الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح أهمية التحذير من أعداء الدين الداخليين مثل المبتدعة وأهل الأهواء، ويبين أنهم أشد خطرًا من أعداء الخارج. يُؤكد على أن منهج السلف يولي اهتمامًا أكبر للتحذير من أعداء الداخل لأنهم يفسدون الدين من الداخل.
يؤكد على أهمية التأني وعدم التعجل عند مواجهة الفتن والمشاكل، ويشير إلى أن العجلة تؤدي إلى الفتنة وخسارة الأرواح والأموال. التأني يساعد على حل المشاكل بأقل الخسائر.
يجب الرجوع إلى منهج الصحابة وآثارهم في زمن الفتن، فإن لم يجد المرء ذلك، فعليه أن يرجع إلى العلماء الراسخين في العلم. مخالفة منهج الصحابة والعلماء تؤدي إلى الضلال والهلاك.
يروي عن الجويني ندمه على اشتغال علم الكلام عند وفاته، حيث خالف نهج علماء الأمة، داعياً الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ثم ندخل إخوانًا في الله في الدرس، قال مؤلف رحمه الله تعالى: «فانظر -رحمك الله- كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء، فإن وجدت فيه أثرًا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء ولا تختار عليه شيئًا فتسقط في النار». كذلكم إخواني في الله، هذه الفقرة تعتبر من بدائع ما سطره البربهاري رحمه الله تعالى في رسالته، ولا زال العلماء في هذه الأزمان يستدلون بهذه الفقرة ويتكئون عليها في بعض المسائل التي سيأتي ذكرها وبيانها في شرح، فهذه الفقرة احتوت على عدة مسائل، من هذه المسائل بيان عن التغير الذي وقع في زمن المؤلف رحمه الله تعالى في قوله «من أهل زمانك خاصة»، فكلام المؤلف يوحي عن وجود مستجدات قد استجدت في دنيا الناس، استجدت في دنيا الناس من تغير ومن إحداث ومن ابتداع ومن أقوال وأفكار وآراء وأهواء. وهذا التغير كان قد بدأ في الزمن الأول، فابن عباس رضي الله تعالى عنه عندما رآه رجل كان يحدث، فرأى أن ابن عباس لم يبالي به، فأنكر الرجل على ابن عباس ألا تسمع حديثك عن رسول الله، فقال له ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «كنا إذا سمعنا الرجل يقول قال رسول الله ابتدرته أسماعنا وأصغينا إليه بآذاننا، إذا سمعنا قال رسول الله قمنا ننصت وننظر»، قال «ابتدرته أسماعنا وأصغينا إليه بآذاننا»، لكن لما ركب الناس الصعب والذلول فما نحدث إلا عن من نعلم أو نعرف، فلا نحدث إلا عن من نعرف. فإذا كان هذا في زمن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ورأى التغير في زمنه، فما ظنك في زمن البربهاري رحمه الله تعالى؟ فما ظنك يا عبد الله بزمننا هذا الذي نحن فيه؟ فإن الأمور قد تغيرت والأمور قد تطورت، بل تعقدت إلى الأسوأ، فإن ذهبت إلى باب الشهوات فحدث ولا حرج عن الشهوات العظيمة التي ابتليت بها الأمة، وإن نظرت كذلك إلى باب الشبهات ترى أعجب من ذلك، الآراء والأهواء تتعاصف في الأمة كالأمواج. فالمؤلف رحمه الله تعالى يبين ما عليه أهل زمانه من التغير، ثم كذلكم يستفاد من هذا المقطع أن الذي يسمعه المسلم لربما يأتيه من الأعداء ومن الخصوم، وفيه بيان أن لهذا الدين أعداء من الداخل، أعداء من الداخل من أهل البدع ومن أهل الأهواء والآراء. يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «قال أبو الوفاء ابن عقيل: قال شيخنا أبو الفضل: مبتدعة الإسلام أشد من الملحدين؛ لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساد الدين من الداخل». قال رحمه الله: «مبتدعة الإسلام أشد من الملحدين؛ لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساد الدين من الداخل»، إذن علمنا إخواني في الله أن هناك للدين أعداء من الخارج من الملاحدة والزنادقة، ويلحق بهؤلاء اليهود والنصارى والمجوس وهكذا، وهناك أعداء من الداخل من المبتدعة ومن أهل الفرق والضلال والانحراف، فهؤلاء هم الذين يبثون السموم ويبثون الشبه بين الناس وبين عامة الخلق. ثم بينا في هذه العبارة المذكورة آنفًا عن أبي الفضل في بيان على أن عدو الداخل أخطر وأخبث من عدو الخارج، وهناك عبارة لبعض أهل السنة في بيان وجه الخطر، وأنه ينبغي للمسلم أن يهتم بأعداء الداخل أكثر من اهتمامه بأعداء الخارج. وللأسف بعض الفرق والجماعات في هذا الأزمان عكسوا الآية وعكسوا هذه الظاهرة، فتجد بعض الجماعات إن تكلمت تكلمت عن عدو الخارج عن اليهود عن النصارى عن المخططات عن البروتوكولات التي أعدها اليهود وعن المخططات السرية وعن التبشير والتنصير وعن ما يسمى بالغزو الفكري، همهم أعداء الخارج، بينما هم في تحذيرهم من أعداء الداخل لا شيء، لا يتكلمون قط عن المبتدعة، تجد المؤلفات الكثيرة لهذه الجماعة ولذاك الداعية عن الأعداء الخارج، فإذا طالبته بذكر شيء من مؤلفاته ولو قصاصة في التحذير من أعداء الداخل لا تجد له أثر، وما كتب سطر. وهذا على خلاف منهج السلف، يقول بعض العلماء: من تأمل في تحذير رسول الله عليه الصلاة والسلام تجد أن رسول الله حذر من الخوارج أكثر من تحذيره من اليهود والنصارى، من تتبع في السنة وتتبع في الشريعة يرى أن رسول الله حذر من الخوارج أكثر من تحذيره من اليهود والنصارى، في هذا بيان على أن عدو الداخل أخطر، وينبغي بيان عواره أكثر من الخارج، هؤلاء كلهم أعداء، لكن ينبغي أن تبدأ بالأولويات كما جاءت به الشريعة. قلنا بعض العلماء فسر منهجية هذه الطريقة في بيان أن ينبغي التصدي لأعداء الداخل أكثر من التصدي لأعداء الخارج، قال: لأن الرد على أعداء الخارج ومن خارج الإسلام هو عبارة عن طلب للربح، عبارة عن طلب للربح، بينما الرد على أعداء الداخل هو حفاظ على رأس المال، حفاظ على رأس المال، وأي يوم يقدم إخواني في الله، هل أنك تطلب الربح مع ضياع رأس المال، أو أنك تحفظ على رأس المال ولا ضاع الربح؟ لا والشك وريب أنك تحفظ على رأس المال تحفظ وتحافظ على رأس المال. وهكذا سار أهل السنة والجماعة في هذا الباب، لا نقول إنهم تركوا الردود، لا ردوا على هؤلاء وردوا على هؤلاء، لكن كان من أكبر اهتماماتهم الرد على أعداء الداخل؛ لأن الرد في هؤلاء هو حفاظ على رأس المال، ولو ضاع الربح فإن ذلك لا يضرك، فإن ذلك من باب طلب الزيادة. فأشاهد من ذلك أنه يستفاد من كلام مؤلف رحمه الله تعالى بيان ما يبثه أعداء الداخل من الفتن، وكذلك يستفاد من قول المؤلف رحمه الله تعالى في قوله «فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه»، وهذا بكلام سبق، حيث قال «فانظر -رحمك الله- كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة»، أمر المؤلف رحمه الله تعالى بأخذ هذا الموقف ابتداءً وهو التبين وهو التأني وهو التثبت. إذا سمعت يا عبد الله بوجود الفتن وبظهور الشبهات وبعض الأشياء المستغربة، إذن لم تكن تعهدها، فعليك يا عبد الله أن تتأنى، قف، إياك والعجلة، العجلة من الشيطان كما جاءت بذلك الآثار عن نبينا عليه الصلاة والسلام، عليك بالتؤدة في جميع أمورك، في جميع أمورك في الأفعال في الأقوال في الاعتقادات في الاعتناق بعض المسائل، عليك بالتؤدة تتأنى يعبد الله في كل شيء. ونحن في هذا الأزمان إخواني في الله كما سمعتم آنفًا ابتلينا بالفتن، فتن غريبة عجيبة جديدة ما سمعنا بها من قبل، لكن ننظر إلى حال الناس لنرى أن الناس تهافتوا على كل جديد، على كل جديد تهافتوا عليه، معاملات جديدة الناس ما على علم بها، مسائل في البيوع مسائل في الشركات مسائل في الأرصدة مسائل في الأسهم، تجد الناس سمعوا بخبرها تواكبوا عليها، طيب تأنوا يا عبد الله، اسألوا، انظروا ما فيها حتى تضح الأمور كلها، لا خاص هذا فيه شيء، ما فيه شيء ادخل. وهكذا يقول في المعاملات فيما يتعلق بمعاملات في النكاح وما يتعلق بذلك في المعاملات، الناس بعضهم ببعض أو بعض العلاقات الموجودة المبثوثة كزواج كذا، وزواج كذا، غرين فريند عما يسمى، أو زواج المسيار أو زواج، أنواع وأشكال من العلاقات الموجودة، تجد بعض الناس تهافت عليها مباشرة، لا يا عبد الله، فإذا كما قال مؤلف «فإذا سمعت بشيء فلا تعجل، لا تعجل»، فليكن من أعظم أخلاقك يا عبد الله أن تتخلق بها، وخاصة في أيام الفتن، عليك بالتؤدة، عليك بالتأني. وما أذهب الناس وخاصة أهل الإسلام بذهاب ما هم عليه من أزهاق الأرواح وذهاب الأموال إلا من تعجلهم، يقع شيء تهافت الجميع، القاص والدان تهافت على الأمر، الماء ذهبت الأرواح والأنفس، بخلاف من؟ بخلاف الروم، بخلاف النصارى، هم هذا من أخلاقهم العجيبة أنهم عودوا أنفسهم على ماذا؟ على التأني، ولهذا سلمت لهم الأرواح، سلمت لهم الأرواح. يؤيد هذا ما جاء حيث المستورد بن شداد أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة، تقوم الساعة والروم أكثر الناس»، فبلغ ذلك عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه، فجاءه قال: «انظر»، قال: «لقد سمعت هذا يقول المستورد، لقد سمعت هذا من رسول الله، إن تق�م الساعة لا تقوم الساعة وإلا والروم من أكثر الناس»، كما قال، فقال عمر بن العاص: «نعم، ألا نبئك بما ذلك؟»، قال: «بما؟»، فذكر أربع خصال، قالوا: «منها أنهم أحلم الناس عند الفتن»، أحلم الناس عند الفتن، هو الأمر، الروم تأتيهم داهية، مصيبة، يقفون كلهم خط واحد، ننظر إيش وراء هذه، ينظرون، ينظرون، يقيسون، يدخل عقلًا في ذلك، ينفض النزاع بأقل خسارة، وهذا حد كما في الصحيح بأقل خسارة، ثم ذكر الخصلة الثانية والثالثة والرابعة عن الروم أو عن النصارى. فالشاهد ذكر هذه الخصلة فيهم، قال: «إنهم من أحلم الناس عند الفتن»، وهذا موجود، تقع فتن كبيرة، يجتمعون مباشرة يحلونها بأقل ماذا؟ بأقل خسارة، بفترة طويلة، لكن بخسار قليل، بخلاف ما يقع عليه المسلمون الآن، تقع الفتن، سرعان ما يتهافت الناس كتهافت الفراش عليها. فأمر المؤلف رحمه الله تعالى بالتأني، فقال: «فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء»، وهكذا يقول، نستفيد يا طالب العلم في باب المسائل المنهجية والسلوكية، قد تقع بعض المسائل، فأنت يا عبد الله لست ملزمًا، لست ملزمًا في كل قضية أن تتخذ فيها موقفًا، أنت لست بلازم، ما كلفك الله بهذا، وقعت فتنة، وقعت مدلهمة، وقعت بلاء، وقعت مشاكل دعوية منهجية بين طائفة وأخرى، بين أهل السنة، بين جماعة وأخرى، مثلًا في أقوال في آراء في اعتقادات في مسألة خلافية، مسألة اجتهادية، فإذا ترى بجماعة من طلبة العلم ينبرون: «أنا مع هذا، أنا مع هذا»، فتقع الخصومات، وأنت من؟ يا عبد الله، حتى تتخذ موقفًا معها، مع ذا، ما ينبغي هذا. نقول كما قال مؤلف: «فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء»، انظر، اثبت، ما أنت مكلف من رب العالمين أنك ينبغي في هذه الساعة تتخذ موقفًا مع فلان ضد فلان، أو مع فلان ضد فلان، أو تتبنى رأيًا دون آخر، مسألة بين علماء تختلف العلماء، تحشر نفسك فيها يا عبد الله بماذا؟ بأن تفصل فيها، لا يا عبد الله، تفصل فيها ولا شيء، كفاك الله المؤنة بأن يرجع الأمور إلى أهلها. فعليكم إخواني في الله بهذه الوصية العظيمة التي وصى بها المؤلف رحمه الله ومن تعالى من كان في زمنه ومن يأتي بعد زمنه: «فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء»، طيب أنت ستنتظر إلى متى؟ وقعت مدلهمة، وقعت مصيبة، مشكلة، وقع شيء جديد في الدين في الاعتقادات في المعاملة، قمت بالأمر الأول وهو التأني، قفيت، فلان، وقفت تنظر إلى متى؟ قال رحمه الله تعالى: «قال حتى تسأل وتنظر هل تكلم به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء»، إذن هذا الذي يفصل النزاع، ليس الهوى، وليست العاطفة، وليس يا عبد الله ما عندك من خلفية، أنت طالب علم، فخلفيتك خلفية طالب علم، هذه خلفيتك، فلا تقحم نفسك وأنت بهذا بجهد المقل، تقحم نفسك في الفتن العظام، وإنما ترجع الأمور إلى أهلها، إلى السلف الصالح، عارفين منهم من أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. إن ظفرت بمنهجهم كيف كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم في هذه الفتن؟ وقعت فتنة، تنظر، تقتبس ما كان عليه الرعيل الأول، فخذ بما أخذوا، فإن لم تظفر بالصحابة، تنتقي يا العلماء من كان قبل زمنك ومن كان في زمنك، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم قد مضى معنا ما يتعلق بفضلهم، وأنهم المقياس في معرفة صحة المنهج وصحة الطريق. قال جل في علا: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، والأدلة كثيرة على ذلك، فإذا أردت يا عبد الله أن تعرف أنك في هذه الفتنة أنت ولجت فيها على خير حال، تنظر هل خطاك على ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؟ فإن كان كذلك فابشر بكل خير، بل كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعرفون ويعترفون أن من اقتفى خطاهم لن يضل. الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يعرفون ويعترفون أن من أخذ بخطاهم لن يضل، انظر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قصته مع أصحاب الحلق، وقد ذكرناها في درس أمس، عندما خرج على أصحاب الحلقات المبتدعة المستحدثة، عندما أنكر عليهم وأراد أن يقيم الحجة، ماذا قال؟ قال: «يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم»، فهؤلاء أصحابه متوافرون، أي من الذي أدخلكم في هذه الفتنة؟ والصحابة عندكم، يعني معنا الكلام أن خروجكم عن منهج الصحابة ضلال، خروجكم عن منهج الصحابة ضلال. فألزمهم بهذا، قال: «وأصحابه متوافرون، وثيابه لم تبل»، فالشاهد، فابن مسعود ألزم هؤلاء الذين خرجوا عن منهج الصحابة بأن يلتزموا بمنهج الصحابة، وهكذا يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه عندما خرج على الخوارج، خرج أي من مناظرة ناظرهم وجادلهم، بماذا؟ ألزمهم أنهم على ضلال بدليل أنهم خرجوا عن منهج الصحابة، فقال: «لقد جئتكم من أصحاب رسول الله، وليس فيكم أحد منهم، وليس فيكم أحد منهم»، فأراد ابن عباس أن يبين أن الخوارج: «أنتم على ضلال بدليل هذا البرهان أنكم في واد وأن الصحابة في واد آخر». فهذا كان مما قد انقدح وعلم علم به الناس في ذاك الزمان أن من خطى غير خطى الصحابة فهو على ضلال مبين، فإذا عليك يا عبد الله في أيام الفتن والنوازل أن ترجع إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فترى كيف تعاملوا في مثل هذه النوازل، فإن لم تظفر بشيء من آثار الصحابة، فلا أقل أن ترجع يا العلماء، ترجع إلى أهل العلم، بهذا أمرنا ربنا جل وعلا، فقال سبحانه: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. جاءتك مسألة، أنت ما عندك به علم، تعترف أولًا بقصارة بحد علمك: «أنا ما عندي علم»، وأن من العلم أن تقول لما لا تعلم، الله أعلم، ثم تحيل الأمر لمن هو أعلم منك يا العلماء الذين أمرنا بالأخذ عنهم، فقال: «أو أحد من العلماء»، مع العلم إخواني في الله مع التنبيه على أن العلماء هم يسألون في مسألة الدين، لكن مع التنبيه أن العلماء درجات، وأن المسائل التي ستسأل عنها هي كذلك درجات. فمثلًا قد تأتيك مسألة في الطهارة، مسألة شخصية في البيوع في المعاملات في العبادات، هذه تسأل فيها أهل العلم من أعطاه الله العلم العلم الشريعة تسأله، لكن لو ربما قد تأتي مسألة أعظم من هذه المسائل، مثل مسألة النوازل، مثل القضايا المصيرية، مثل مسألة الدماء والأرواح والأنفس، هذا لما ينبغي تسأل فيها كل عالم، ليس كل واحد تسأل به، وبهذا أشار ربنا جل وعلى هذه المسألة، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، هنا غاية شرف وهو الاستنباط، والاستنباط لا يتأتى إلا لأهل الاجتهاد، لمن رسخت قدمه في العلم. نوك العالم بعض العلماء، لكن ليس بما هم يتفاوتون، ذاك عالم أمة، وذاك عالم كما قال عالم مجتهد على حد حالق، ذاك طالب علم، فالقضايا المصيرية ومسائل الفتن لا تجعل العبد تسأل كل قاسي وداني كما عليه الناس الآن، وهذا من البلاء أن الناس خبطوا وخلطوا في هذا الباب، تأتي مسائل عظيمة جدًا، تذهب فيها أنفس، أنفس كما نرى الآن في بعض الدول، والله أنفس في اليوم والليلة العشرات، العشرات، ثم ترجع ترى من مصدر هذه الفتن؟ يقولك فلان، تنظر فيه من هو؟ والله والله وبالله لشهد الجميع أن فلان الذي أفتى في هذه المسألة ما كان أبدًا من الراسخين في العلم، كيف تصدر؟ وكيف تصد؟ هذا ما يجوز، ما يجوز أبدًا، فرحمه الله مران عرف قدر نفسه. ولهذا ابن القيم رحمه الله تعالى في «إعلام الموقعين» قال: «العالم بكتاب الله وبسنة رسوله وبأقوال الصحابة هو الذي يجتهد في النوازل»، أمور صعبة، عندما تأتيك النازلة تقول لك أمور صعبة، وكل منهب ودب يأتيك، داعية كما نرى في هذه الأزمان، داعية حسبه أنه داعية، أو ذاك واعظ، أو ذاك مرشد، أو ذاك مفكر، أو ذاك روائي، وآخر كاتب، فهم يتبنون مسائل عظيمة جدًا في دين الله، في الأرواح في الأعراض وفي الأنكحة وفي الدماء، هذا ما يجوز، ما يجوز أبدًا إخواني في الله. ولهذا ينبغي أن نعلم ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، قال: «فإن وجدت فيه أثرًا عنهم» أي عن الصحابة وعن العلماء، قال: «فتمسك به ولا تجاوزه لشيء ولا تختار عليه شيئًا فتسقط في النار»، ومقصود «تسقط في النار» أي ماذا؟ تسقط في الهلاك وتسقط في الضلال. وقد دهمنا الوقت، إلا من تأمل إلى الفتن التي وقعت أو وقعت في الأمة، علم أن الناس عندما خالفوا العلماء، خالفوا الصحابة وقعوا في الهاوية، الخوارج خالفوا ابن عباس وقعوا في الضلال، القدرية خالفوا ابن عمر وقعوا في الضلال، المعتزلة خالفوا الحسن البصري وقعوا في الضلال، انظر كل من خالف صحابي أو عالم من أمة كان مصيره إلى النار. يقول الجويني وهو من رأس المتكلمين في آخر زمنه، عندما كان على وشك الهلاك والموت: «لقد خط البحر الخضم» أي علم الكلام، «لقد خط البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه»، هنا الخلل، دخلت في أمر هم نهوني عنه، أي علماء الأمة، ودخلت في الذي نهوني عنه، فإن لم يتغمدني الله برحمته فالويل لابن الجويني، علما من نفسه الهلاك والضلال، لكن ماذا؟ عندما خالف العلماء. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.