الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 135، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المؤلف وصف أهل السنة والبدع، حيث يشبه أهل السنة بأصحاب رسول الله لتمسكهم بالسنة، وأهل البدع بالمنافقين. التمسك بصفات الصحابة يمكن المرء من الاقتداء بهم.
يشرح العلاقة بين النفاق والبدعة وكيف يؤديان إلى هدم الدين، حيث يفتقر كلاهما للقناعة التامة بدين الله ويشككان فيه. كلا المنافق والمبتدع يضر بالدين.
المبتدع والمنافق متشابهان في التشكيك في دين الله والعمل بلا إخلاص أو اتباع للسنة، مما يؤدي إلى بطلان أعمالهما. كلا النوعين يتستر ببدعته أو نفاقه.
يحذر المقطع من أهل البدع ويشبههم بالمنافقين، ويطلب من الله النفع بما قيل في التحذير من البدع وأهلها. يشدد على خطورة البدع وأهلها.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت رجلا من أهل السنة فكأنما أرى رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا رأيت رجلا من أهل البدع فكأنما أرى رجلا من المنافقين. قلنا: أخواني في الله، المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل يذكر لنا بعض المقالات والآثار المروية عن سلفنا الصالح، وهذا الأثر الذي نقل عن فضيل بن عياض ومن أئمة السنة عن وصفه لأهل السنة، وأن رؤيتهم تذكره برؤية الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فقال: إذا رأيت رجلا من أهل السنة فكأنما أرى رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ووجه الشبه: ما الداعي وما الرابط وما الشبه بين السنة وبين الصحابة؟ وجه الشبه إخواني في الله، وذلك لأن السنة هو تابع للصحابة وأنه شاركهم في أعمالهم وشاركهم في صفاتهم. فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تميزوا بأشياء وتميزوا بصفات، فمن تمسك بهذه الصفات التي تميزوا بها عن غيرهم فإنهم ماذا يكونوا في منزلتهم وفي رفعتهم؟ كما قال العلماء، وكما ذكر فضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إذا رأيت رجلا من أهل السنة فكأنما أرى رجلا من أصحاب رسول الله. ومن هذه الصفات التي تميز بها الصحابة عن غيرهم ما ذكره الأوزاعي رحمه الله تعالى، حيث قال: خمس كان الصحابة عليها: لزوم السنة والجماعة، وقراءة القرآن، وعمارة المسجد، والجهاد. فالأوزاعي رحمه الله تعالى ينقل عن من كان قبله أن هذه الأشياء الخمسة وصفات عديدة، لكن منهم من حصر هذه الخمس، أن ذلك مما كان يميز الصحابة رضي الله تعالى عن غيرهم. ومن ذلكم لزوم السنة، والسن ما سمي بالسنة وما تسمى بهذا الاسم وما لقي بهذا اللقب إلا لتميزه بالسنة، تمسك بالسنة عقيدة وعملا واعتقادا. فلما كان الصحابة ممن عكف أنفسهم على لزوم السنة، وهذا الرجل عكف نفسه على لزوم السنة، فقد شاركهم في وصفهم وشاركهم في صفاتهم، فكان شبيها بهم. وهذا إخواني في الله كذلك من فوائد هذا الباب، أن المرء وأن الواحد منا ولو تأخر زمنه ولو تأخر وقته وعهده، فإنك تعد لك أن تدرك بعهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وذلك بتلمس الصفات التي تميز بها. فالتماس الصفات واتصافك يا عبد الله بصفات لأناس أنت تحبهم، فإن هذا مما يسعفك أنك تكون معهم، وأنك تحشر معهم، كما قال ذلك الصحابي لنبينا عليه الصلاة والسلام: قال يا رسول الله، أدع الله لي أن أرافقك في الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: أعني على نفسك بكثرة السجود. أعني على نفسك بكثرة السجود، إذا أردت أن تصل إلى هذه المنزلة العالية وإلى هذا المقام الرفيع، فعليك بأمور، أن تأخذ بشيء مما كنت أعمله، وهو القيام واحتساب الأجر عند الله عز وجل على قيام الأيام والليالي. وهذه الأدلة الكثيرة تدل على هذا الأمر: المرء يحشر مع من أحب، المرء مع من أحب. فأنت يا عبد الله إذا أحببت قوما فلا تيأس أن تدركهم، وذلك بأن تتبع صفاتهم التي تميزوا بها. فكان مما تميز به الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا على السنة، وهذا واضح وهذا جليء. وقد مر معنا في دروس قديمة وأكثر من مبحث كيف كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أشد الناس حرصا على السنة، من أشد الناس حرصا على السنة في أقوالهم في سلوكياتهم، بل حتى في يومياتهم في مطعمهم ومشربهم ومن في مدخلهم ومخرجهم، في كل أمور حياتهم كانوا يتتبعون السنة، فهذا الذي ميزهم عن غيرهم. فأنت يا عبد الله استطعت أن تصبر نفسك على السنة، فإنك ستنقد شابهتهم، وهذا الذي عناه القاضي عياض رحمه الله تعالى بقوله: إذا رأيت رجلا من أهل السنة فكأنما أرى رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال رحمه الله تعالى: وإذا رأيت رجلا من أهل البدع فكأنما أرى رجلا من المنافقين. والعكس بالعكس، الفضيل رحمه الله تعالى يخبر عن نفسه أن رؤية المبتدع هي تذكرك برؤية المنافق، والنفاق والبدع إخواني بالله بينهم علاقة وطيدة، بينهم علاقة وطيدة، فإن كل واحد منهما يفرخ الثاني ويولد الثاني. كما قال سلفنا: الخصومات في الدين تورث النفاق، الخصومات في الدين تورث النفاق. ومن ذا الذي يخاصم فيه دينه إلا المنافق؟ هذه من أعظم سمة المنافق، سمة المبتدعة وسمة المخالفين الخصومة في الدين، فلهم نزع من النفاق. قال: الخصومات في الدين تورث النفاق، ومن أعظم ما يتعلق بأمر النفاق والبدع أن كليهما من أعظم عوامل هدم الدين، ما هدم الدين بمثل هذين الفأسين: فأس البدع وفأس النفاق، إذا حل هذان الفأسان في مجتمع من المجتمعات، فلا تسأل عن الخراب والفساد الذي سيحل بدين الله جل وعلا. النفاق ما النفاق؟ ولا أحد يعرف ما يتعلق بالنفاق إلا من تتبع القرآن والسنة في ذكر أنشطة المنافقين. وأما المبتدعة فحالهم لا يخفى من الإضرار بدين الله جل وعلا. فقال رحمه الله تعالى: إذا رأيت رجلا من أهل البدع فكأنما أرى رجلا من المنافقين. ويذكر العلماء أن من صور المشابهة أو التشابه بين المنافق وبين المبتدع وهي صور كثيرة، من بعضها عدم وجود القناعة التامة بدين الله. وهذه من أعظم الروابط بين المنافق وبين المبتدع، فالمنافق ما سمي منافقا إلا لعدم قناعة بدين الله جل وعلا، تجد أنه في باطنه يبطن الكفر، شكا في وجود الله، شكا في نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، أو شكا كذلك في أصول الإسلام، في قلبه القدح، في قلبه الريب، في قلبه الظنون باليوم الآخر، في مسائل المعاد، التشكيك بالجنة والنار، وغيرها من مسائل الدين، في قلبه الريب والشك. يرى أن هذا الدين ليس بالدين الحق، يتبع لو أن المنافق عنده قناعة بدين الله لدخل فيه ظاهرا وباطنا، لكن ما عنده قناعة، ما عنده قناعة في دينه، فأصبح في منزلة بين الكفار الصرحاء وبين المسلمين الحقيقيين، وإنهم واقعون في قنطرة. وهكذا المبتدع، المبتدع ليس عنده قناعة في دين الله جل وعلا، يرى أن هذا الدين ناقص، وأن هذا الدين لن يتم ولن يكمل إلا بإضافة بدعته في جملة الدين حتى يتم الدين. فيأتي القدرية، يرى أن هذا الدين كله تمام على تمام، إذا أدخلت هذه البدعة القدرية في دين الله أصبح هذا الدين كامل، لكن بخلو الدين عن هذه البدعة ففيه نقصان. وهكذا يقول الخوارج، وهكذا يقول الروافض، وهكذا يا عبد الله، ابحث في بحر الفرق والملل، تجد أن كل مبتدع ليس عنده قناعة بهذا الدين الذي أمر ربنا جل وعلا باتباعه، والذي أمر به الأمة بدخولها: ﴿يا أيها الذين آمنوا أدخلوا في السلم كافة﴾. إلا أنهم يروا أن هذا الدين فيه نقصان، وهنا أتوا بما يسمى بالبدعة الإضافية أو البدعة الحسنة، التي بها إذا أدخلت في دين الله فإن الدين يتم. إذن هذه من أعظم الروابط بين المبتدع وبين المنافق، ليس لهم قناعة تامة بدين الله. فالمنافق يرى أن الدين فيه شك، وكذلك المبتدع يرى أن الدين فيه نقصان. كذلك من أوجه الشبه بين المنافق والمبتدع أن الكل يشكك في دين الله، ليس فقط أنهم ليس عندهم قناعة في أنفسهم، بل جعلوا هذه القناعة أو أرادوا أن يصدروها للخارج لغيرهم. فأصبحوا يبلبلون في أي مكان نزلوا، في أي محل حلوا، أنهم يشككون من بجوارهم ومن كان في مجتمعهم يشككون في دين الله جل وعلا. ومن تأمل إلى أحوال المنافقين وإلى أحوال المنافقين في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، يرى ذلك واضحا جليا من صنيع النفاق. فإنهم كانوا يجتمعون وكانوا يخططون وكانوا يتآمرون وكان يدسون الدسائس في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، ينمصون المطوعين، إذا تصدق أحد بصدقة أطاعوه بكلمة، إن كان صدقة كبيرة عظيمة قال هذا أراد رياء، وإن تصدق بصدقة على قدر الحال وعلى ضعفه وعزه هذا الصحابي، قالوا ما هذا؟ هذا بخل وشح. وهكذا إن خرجوا للجهاد وأمرنا بالجهاد شككوا في أمر الجهاد، ما بال هذا الرجل يأمرنا بما لا طاقة لنا به، كما فعلوا في كثير من الغزوات كغزوة خندق وغيرها من الغزوات، بل ربما خرجوا من الجهاد. وهكذا وجود النفاق في مجتمع من المجتمعات من عوامل التشكيك في دين الله. فهذا المنافق حقه ومآله في المجتمع التشكيك. وإذا نظرت إلى المبتدع ترى أن المبتدع على هذا المنوال، وجوده في المجتمع عبارة عن تشكيك لدين الله. يأتي المبتدع إلى باب الإيمان يشكك الناس في باب الإيمان، في باب الإيمان: هل الإيمان قول وعمل واعتقاد؟ لا الإيمان قول ما يحتاج إلى عمل، أو أن الإيمان لا يحتاج إلى قول. فيأتي بأدلة هنا وهناك يشكك الناس في أمر الإيمان. وهكذا قل في باب الأسماء والصفات، يدخل من يدخل من المبتدعة في هذا الباب الواضح المصرح في كتاب الله والمبين في السنة، يأتي إلى التشكيك فيه، فجاء من يؤول وجاء من يعطل وجاء من يحرف وجاء من يشبه وجاء من يمثل. وهكذا دخلوا في الفرق حتى شككوا الناس في باب الأسماء والصفات. وهكذا يا عبد الله ما من باب من أبواب الدين إلا والمبتدع أخزاهم الله له اليد الطولى في تشكيك الناس في دين الله جل وعلا، كما هو من صنيع المنافق. فالمنافق يشكك في دين الله، وهكذا المبتدع يشكك في دين الله سبحانه وتعالى. وأيضا من الصور التي تشابه بين المنافق والمبتدع عامل التستر، أن الكل يتستر. فالمنافق إخواني في الله كما ذكرنا في قول ربنا جل وعلا: ﴿النبي لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾، لماذا لا يعلم المنافق؟ لأنه يتستر بالدين، المنافق يتستر بالدين، يظهر الصلاح عند أهل الصلاح، يظهر الخيرية، لو ربما يشاركنا في الصلاة، بل يصلون كما حكى ربنا عن أهل النفاق: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾، يقومون للصلاة. فالمنافق يظهر التستر، لكن إذا خلا به الجو وخلا به الحال أظهر النفاق. وهكذا قل يا عبد الله في حق المبتدع، فإن المبتدع يتسترون ببدعتهم، إن كانوا في موضع إن كانوا في مجتمع يحلوه الإسلام ويظهر فيه السنة، أخفوا بدعتهم وتستروا بها، وأظهر للناس السنة وأظهر للناس الوفاق، وأن هذا دين هو الدين الذي يصلح للبشرية جمعاء. لكن إذا سنحت لهم الفرصة كما قال البربهاري رحمه الله تعالى في بعض كلامه المذكور عنه في بعض مقالاته: أنه شبه المبتدع بالعقرب، وبأن العقارب أنها ماذا تخبئ أذنابها في الأرض، فإذا حانت لهم فرصة لدغوا. وهكذا. وكما قال من رأى أهل النفاق ومن رأى المبتدعة أنهم توافقوا في الستر، وأنهم يظهرون متى ما حانت لهم الفرصة. وانظر يا عبد الله كم من منافق مدسوس في أمتنا اسمه من أسماء العرب، عبد الله وعبد الرحمن، وبالهوية أنه مسلم. لكن متى ما ظهرت الكلمة الكبرى والعظمى لأهل الكفر، ظهر النصارى واليهود على دول الإسلام، ترى تشرئب أعناقهم أولئك، فتراهم مادين لبراليين لا دينيين، علمانيين، بعثيين، لا يؤمنون بالله ولا برسوله، يتخلون عن هذا، اسمه يظهر الكفر إذا ظهرت الكلمة العليا لأهل الكفر وأهل الشرك. وهكذا يقول في حق المنافق وحق المبتدع: يتستر يتستر، فإذا ظهرت الكلمة لأهل الكفر. وهذه من أعظم علامات ظهور البدع، وما يخفى عنا ما وقع في العهد العباسي، كيف أن المبتدعة من أمثال نصير الدين الطوسي وغيره، العلقمي كيف أنهم ظهروا عندما ظهر الكفار من أمثال التتر والمغول، من أمثال هولاكو وهؤلاء جنكيز خان. عندما ظهروا شرئبت أعناق المبتدعة وأظهروا له الولاء، بل قال نبينا عليه الصلاة والسلام في أمر الخوارج: «يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان». فالمبتدع إخواني في الله يشتركون مع المنافق أن الكل يخفي بدعته، لكن إذا سنحت له الفرصة فإنه يهجم على الإسلام والمسلمين، لا يفرق بين صغير ولا كبير، ولا بين ذكر ولا أنثى. وهكذا إخواني عوامل كثيرة جدا تشترك فيها المنافق والمبتدع، ومن ذلك نتيجة العمل، أن المنافق عمله محبط، وهكذا المبتدع عمله محبط. ووجه بطلان عمل المنافق أن المنافق إن عمل عملا فإنه لا يرجو ما عند الله، المنافق إن عمل عملا لا يرجو ما عند الله، وإنما كما قال ربنا، جل وعلا: ﴿يراؤون الناس﴾، عمله رياء، رياء وتعلمون أن من شروط قبول العمل الصالح الإخلاص. والمبتدع أنه إذا قام أدى عملا أدى العمل على خلاف السنة، وأنتم تعلمون أن من شروط قبول العمل الصالح اتباع من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. فالمنافق أدى عملا من غير إخلاص فعمله مردود، والمبتدع أدى عمله من غير اتباع فعمله مردود. فهؤلاء رد عليهم، وذاك رد عليهم، فكل ماذا؟ أعمال حبطت، فماذا؟ تكدست في نار جهنم والعياذ بالله. فأخواني في الله هذا الذي يحمل عليه قول القاضي عياض رحمه الله تعالى: وإذا رأيت رجلا من أهل البدع فكأنما أرى رجلا من المنافقين. وذلك لماذا؟ الشبه البين بين هؤلاء وبين هؤلاء. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.