حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 19

حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 19

الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفة تحمل الكل وحلف الفضول

يشرح المقطع معنى قول خديجة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وتحمل الكل»، أي مساعدة الضعفاء واليتامى وحمل الأثقال عنهم. ويستشهد بحضوره حلف الفضول لنصرة المظلومين في الجاهلية، ويذكر موقف خباب بن الأرت مع العاص بن وائل كمثال على ظلم قريش وضعفاء المسلمين.

أخلاق النبي ورحمته بالضعفاء قبل البعثة وبعدها

يسلط المقطع الضوء على مكارم أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورحمته الواسعة، مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبرز عنايته باليتامى والأرامل والمساكين. ويؤكد أن هذه الصفة كانت ملازمة له قبل البعثة وازدادت كمالاً بعدها، كما يتجلى في مواقفه العملية مثل تدخله لنصرة زيد بن عمرو بن نفيل.

قصة زيد بن عمرو بن نفيل وبشارة القسيس

يروي المقطع قصة زيد بن عمرو بن نفيل الذي بحث عن الدين الحق وأحيى الموؤودات، وبشّره قسيس بظهور نبي في الحجاز فانتظره حتى مات قبل البعثة. فقال النبي ﷺ: «يُبعث يوم القيامة أمة وحده»، ثم ينتقل الحديث إلى حث النبي ﷺ على مساعدة الناس والتعاون على البر والتقوى.

أجر العمل المتعدي إلى الغير ومساعدة الضعفاء

العمل الذي ينفع الآخرين له أجر عظيم عند الله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل. وتحمل الأثقال عن الضعفاء ومساعدة المحتاجين من أهم المعاملات التي تقرب إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الذي مضى الصفة الثانية التي ذكرتها السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها في صفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالت: «والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، ثم قالت: وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق». وقولها رضي الله عنها: «وتحمل الكل»، فالكل هو الثقيل الذي يحتاج إلى مساعدة، والمراد به هنا هو الضعيف واليتيم وغيرهم ممن يحتاج إلى مساعدة من الأرامل واليتامى. فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يساعد في الجاهلية، وكذلك في الإسلام كان أعظم، كان يساعد اليتيمة ويساعد من يحتاج إلى المساعدة. وقيل: «ويحمل الكل»، قيل أيضًا أنه يحمل الثقيل عمن لا يستطيعه، يحمل الثقيل معنى: إذا كان إنسان معه شيء ثقيل يحمل عنه مساعدة له، أي أنه كان يتعاون عليه الصلاة والسلام مع الناس، وخاصة الضعيف واليتيم وغيره من الضعفاء ممن يحتاج إلى مساعدة. وقيل أيضًا: المسافر. وقد كان بعض الناس في مكة يحبون ظلم الناس ويأخذون أموالهم، أو أنهم يستدينون منهم ولا يعطونهم، لأن الناس كانوا يأتون بالبضائع إلى مكة، وخاصة في وقت المواسم، فكان بعضهم -أي بعض كفار قريش- يأخذ ويشتري دينًا ولا يعطي، ولا يعطيهم شيئًا استكبارًا وظلمًا. فإذا رأى ضعيفًا ليس عنده من يقوم عنه، قبيل أو كذا، فيأخذ ماله. ولهذا حصل حلف الفضول، أو الحلف الذي حصل، سُمّي بحلف الفضول، الذي حصل في بيت عبد الله بن جدعان. هذا في الجاهلية، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه حضر هذا الحلف، وكان هذا الحلف لنصرة المظلوم، كان هذا الحلف عملًا لنصرة المظلوم، لأن كثيرًا من الناس يأتي ويظلم من هؤلاء الكبار، فلذلك كان هذا الحلف لنصرة هؤلاء. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «حضرت حلفًا في بيت عبد الله بن جدعان، لو دُعيت به الآن لأجبت». معنى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو حصل الآن حتى بعد البعثة لحضرت هذا الحلف، لأنه في نصرة المظلوم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يشيد به. ومما حصل أيضًا في عهد الإسلام ما حصل لخباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه، لما كان يبيع شيئًا، فجاء العاص بن وائل السهمي وأخذ منه شيئًا، وقال له: سأعطيك بعد. فكان خباب يطالبه بالمال وهو يماطل، ثم قال: «والله لا أعطيك حتى تكفر بمحمد». يقول له: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام. فقال له خباب: «لا، والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم يدخلك النار، والله لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يدخلك النار». فأخذ العاص بن وائل عظمًا ففته، قال: «من يحيي العظام وهي رميم؟» فأنزل الله عز وجل: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي قبل أن تكون شيئًا، ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام في الجاهلية، وكذلك في الإسلام، بل في الإسلام أعظم. فكان صلى الله عليه وآله وسلم يحث على مساعدة اليتيم، ويقول: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»، ويحث على مساعدة الأرامل والمحتاجين. في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله»، وأحسبه قال: «كالصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر». وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام تأتيه الجارية التي تحتاج شيئًا فتأخذ النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب معها حتى يقضي حاجتها، عليه الصلاة والسلام. وقد وصف عليه الصلاة والسلام بالرحمة في الجاهلية وفي الإسلام، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما بُعثت رحمة». رحمة بُعث النبي عليه الصلاة والسلام، وقد كانت هذه صفته حتى قبل البعثة، وزادت هذه الصفة فيه بعد البعثة، حتى قال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فقد حلاه الله عز وجل بأخلاق عظيمة، حتى شهد له ربه جل وعلا فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فلذلك وُصف النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة العظيمة كما وصفته السيدة خديجة رضي الله عنها، فقالت: «وتحمل الكل»، أي تعين من يحتاج إلى إعانة من اليتامى والضعفاء، تحمل عنهم الثقيل، والمسافر الذي يأتي إلى بلد غريب، فكان بعضهم لا يستطيع مثلًا أن يتصرف، فيحتاج إلى من يعينه إما بمال، وإما كذلك بمساعدة، وإما بضيافة، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقوم بمثل هذه الأشياء كلها. فكل من احتاج إلى مساعدة ساعده عليه الصلاة والسلام. حتى أنه لما التقى بزيد بن عمرو بن نفيل، التقى به النبي عليه الصلاة والسلام، وكان معه زيد بن حارثة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا زيد، ما لي أرى قومك قد شنّفوك؟ ما لي أرى قومك قد شنّفوك؟» أي قد تركوك، وأنت بينك وبينهم نزاع، لماذا هذا؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يساعد زيد في هذا الأمر. فقال له زيد: هم يعبدون الأصنام، وأنا لا أريد هذه العبادة. وهذا كان قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام. ثم حكى له زيد أنه ذهب إلى قسيس من النصارى وغيرهم، حتى أخبره قسيس من النصارى أن نبيًا سينزل في هذا الزمان، سينزل في الحجاز، فإن نزل فاتبعه. فجاء زيد بعد ذلك، بعد رحلة طويلة، وجاء إلى مكة. وقد كان زيد رضي الله عنه يحيي الموؤودة، يعني إذا رأى بنتًا ستدفن يقول لأبيها: خذ مالًا وأعطني هذه البنت. كما ذكرت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها رأته يفعل ذلك في مكة. وعن هذا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يحيي الموؤودة. لهذا لما لقي النبي صلى الله عليه وسلم أكرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا تكلم معه حتى لأجل أن يساعده. قال: فأخبره أن نبيًا... والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم أنه هو النبي المقصود. وقال: فأخبرني أحد القسيسين من النصارى أن نبيًا سيخرج في هذا الزمان، وأنا الآن منتظر... أي زيد بن عمرو منتظر هذا النبي. لكن توفاه الله قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن زيد بن عمرو بن نفيل يُبعث يوم القيامة أمة وحده». زيد بن عمرو وهو والد سعيد بن زيد أحد المبشرين بالجنة. قال: «زيد بن عمرو بن نفيل يُبعث أمة وحده يوم القيامة»، لأنه كان يبحث عن الحق. فلذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام قد أخذ هذه الصفة العظيمة، وأنه يساعد من يحتاج إلى المساعدة، من يحتاج إلى المساعدة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أن هذه من أخلاق المؤمن التي ينبغي على كل مسلم أن يتصف بها، فكل من يساعد إنسانًا فهو له صدقة، حتى قال: «حتى تحمل الثقل عن صاحبك فهو لك صدقة، وتصلح بين اثنين فهو لك صدقة»، وإلى غير ذلك. «وتصنع لأخرك»، تصنع لأخرك معناه: أن إنسانًا لأخرك هو إيش؟ الجاهل الذي لا يستطيع أن يعمل شيئًا، فتصنع له الشيء أو العمل الذي يريده، فقال: «فهو لك صدقة». فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على معونة الناس بعضهم البعض، وخاصة أهل الإسلام ينبغي أن يتعاونوا، كما قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. فلذلك حث الإسلام على الإيثار، وعلى المواساة، وعلى أيضًا التصدق، وعلى غيرها من أعمال الخير التي يكون فيها المساعدات التي تكون بين الناس. وأيضًا كما كان يقول العلماء: أن غالبًا الفعل المتعدي إلى الغير يكون أجره أعظم، هذا غالبًا، وإلا هناك أعمال عظيمة من الأعمال التي لا تتعدى إلى الغير، بل هي لازمة للنفس، مثل التوحيد، مثل الصلاة، ومثل كذا، فهي أعظم من غيرها. لكن من ناحية المعاملات وغيرها، فالعمل الذي يتعدى إلى الغير يكون أجره عظيمًا عند الله عز وجل، لأنه فيه نفع للآخرين. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا معنى أيضًا كما قلنا قولها: «وتحمل الكل»، فتحمل الكل وتحمل الأثقال عن الضعفاء وتساعدهم، وتساعد من يحتاج إلى مساعدة. فهذا ما يذكر، والله تعالى أعلم.