل، ستأخر، أقيمت الصلاة، ابدأ بطعامك حتى تفرغ منه. لكن بالمقابل، بمقابل هذه الأحاديث التي فيها أن النبي أرشد إلى تقديم الطعام على الصلاة، جاء من حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله تعالى عنه قال: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل، فلما حضرت الصلاة ترك الطعام ثم قام يصلي». هنا آثر نبينا الصلاة على الطعام. وفي الأحاديث السابقة آثر الطعام على الصلاة. على ماذا يحمل؟ قال العلماء: يحمل هذا على ما في النفس. فإذا علم الإنسان والطعام قد وجد، قد وجد أنه إن استطاع أن يصبر، بحيث يقول لجماعته ولأهل بيته: «دع، أترك الطعام، سأصلي وأرجع»، ما في إشكال عندك، ألا ما عندي إشكال، ما في شيء، يصلي ويرجع. أما إذا خشي أنه إن ذهب للصلاة، ولا زالت نفسه تحدثه بالأكل، منذ أن يدخل إلى أن ينصرف، فخرج عن خشوعه، خرج عن استحضاره، لا يا عبد الله، اشتغل بطعامك، ثم صلي فيما بعد، ثم صلي فيما بعد. هذا هو القول الوجيه الذي تجتمع به الأدلة. وهكذا يا عبد الله في حالة ما لو أنك أكلت طعاما قبيل الصلاة، احذر، احذر يا عبد الله أنك تأكل أكلا فيه أذية للمصلين أو أذية للملائكة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزل مسجدنا، وليصلي في بيته». هذا لمن أكل ثوما أو بصلا، ونحوها من الأطعمة التي تخرج منها رائحة، فتؤذي المصلين أو تؤذي الملائكة. ولهذا الإنسان يبتعد عن هذه الأطعمة إلا إذا احتاج لها، إلا إذا احتاج إلى أن يأكل بصل لحاجة، لمرض، لعلاج، أو لأمر طرأ، أو النفس كانت متواقة لأكل الطعام، واحتاج إليه البصل، وليست حيلة لترك الصلاة، فلا بأس أن يأكل بصلا، وأن يصلي في ماذا؟ في بيته، ويفارق الجماعة. لو كنا مجموعة، لو كنا مجموعة في مكان، ذهبنا إلى مطعم، وقرب لنا الطعام، ثم أكلنا بصلا، اشتركنا في أكل البصل، وأقيمت الصلاة، كيف العمل؟ هل لنا نصلي جماعة؟ نعم، نصلي جماعة، نصلي جماعة، لأننا قد اشتركنا في هذا، ولأنه ما سيتأذى، لأننا كلنا على هذا النمط، نصلي جماعة في هذا المكان المعد عنده في المطعم، ولا نذهب إلى المسجد، ولا نذهب إلى المسجد. لأنه أمر النبي أن نبقى ببعد. قد يقول: قال طيب، إذا كان المصلي مع المصلي التراضي. طيب، الملائكة؟ قال العلماء، كابن عثيمين: «قال الملائكة إنما محلها في المسجد، محلها في المسجد، لا تدخل المسجد حتى لا تؤذي الملائكة». أما إذا كنا جماعة في رحلة، في نزهة، في مطعم، وهناك مصلى خاص، فلا يضر هذا بإذن الله، كما قال العلماء في هذه المسألة. أذلك إخواني في الله، مما أختم به هذا المقام، مسائل عامة متعلقة بآداب الطعام، منها مسألة الرضا والقناعة يا عبد الله بما أنعم الله عليك من نعمة الأكل. طبعا بعض الناس، خاصة، ونذكر نفسي وإخواني، ونحن في هذه البلاد، الكثير منا يعاني من قلة الإمكانيات، وشدة الضعف، وقلة أصناف الطعام، وما قد ألم بالعباد من الضيق والحرج. وربما ظهرت ظاهرة التسخط، بعض الناس يصبر، لكن بعض الناس يتفوه: «أنا ما أأكل شيء، أنا ما عندنا شيء». فلا زال يتسخط، يتذمر بما يجده من قلة زاده وطعامه وأكله. لا يا عبد الله، ارضى، ارضى بما قسم الله لك. هذا ليس من فعل البشر، هذا من فعل الله عز وجل، هو الذي قدر عليك هذه الحالة. وتأمل يا عبد الله في حق نبيك صلى الله عليه وسلم كيف كان حاله. انظر، وكل ينظر منا إلى نفسه، وما يظن أنه قد بلغ فيه من التعب والإنهاك والجوع. وانظر يا عبد الله إلى ما ابتلي به نبيك صلى الله عليه وسلم، فقد كان من أمره أنه يصيبه الجوع ليس مرة، بل مرات. وتأمل ما جاء في الصحيح: «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة على بيته، قال: هل عندكم شيء؟ قالت: لا، فإني صائم». خلاص ما عندي، صائم، ما في شيء في البيت، ما الذي سيأكله؟ صلوات ربي وسلامه عليه. وجاء كذلك في الصحيحين: «أن رجلا جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، إني مجهود -مجهود أي بلغ الجهد ما بلغ- لا طعام ولا زاد، إني مجهود». فقام نبينا فأرسل إلى أهله، وأرسل إلى بيوته، وأرسل بعض نسائه: «هل عندكم شيء؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء». هذا بيت رسول الله، والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء. فقال رسول الله حينها: «من يضيفه؟ أن أراد أن يضيف هذا المجهود». ما عنده شيء، عنده ماء، وما يغني الماء. فقال: «من يضيف ضيف رسول الله عليه الصلاة والسلام؟». وهكذا ما جاء في صحيح مسلم: «أن أبا بكر وعمر خرجا من البيوت، فلما رآهم نبينا، ما الذي أخرجكم؟ قالوا: أخرجنا الجوع، قالوا: وأنا كذلك، ما أخرجني إلا الجوع». يا سبحان الله، يخرج، هل وصل من الحال بعضنا لهذا؟ أن يخرج من خارج البيت لشدة الجوع؟ ما يجد شيء. ولله الحمد ما وصلنا إلى هذا الحد، لا زال الله ينعم على العباد بالقليل والكثير. لهذا من آداب الطعام الرضا والقناعة، الرضا والقناعة بما يسر الله لك. كذلكم أخيرا إخواني في الله، من آداب الطعام المواساة به. فإذا ابتلاك الله بالقليل، اقنع، وإن حباك الله بالكثير، واسي غيرك، واسي غيرك. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا﴾. يطعمون الطعام، هذا فيما فتح الله عليه. إذا استطعت يا عبد الله أن الفاضل والزائد يعطى إلى غيرك. وقد جاء من حديث عبد الله بن عمر: «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أن تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف». فهذه إخواني في الله أهم المسائل المتعلقة بآداب الطعام، ولعلنا قد اكتفينا بأهم مسائلها. وسننتقل إن شاء الله في درس قادم إلى آداب الشرب، إلا أن أكثر ما يتعلق بآداب الشرب قد مرت معنا في آداب الطعام، لكن هناك مزايا تميز بها الشرب عن الطعام، سيأتي التنبيه عليها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.