الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 77، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح حالات جواز قتال المسلمين وهي ثلاث صور: الفئة الباغية، الخارج على أميره أو مجتمعه، ومن يريد أخذ مالك أو انتهاك عرضك. يُدلل على كل حالة بأدلة من القرآن والسنة النبوية.
يشرح حكم النظر في النجوم والاستدلال بها، ويفرق بين علم التأثير وعلم التسيير، ويبين أن علم التأثير لا يجوز بينما علم التسيير جائز في أمور محددة.
يحذر من الانخراط في قراءة الأبراج وتصديقها لأنه يعتبر من الكهانة والتنجيم، ويبين أن النظر في الأبراج من باب التصديق لا يجوز وهو من الكفر.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذه الرسالة الموثومة بشرح السنة، والفقرة الأخيرة التي تناولناها في درس أمس متعلقة حول قتال الفتنة، وأن المسلم عليه أن يتق الله في إخوانه المسلمين، فلا يشهر لهم السلاح ولا يسل عليهم سيفا، وأن ذلك من المحرمات التي تضافرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على تحريمها. لكن كما نبهنا في آخر الدرس فإن هناك من الحالات التي جاءت الأدلة على جواز رفع السلاح على المسلم إذا بلغ حالة من حالات التعدي، والحالات التي دل الشرع على جواز سل السيف على المسلم تكون في أحد هذه الصور. الصورة الأولى: إذا كان من فئة باغية، كما قال جل في علاه: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾، والخطاب كان لأهل الإيمان، ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي﴾، فأمر ربنا جل وعلا بتجريد السلاح وشهر السيوف أمام الفئة الباغية. فإذا وجدت أمة من الأمة بغت على أختها على إقليم، على ديار، على المجتمع، على قرية، على قبيلة، وهي باغية في عدوانها وتعديها، فإنها تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله. الصورة الثانية: كذلك من الحالات التي دل الشرع على رفع السلاح، وذلك في حق من خرج على أميره أو خرج على مجتمعه، فإذا وجدت فئة تسلحت وخرجت على أميرها المسلم وخرجت على أهل بلدها بالقتل والقتال والتنكيل والتحريق والإفساد في البلاد وبين العباد، فإن هذا يقاتل. ومن ذلك ما جاءت الأدلة بحق الخوارج، قال عليه الصلاة والسلام: «فأينما أدركتموهم فاقتلوهم»، فأينما أدركتموهم فاقتلوهم، وعلى قول كثير من العلماء أن خوارج من المسلمين، ومع ذلك أمر نبينا بشهر السلاح إزائهم ورفع السلاح على رؤوسهم وقتلهم وإبادتهم. فإذا وجد طائفة على هذه الحال خرجت على وليها وخرجت على أهل بلدها بالقتل والقتال والإفساد، فالأصل إذا تم ردعهم من غير قتال فهذا الأولى، كما جرى ذلك في زمن علي رضي الله تعالى عندما ظهر الخوارج في زمنه، دفع شرهم بالأقل فالأقل، دفع شرهم بالمناظرة وبالمجادلة العلمية وبكشف الشبهات التي في رؤوسهم. فأرسل ابن عباس لمناظرتهم، ونفع الله به، حتى رجع الآلاف معه، لكن إذا لم يمكن ردعهم ولا كف شرهم إلا بقتالهم، فإنه يقتل، وهذا الذي فعله علي لما ناظرهم ورجع من رجع للحق وبقي منهم فئة في تلك المنطقة، ثم قاموا وهجموا على سرح المسلمين، حينها أمر علي بقتالهم رضي الله تعالى، فقتلهم وقاتلهم. فعلى هذا، فإذا وجد طائفة من هذه الطوائف ممن تخرج على وليها وعلى أهل بلدها بالإفساد والفساد والقتل، فإنه يدفع بالأقل فالأقل، فإن لم يمكن إلا بقتال، فإنهم يقاتلون. الصورة الثالثة: وهو من خرج وأراد أن يأخذ مالك وأن ينتهك عرضك، فلك أن تدفع ولو إلى القتل، وقد جاءت الأدلة الدالة على ذلك، كما في صحيح مسلم في قصة عبد الله بن هريرة في سؤال ذاك الرجل النبي عليه الصلاة والسلام: «أرأيت إن أراد رجل أن يأخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار». فلك يا عبد الله أن تدفع عن نفسك، وقد جاء الحديث: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد»، فتدفع يا عبد الله عن دينك وعن عرضك وعن مالك، وهذا من باب رد الصائل. فمن اعتدى عليك، فإنك تدفع، والعلماء نبهوا في هذه المسألة على أن إن أمكن أن تدفع من غير قتال، فدفع إن أمكن ذلك، مثال أنت في بيتك فإذا بصائل مثلا أو عصابة أرادوا أن يقطعوا حماك لخطف مالك وأخذ ثروتك، وأنت تملك السلاح، فأنت يا عبد الله إن كنت راميا مثلا وتستطيع أن تصيب ما دون القلب، ما دون الرأس، ففعل، تصيب في الذراع، تصيب في الساق، في الفخذ، في أماكن غير قاتلة، إن أمكن ذلك ففعل. وهذا الذي عليه فتاوى العلماء، على أنك تدفع الصائل إن أمكنك من غير القتل، إن لم تستطع وإن اضطررت إلى القتل، فاقتل، فليس عليك بعد ذلك ضمان، لأنه المعتدي. فهذه حالات أجاز الشرع فيها رفع السلاح، وإلا الأصل أن قتل المسلم محرم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وأقل من النظر في النجوم إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة، وما سوى ذلك فإنه يدعو إلى الزندقة». قوله رحمه الله تعالى: «وأقل من النظر في النجوم»، النظر في النجوم ليست هذه العبارة على ظاهرها، لأن النظر في النجوم ليس فيه شيء، كأنك تنظر وتتمعن في خلق الله في النجوم، فهذا ليس فيه شيء. لكن مقصود المؤلف بالنظر في النجوم وما يستدل به العلماء بعلم النجوم أو الترصد لحركات النجوم، المقصود به ما يكون من بعد النظر من الاستفادة هنا يأتي الاستفادة في الحياة العملية، أنك تستفيد من حركات النجوم ومن نظرك في النجوم ما تستفيد في حياتك العلمية والعملية. والعلماء قسموا هذا إلى قسمين: إلى علم يسمى بعلم التأثير، وإلى علم يسمى بعلم التسيير. علم التأثير: ضابطه هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، وهذا العلم بجملته لا يجوز، وله صور، من صور علم التأثير ما كان يعتقده الصابئة، وهم الذين كانوا يعتقدون في النجوم بل وصلوا لدرجة أنهم كانوا من عبدة النجوم، يعتقدون في النجوم السبعة السيارة ويعتقدون التأثير في النجوم، وأن النجوم هي المؤثرة في الكائنات وهي الخالقة لأفعال الكائنات. فمن اعتقد هذا الاعتقاد بأن النجوم مؤثرة في نفسها وأن النجوم هي التي تخلق ما يقع في الكون، فهذا من الكفر الأعظم، وهذا من الشرك الأكبر الذي يخرج من الدين ويخرج من الملة. وصورة ثانية كذلك من علم التأثير: أن تعتقد في النجوم أنها مدعاة لعلم الغيب، وهذا كحال الكثير من الكهان ومن المنجمين، أنه ينظر في النجوم إلى حركاتها إلى سكناتها إلى اندماجها إلى اقترابها إلى افتراقها، يمعن نظره في النجوم هنا وهنالك، فيستنبط منه علم الغيب. فمن كان هذا حاله أنه يعتمد على علم النجوم لكي يستفيد ويتوصل إلى علم الغيب، فهذا من الكفر، قال عليه الصلاة والسلام: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر»، زاد ما زاد كلما زاد اقتباسا كلما زاد في التحريم وفي الكفر. وكذلك من علم التأثير الذي أدخله العلماء ومما لا يجوز: أن تجعل لهذا النجم ولذاك النجم خاصية أنه سبب للخير والشر، أنت لا تقول أنه خالق، لكن يرى إذا وقعت حوادث في الأرض يرى أن هذا بسبب ذاك النجم، قلنا هذا ما ظهر في الأزمان، إحنا إيش من النجم الآن؟ قال: نجم فلاني هذا سبب، هذا النجم له خاصية، فإن اعتقد الخاصية وأن هذا النجم له خاصية في التأثير على الكائنات الأرضية، فهذا اعتبره العلماء من الشرك الأصغر. العلم الآخر وهو ما يسمى بعلم التسيير، وهو أنه يستدل على سير النجوم بأمر ما، وهو بجملته من الأمور الجائزة، وقسمه العلماء إلى قسمين: إما يعتمد به على مصالح دينية، أو على مصالح دنيوية. فمن المصالح الدينية المكتسبة من علم التسيير: ما يتعلق بجهة القبلة، فقد كان العرب الأوائل ولا زال البعض يستدل على حركة النجوم على معرفة القبلة، كان يقول: إذا ظهر النجم الفلاني في الثلث الأخير فإن جهة القبلة في جهته، أو إذا ظهر النجم الفلاني أنت في صحراء ولا تدري أين القبلة، فبعض من يتمرس في هذا الباب يرى أن إذا ظهر في الربع الأول من الليل النجم الفلاني إذن جهة القبلة لجهته، فيستدل بوجود النجوم هنا وهناك على جهة القبلة، فهذا ليس فيه شيء. وكذلك من علم التسيير ما يكون فيه مصالح دنيوية، من ذلك معرفة الجهات الأربع، الشمال والجنوب والشرق والغرب، بالأمس لم تكن هناك بوصلة ولم تكن هناك آلات حاسوب وأجهزة لتحديد الجهات الأربع، وإنما كان العرب يعتمدون على النجوم، فمثلا يقول لك: النجم القطبي هذا دائما ما يكون إلا في الشمال، ما يكون إلا في الشمال، فيعرفون جهة الشمال من الجنوب بوجود النجوم هنا وهنالك. وهذا جوزه الأئمة والعلماء، وهذا بنص القرآن: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾، فكان العرب يهتدون بوجود النجوم على سيرهم وعلى ترحالهم وسفرهم. وكذلك أدخل العلماء معرفة الفصول الأربعة، الشتاء والصيف والخريف والربيع، ونحو ذلك، وذلك بتعلم منازل القمر، تم الخلاف في هذه المسألة، ولكن الكثير من العلماء على جواز ذلك، لا بأس أن نتعلم منازل القمر لمعرفة دخول الفصول الأربعة. فهذه خلاصة ما يتعلق بعلم التسيير، فترون أنها فرق بين هذا وبين ذاك، فإما ذاك فإن مسألة اعتقادية يعتقد بها العبد أن غير الله ينفع ويضر، أما هذه فليس فيها اعتقاد وإنما فيها معرفة للاهتداء في ظلمات الزمان وفي ظلمات المكان. ومن هنا ناسب أن ينبه عليه علماء دائما وأبدا في مسائل التنجيم ما عليه يتعلق الكثير من عامة المسلمين بما يسمى بالأبراج، حيث ولع الكثير من المسلمين أن يقتني الصحف ويقتني المجلات والجرائد حتى يبحث عن برجه، فذاك مثلا من برج الميزان وذاك من برج الثور وذاك من برج الدلو، وكل له برج من تاريخ الشهر الفلاني له برج معين. فبعضهم أدمن على رؤية مثل هذه الأبراج، فينظر إلى برجه ماذا عسى أن يحدث في يومه وليلته، فصاحب الدلو يقول: ستصادف في هذا اليوم كذا وكذا من المتاعب، وذاك برج الميزان ستصادف يوما سعيدا حافلا بالمغامرات، فذاك يتأثر بما كتب له في برجه سعادة أو نحسا. فهذا لا يجوز، فإن ذلك من التنجيم وذلك من الكهانة، بل ألحق العلماء أحاديث الكهانة في الأبراج، حتى صرح العلماء أن من دخل في الأبراج ونظر فيها وصدق بما فيها فقد كفر بما أنزل على محمد، لأن تصديقك لهذا البرج هو تصديقك للكاهن والمنجم، فهي تدخل حكمك حكم من ذهب إليهم. فالأمر في ذلك ليس بالهين، وليس بالبسيط الذي نرى الكثير من الناس قد تساهل في هذا الباب، فحق الأبراج أن تحرق وأن تمزق وأن لا ينظر فيها إلا كما قال العلماء: إلى من أراد أن ينظر لما فيها حتى يرد عليهم ويثبت تناقضهم في هذا الباب. فهذا ليس فيه شيء، لكن الأصل أن النظر في الأبراج من باب التصديق، فهذا لا يجوز، وهذا من الكفر الذي أخبر به العلماء ككفر من ذهب إلى الكهان. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.