الدرس في كتاب البيوع 19، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عدم جواز شراء الفرس المتصدق به، مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "العائد في هبته كالعائد في قيئه". كما يبين الفرق بين الهبة والصدقة والهدية، موضحاً أن الهبة تمليك بلا عوض، والصدقة تقرب إلى الله، والهدية تودد وإكرام.
يتناول المقطع آداب النبي صلى الله عليه وسلم في قبول الهدايا وردها مراعاة لخاطر المهدي، مع قصة الحمار الوحشي والفرق بين صيد المحرم لغيره ولنفسه. ويوضح حكم هبة الأب لولده ووجوب العدل بين الذكور والإناث في العطية، وجواز رجوع الأب في هبته لولده دون غيره.
يشرح المقطع شروط صحة الهبة من أهلية الواهب والموهوب له، وسلامة النية، واختيار الواهب، ومشروعية الموهوب. ويفصل الفرق بين الهبة والبيع في جواز هبة المجهول وغير المقدور على تسليمه، مع ذكر خلاف العلماء في لزوم الهبة بالقبض فقط.
يعرض المقطع خلاف العلماء في اشتراط القبض لصحة الهبة، فذهب الجمهور إلى وجوبه واستدلوا بإجماع الصحابة، بينما رأى مالك وابن تيمية والعثيمين لزومها باللفظ فقط. ويبين تحريم الرجوع في الهبة مستدلاً بحديث التشبيه بالكلب العائد في قيئه، مع الإشارة إلى آداب قبول الهدية والامتناع عنها خشية المنّة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد: مر معنا في الدرس الماضي ضمن أحاديث كتاب البيوع من عمدة الأحكام ما يتعلق بحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما في قصة تحبيس عمر وجعله أرضه التي بخيبر وقفاً في سبيل الله عز وجل، وكانت أنفس ما يملكه عمر، وصدق الله إذ يقول: ﴿ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92]. وربنا عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾ [البقرة: 267]، ولا تيمموا أي لا تقصدوا من المال أخبثه فتجعلونه في الصدقة. وحديث عمر، أو حديث عبد الله بن عمر في قصة أبيه عمر جعلها بعض من اعتنى بالعمدة جعل هذا الحديث له ترجمة وجعله باباً مستقلاً، فجعلوه باب الوقف، باب الوقف، وليس من صنيع المقدس رحمه الله تعالى، ليس من صنيع المقدس رحمه الله تعالى. ثم ذكر رحمه الله تعالى وغفر له، قال رحمه الله تعالى: قال عن عمر رضي الله عنه: "حملتُ على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده"، قال: "فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص"، أنه يبيعه برخص، لماذا يبيعه برخص؟ لأن الفرس قد ضعف وتعب، ليس حاله كحاله الأول. قال: "وظننت أنه يبيعه برخص"، قال: "فسألت النبي صلى الله عليه وسلم"، يعني سأله عن ماذا؟ هل يشتري الفرس أم أنه لا يشتريه؟ قال: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تشتره، لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم"، يعني حتى لو وجدته بثمن بخس رخيص فلا تأخذه. قال: "فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه"، الذي يخرج شيئاً صدقته أو هبته عطيته ثم يتراجع، يتراجع عنها، يقول لمن أعطاه: هات الأمر الفلاني الذي أعطيتك إياه. انظر كيف مثل النبي صلى الله عليه وسلم قبح هذا العمل، قال: "كالعائد في قيئه"، يقي ويخرج كمية من القيء ثم ماذا يفعل؟ يعيده إلى فمه ومن ثم إلى جوفه. قال: "وفي لفظ: الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه". وهذا يا إخوان أمر معروف عند الكلاب، إذا قاء الكلب، وقد يقع من بعض الحيوانات الأخرى، تجده يأتي على القيء ويأخذ منه ما تيسر، ويأخذ منه ما تيسر، وهذا يدل على قبح وعلى سوء فعل. والحديث كما هو ظاهر فيه أنه عن الرجوع في الهبة، وهكذا أيضاً في الصدقة. عمر رضي الله تعالى عنه يذكر أنه حمل على فرس في سبيل الله، ومعنى حمل أي أعطى شخصاً فرساً لكي يذهب ويجاهد به في سبيل الله، أي في الجهاد. قال: "فأضاعه الذي كان عنده". كيف أضاعه يا أبا ناظم؟ أضاعه الذي عنده، أضاعه عمر، يقول: "فأضاعه الذي كان عنده". كيف كيف أضاعه؟ يعني راح ثوبان مثلاً، راح سويبر، راح وين؟ فأضاعه، ماذا معنى أضاعه؟ نعم يا أبا هذيفا: فأضاعه الذي عنده، أهمله، يعني أضاعه ليس شرد عليه وفقده، لا، أهمله يا إخوان، لم يرعه الرعاية الحسنة فأصبح الفرس ضعيفاً هزيئاً بسبب هذه الإضاعة. قال عمر: "فأردت أن أشتريه"، أن أشتريه، قال: "وظننت أنه يبيعه برخص". لماذا يا إخوان ظن عمر أن صاحب الفرس هذا سيبيعه له برخص؟ لأمرين اثنين: الأمر الأول يا أبا أحمد، أه بسبب؟ نعم، بسبب الضعف، فسيبيعه بثمن بخس ورخيص. هناك أمر آخر هو الذي يناسب الباب، فما هو يا أبا مصطفى؟ أحسنت: لأن عمر هو الذي أعطى هذا الرجل، فإذا رأى الرجل عمر يريد أن يشتري هذا الفرس الذي أعطاه إياه، ماذا سيفعل الرجل؟ سيستحي من عمر، عمر سيقول: بكم تبيعني هذا الفرس؟ سيطأطئ رأسه، كيف أبيعه لك وأنت الذي أعطيتني إياه؟ إذن ماذا إن باعه له؟ سيبيعه بماذا؟ برخص وثمن بخس. فكأن عمر ههنا تحصل على ماله، كان قد تصدق بها ووهبها، ولهذا لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستشيره قال: "لا تشتره، لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم". وقوله بدرهم كناية عن ماذا؟ عن رخصه وقلة ثمنه. ثم بين عليه الصلاة والسلام سبب ذلك، قال: "فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه"، يعني هذا أمر مكروه وهذا أمر مذموم. قال: "وفي لفظ: الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه"، كالكلب يعود في قيئه. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العائد في هبته كالعائد في قيئه"، كالعائد في قيئه. وهذا الحديث يدل على ما دل عليه الذي قبله، وهو أنه عن الرجوع في الهبة والصدقة والعطية، فهذا لا يجوز، فهذا لا يجوز. والهبة يا إخوان، عرفها بعضهم بأنها التبرع، وهكذا التمليك من شخص جائز التصرف في حياته بمال أو غيره، ويكون ذلك بلا عوض، ويكون ذلك بلا عوض. ما معنى بلا عوض؟ نعم، بدون مقابل، بدون مقابل. بخلاف البيع، فالبيع تبادل بمقابل، لكن الهبة يعني يجمعها قول بعضهم: تمليك بلا عوض، ويكون هذا التمليك في حياة الواهب، في حياة الواهب. وذكر، ذكر جماعة من أهل العلم أن الهبة والعطية، وهكذا صدقة التطوع، وهكذا ماذا؟ النفقة وغيرها، تعتبر من أنواع البر المتقاربة في المعنى، المتقاربة في المعنى، يجمعها أنها تمليك من شخص لشخص آخر في حياته بلا عوض، أي بدون مقابل، بدون مقابل. لكن بينها فوارق يصير جداً. فمن هذه الفوارق قالوا: إذا أعطى شخص غيره شيئاً، وكان المقصود بهذه العطية هو ماذا؟ طلبوا التقرب إلى الله تعالى، تعالى، طلبوا التقرب إلى الله عز وجل بإعطائها إلى محتاج، فهذه تسمى صدقة. لماذا؟ لماذا أعطيت فلاناً هذا الشيء؟ أعطاه مثلاً دراجة نارية، أعطاه قلماً، أعطاه مالاً. طيب، هذا الشخص مسكين، لماذا أعطيته؟ هل هو قريبك؟ قال: لا. هل جارك؟ قال: لا. تعرفه؟ قال: لا. ماذا تريد؟ أراد محض التقرب إلى الله عز وجل، هذه تسمى صدقة. وإذا أخذ هذا الشيء وحمله إلى شخص آخر، إلى شخص آخر في مكان ما، وإكراماً له وتعظيماً له وتودداً إليه، فهذا يسمى هدية، هذا يسمى هدية. في حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". وهذا الحديث أخرجه جماعة من أهل العلم، أخرجه البيهقي، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في كتابه الإرواء، في كتابه الإرواء. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها، يقبل الهدية ويثيب عليها.كذا جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في صحيح الإمام البخاري رحمه الله: "كان يقبل الهدية ويثيب عليها"، أي أنه يعطي الذي أهدى له بدلها، بدلها. والمراد ههنا: ويثيب عليها، أي المجازاة، ليس شرطاً أنه يعطي المهدي مثل ما أعطى له، لكن أهدى له شيئاً، فماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، وهذا من كمال خلقه وحسن أدبه عليه الصلاة والسلام وتواضعه، يقبل الهدية ولو كانت الهدية شيئاً حقيراً ويسيراً. قال عليه الصلاة والسلام: "لو أهدي إلي ذراع أو كراع، لقبلت". الذراع، ماذا؟ شيء محبوب نفيس، أحب اللحم إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذراع. يقول: "لو أهدي إلي ذراع أو كراع"، يعني ماذا؟ العظم من البهيمة الذي يكون أسفل الرقبة، يعني عظم غالباً يكون ماذا؟ بلا لحم. قال: "لقبلت". ويقول: "ولو دعيت إلى ذراع أو كراع، لأجبت" أو "لقبلت" كما قال عليه الصلاة والسلام. بل لاحظوا يا إخوان حسن أدبه عليه الصلاة والسلام، أن كما مر معنا في كتاب الحج، لما أهدي له لحم حمار وحشي، أهدي إليه لحم حمار وحشي، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين أن رده ولم يقبله، ورأى ما في وجه المهدي من ماذا؟ من حزن ومن انزعاج. طيب خاطرة، طيب خاطرة، قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم"، أي محرمين. ولماذا رده بينما قبل من أبي قتادة وأصحابه؟ قبل من أبي قتادة وأصحابه حين أن ماذا؟ خرجوا معهم وانفصلوا عنهم في طريق ساحل البحر، وصادوا حماراً وحشياً وأكلوا منه، ثم تذاكروا: كيف نحن محرمون؟ الذي صاده أبو قتادة ليس بمحرم، فأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه، فأجاز لهم أن يأكلوا، وسألهم: هل أشار أحد منكم عليه؟ قالوا: لا. فأمرهم أن يأكلوا، وسألهم: هل بقي معكم منه شيء؟ قالوا: أجل، ليس طمعاً في اللحم، وإنما لأجل ماذا يا أبا محمد؟ سألهم: هل بقي معكم شيء؟ قالوا: نعم، فأعطوه، فأكل منه، تطيب لخاطرهم، لربما يبقى الشك في نفوسهم، لكن أراد أن يطيب خاطرهم، يأكلوا بكل طمأنينة، فأخذ منه وأكل، هنا طابت نفوسهم. لكن لماذا رده على الآخر؟ من هو يا إخوان الذي رده؟ من الصحابي الذي أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً فرده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقبله، ثم قال له: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم". ما اسمه؟ نعم، أحسنت: الصعب بن جثامة. طيب، لماذا رده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقبلها منه، مع أنه قبل من أبي قتادة وأصحابه؟ ما علة ذلك؟ نعم، حرم. وأيضاً حين أن أتى أبو قتادة وباللحم كان النبي صلى الله عليه وسلم محرماً، صيد كلاهما صيد. أنت أحسنت، قاربت، ولما بقي بينك وبين الجواب خطوات يسيرة. نعم يا باب عبد الله، أحسنت: بينما الصعب، أبو قتادة وأصحابه حين أن صاد أبو قتادة لم يصده لأجل النبي صلى الله عليه وسلم، بينما الصعب بن جثامة صاده لكي يأكل منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلذلك رده النبي عليه الصلاة والسلام، رده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال: عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، هو وأبوه صحابيان، قال: "تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم". لا أرضى، ما فرحت، وإنما جعلت الأمر لا بد أن يحكم فيه النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت: "لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال: "فانطلق أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشهد على صدقتي"، ليشهد على صدقتي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفعلت هذا بولدك كلهم؟" يعني هل أعطيت أولادك كلهم مثل ما أعطيت النعمان؟ فقال: لا. قال أي النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم"، اتقوا الله واعدلوا في أولادكم. ومعنى هذا أن ما فعله بشير والد النعمان ليس بصواب، ولا يجوز أن يميز أحداً من أولاده على الآخرين، على الآخرين. قال: "فرجع أبي"، أي عن صدقته وعطيته، قال: "فرد تلك الصدقة". قال: "وفي لفظ: فلا تشهدني، إذن فإني لا أشهد على جور"، أي على ظلم، على جور. قال: "وفي لفظ: فأشهد على هذا غيري". لماذا قال: "أشهد على هذا غيري"؟ هل رضي بما صنع؟ أبداً، هذا على سبيل الإنكار: أشهد عليه غيري، قال: "فإني لا أشهد على جور". وهذا الحديث كما هو ظاهر يتعلق بماذا؟ بالإشهاد على الهبة، وهكذا أنه لا يجوز أن يميز بعض أولاده على البعض الآخر لغير ما سبب ولغير ما عذر، وهكذا فيه أنه يجوز للوالد أن يرجع في هبته وعطيته التي أعطاها لولده. لا يجوز يا إخوان أن يعود الواهب في هبته إلا الوالد إذا وهب لولده شيئاً، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نعم تفضل. فكما سبق أنه لا يجوز الرجوع في الهبة والعطية والصدقة، وهكذا غيرها من صور التمليك التي تكون بلا عوض، التي تكون بلا عوض، وإنه وقع، وقع في شيء من ذلك فقد وقع في أمر محرم. قلنا: إلا الأب، يجوز له أن يرجع في هبته التي وهبها لولده، التي وهبها لولده، كما جاء في حديث ابن عمر، وهكذا ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده"، إلا الوالد فيما يعطي ولده. وهكذا أيضاً ماذا؟ من المسائل المتعلقة بذلك أنه إذا أعطى ولده فعلى الصحيح يا إخوان يجب أن يساوي بين الذكور والإناث، أعطى الذكور مئة ألف يعطي الإناث أيضاً مئة ألف. جاء في رواية خارج الصحيح: "سَوُّوا بينهم"، سَوُّوا بينهم. وأما للذكر مثل حظ الأنثيين فهذا إنما يكون في الميراث: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ﴾ [النساء: 11]، ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ [النساء: 11]، الآيات هذه في المواريث. أما في العطية فعلى الصحيح من أقوال أهل العلم يجب التسوية. خالف، خالف بعض العلماء فقالوا: في العطية يكون الحكم كما يكون في الميراث، أي للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا كما سبق ماذا؟ غير صحيح. أيضاً من المسائل المتعلقة بهذا الحديث أن الأب إذا فضل أحد أولاده لأمر ما ولسبب، مثلاً كان يكون مريضاً، مريض أحد الأولاد، فقام يعالجه وأنفق في علاجه خمسين ألفاً، هل يجب عليه أن يعطي البقية خمسين؟ لا، ما يجب. لكن إذا مرض أحدهم، ماذا؟ قام بعلاجه، هذا هو العدل يا إخوان. كبر أحدهم وبلغ سن الزواج، فقام بتزويجه وأنفق في زواجه مثلاً خمسة ملايين، خمسة ملايين، هل يجب أن يعطي البقية من خمسة ملايين؟ الجواب: لا. لكن إذا بلغ الصغير سن الزواج، ماذا؟ زوجه مثل ما زوج إخوته. وهكذا قل في غيرها من الأحوال، إذا كان هناك أمر أو آخر يقتضي أن يميز به الوالد هذا الولد، جاز. هذا يدرس وهذا لا يدرس، أعطى هذا رسوم الدراسة، كم رسوم الدراسة؟ قال: ثلاثمائة ألف ريال حق السنة، فلا يلزمه أن يعطي الآخرين كذلك. فهذا من الأمور المهمة جداً التي ماذا؟ تتعلق بهذا الحديث. قال الإمام ابن الملق رحمه الله تعالى في شرحه على هذا الحديث من عمدة الأحكام: ما اسم شرحه؟ ما اسم شرح ابن الملق رحمه الله تعالى؟ كنت سأسأل أبا الحسن لكن رأيت الجواب في وجهه. طيب، نبحث يا أبا زهير، أنت معنا؟ الإعلام، نعم، بفوائد عمدة الأحكام. وهو يا إخوان بحق موسوعة، كتاب الإعلام شرح عمدة الأحكام للحافظ ابن الملق رحمه الله تعالى يعتبر موسوعة ومن أحسن وأوسع شروحات عمدة الأحكام، شروحات عمدة الأحكام. قال رحمه الله تعالى: "قال: الكراهة والتحريم ظاهر فيما إذا استوى أولاده في الحاجة وقدرها أو عدمها، قال: فإن تفاوت فليس في التفضيل والتخصيص المحذور السالف، المحذور السالف، قال: فتنبه له".كذا ذكر رحمه الله تعالى. وهذه الأحاديث الثلاثة، هذه الأحاديث الثلاثة فيها مسائل وأحكام، نذكر بعضها على سبيل الإيجاز والاختصار: أولاً: حكم الهبة. الهبة يا إخوان مستحبة، يعطي شخصاً أو يعطي شخص لآخر عطية، فهذا مستحب إذا قصد بها وجه الله تعالى، إذا قصد بها وجه الله تعالى، ومثلها الهدايا والصدقات وغيرها من صور التمليك الذي يكون بلا عوض، الذي يكون بلا عوض. ولا يجوز أن تكون على سبيل الرياء أو السمعة أو إرادة الشهرة. ومر معنا يا إخوان حديث أبي هريرة رضي الله عنه في أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، ومنهم رجل منفق وجواد يعطي، لكن للأسف يعطي من أجل أن يقول الناس عنه أنه جواد كريم، قال: "وقد قيل في الدنيا، فيؤمر به فيسحب إلى النار". قال الله عز وجل: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ﴾ [الإنسان: 8-10]. وهكذا من المسائل المتعلقة بالهبة أن الهبة لا تكون إلا من جائز التصرف. من هو جائز التصرف؟ المكلف. ما هو المقصود بالمكلف؟ البالغ العاقل. المكلف يعني بالغ عاقل. وهكذا زد على ذلك أن يكون رشيداً في ماذا؟ في تصرفه، في تصرفه. السفيه لا يجوز تصرفه، ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم ﴾ [النساء: 5]، فماذا يفعلون بها؟ يبذرونها ويصرفون فيها. أيضاً، أيضاً الهبة لا تصح إلا إذا كان الواهب مختاراً غير مكره. أتى شخص إلى آخر، قال: هذه الدراجة لك، قال: نعم، قال: أعطني إياها، قال: كيف أعطيك إياها وأنا أحتاجها؟ أخرج ماذا؟ أخرج مسدساً، قال: شف، تعطيني الدراجة، وإلا هذا فيه تسع طلقات، سأعطيك في رأسك ثلاث منها، آه أنهيك. قال: لا لا، ما في داعي، هذا مفتاح الدراجة، آه، فتح الله عليك. هل يصح؟ الجواب: لا، لا يصح، لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه، نفسه طيبة، نفسه طيبة. أيضاً من هذه المسائل أن يكون الموهوب مما يصح أو ماذا؟ مما يجوز، وليس مما يحرم. فلو وهب شخص لآخر خمراً، ماذا؟ خنزيراً، مالاً مسروقاً، مالاً مغصوباً، هذا كله ما يجوز، فلا تجوز ولا تصح هذه الهبة، لا تصح هذه الهبة. وهكذا أيضاً من هذه المسائل أن هناك فرقاً بين الهبة وبين البيع، هناك فرق بين الهبة وبين البيع. ومن هذه الفروق أن الهبة تجوز فيما لا يمكن تسليمه. أهدى شخص لآخر بعيراً شارداً، قال: وهبتك، أعطيتك يا أخي بعيري، قال: أين هو؟ قال: والله ما أدري، له ثلاثة أشهر ما جاء، قد يكون في الساحل، في الوادي، في الجوف، في مأرب، إلى غيرها. في البيع ما يجوز، لكن في الهبة ماذا؟ يجوز، في الهبة هذا مما يجوز، هذا يجوز. وهكذا لو وهبه عبداً آبقاً، عبداً متمرداً على سيده، قال: يا أخي، قدره متمرد، لعلك أنت تعرف كيف تتعامل معه، ابحث عنه، فإذا وجدته فهو لك مني، هبة مني، هبة، فهذا كذلك أيضاً يجوز. جاء في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أما اشتراط القدر على التسليم فيه نظر، يعني في الهبة لا يشترط القدر على تسليم الموهوب، قال: بخلاف البيع، فالبيع شرط أن يكون ماذا؟ قادراً على تسليم المبيع، قادراً على تسليم المبيع. أيضاً في البيع لا يصح بيع المجهول، لكن في الهبة تجوز، في الهبة تجوز. على سبيل المثال يقول شخص لآخر: وهبتك، أعفيتك الحمل الذي في بطن الناقة، أرأيت هذه الناقة؟ قال: نعم، قال: حامل، الذي في بطنها لك. في الهبة يجوز، لكن في البيع هذا لا يجوز. وهكذا الصوف على الظهر، وهكذا اللبن في الضرع، وهكذا الحوت في البحر، إلى غيرها. في البيع لا يجوز، لكن في ماذا؟ في الهبة والعطية، هذا وإن كان مجهولاً لكنه يجوز أن يوهب، يجوز أن يوهب. وهكذا أيضاً من هذه الأحكام أن الهبة متى تلزم الواهب؟ الآن في شخص قال لآخر: قال: أعطيتك، أعطيتك مئة ألف ريال. طيب، هل بمجرد اللفظ يكون ماذا؟ يلزمه هذا الأمر، أم أن ذلك لا يكون لازماً إلا بيء القبض؟ خلاف بين العلماء في هذه المسألة. فالذي عليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والثوري وغيرهم، وعزي لأكثر أهل العلم كما ذكر ذلك ابن قدامة في كتابه المغني، أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، إلا بالقبض. قال: يا فلان، قال: نعم، أرأيت الدراجة التي خارج؟ قال: نعم، ما لها؟ قال: هي لك، هي لك، أين المفاتيح؟ قال: عندي، ما في مفاتيح، ما في المفاتيح في البيت. طيب، هل يلزم الآن أن الدراجة هذه تكون للموهوب له؟ لا يجوز للواهب أن يتراجع؟ لا يا إخوان، الصحيح أنها لا تلزم إلا إذا قبضها الموهوب له. طيب، لو قبضها بغير اختياره؟ أين المفاتيح حق الدراجة؟ قال: في البيت. قال: طيب، مرحبا. ذهب الموهوب له إلى البيت، قال: أين فلان؟ قال: غير موجود، في المسجد يعمل درساً، يعمل درساً. قال: هاته مفاتيح الدراجة، هو كلمني، قال: نعم، هو أعطاني إياها، قال: خذ المفاتيح. أخذ الدراجة وانصرف. لا، ما يجوز، لا يجوز ذلك إلا أن يمكنه هو من ماذا؟ من قبضها. أما أن يهبه شيء فيجد الشيء فيأخذه، قال: أرأيت الناقة الفلانية؟ قال: نعم، قال: هذه سأعطيك إياها، فماذا؟ فيذهب ويبحث عنها ويأخذها، هو الذي يقبضه إياها، إلا إذا قال له: اذهب فخذها، فهذا بمثابة ماذا؟ قبض. وعندها إذا قبض فلا يجوز للواهب أن يرجع في هبته. وهذا يا إخوان، كون الهبة تلزم بالقبض، هذا كما سبق يعني عزي إلى أكثر العلماء، وصح عن أبي بكر وعمر، قالوا: ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، ولهذا عده بعضهم إجماعاً كابن قدامة، قال في المغني: "ولنا إجماع الصحابة"، إلى أن قال: "وقال المروذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة، لا تجوز إلا مقبوضة". وذهب بعضهم إلى أنها تلزم بمجرد اللفظ، هذا القول ذهب إليه مالك، وهكذا رواية عن أحمد وأبي ثور والظاهرية، قالوا: تلزم بمجرد اللفظ، يعني إذا قال: يا فلان، أعطيتك، أو مني لك كذا وكذا، قالوا: خلاص، ما يجوز له أن يتراجع، ما يجوز له أن يتراجع، ولا سيما إذا كان من الأشياء الموزونة أو المكيلة. وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهكذا ترجيح العلامة العثيمين رحمه الله تعالى. لكن ما سبق عن أكثر العلماء هو الأقرب والله تعالى أعلم. وهكذا أيضاً من المسائل التي تتعلق بالهبة أنه لا ينبغي أن ترد الهبة، أن ترد العطية، لا ينبغي ذلك يا إخوان. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه أنه يقبل الهدية ويثيب عليها. لكن إذا كان الشخص يخشى أن يمنى عليه الواهب، يعني بعدها يقول: ها، أعطيتك يا ناسي المعروف وناكر الجميل، ما تذكر يوم كذا وكذا أعطيتك كذا وكذا، إذا كان يخشى من المنة أن يمنى عليه إلى غير ذلك، فلا يلزمه أن يقبل هذه العطية وهذه الهدية، وهذه الهدية. وكما سبق أيضاً أنه لا يجوز ماذا؟ أنه لا يجوز، لا يجوز الرجوع في الهبة والعطية. جاء في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس لنا مثل السوء، ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه، كالكلب يرجع في قيئه". وهذا يا إخوان مما يدل على أن هذا الأمر يعتبر من الأمور المحرمة، من الأمور المحرمة. طيب، هذه مجموعة من المسائل المتعلقة بهذا الحديث. كم حديثاً أخذنا؟ نعم، كم حديثاً أخذنا؟ نعم، ثلاثة أحاديث، وتلك ألفاظ في حديث عمر رضي الله عنه. أسأل المولى عز وجل أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، وماذا؟ أن ينفعنا بما نقول أو نسمع، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.