قصة موسى عليه السلام في القرآن 18

قصة موسى عليه السلام في القرآن 18

الدرس في قصة موسى عليه السلام في القرآن 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

رفض بني إسرائيل وجرأتهم على موسى وربه

رفض بني إسرائيل دخول الأرض المقدسة بعد استكشافها، وأصروا على عدم الدخول رغم محاولات موسى لإقناعهم. وصل بهم الأمر إلى الجرأة على موسى وربه.

عقوبة التيه ومعجزات الله لبني إسرائيل

عاقب الله بني إسرائيل بالتيه أربعين سنة بعد رفضهم دخول الأرض المقدسة، وقدم لهم معجزات مثل انفجار العيون من الحجر، والمن والسلوى، والغمام للظل.

عبرة قصة موسى ونتائج التيه

قصة موسى تحمل عبرة عظيمة، وأدت فترة التيه إلى تصفية جيل بني إسرائيل القديم وظهور جيل جديد تربى على يد الأنبياء. حوادث التيه كانت كثيرة ومهمة.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر احترامًا وتواضعًا لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مواصلة إخواني في الله فيما كنا فيه في السلسلة العلمية المتعلقة بقصة موسى عليه السلام من خلال نصوص السنة والقرآن، وكان حديثنا في درس أمس حول ذهاب موسى عليه السلام بقومه بني إسرائيل إلى بيت المقدس. وكان هذا المغزى من أخذ بني إسرائيل من فرعون ومن مصر الذهاب بهم إلى تلكم البلاد، إلى أن الذهاب إلى أصل أرضهم ووطنهم لم يكن بالأمر السهل، لأن هذه البلاد أصبحت مسكونة. فإن موسى عليه السلام حين أرسل بالعيون، وقيل إنه أرسل جماعة من النقب ذهبوا وتحسسوا الأخبار، فوجدوا أن الأمور تغيرت جدا، لم تكن أرض المقدس كالمعهود قليما بادية، لا، بل أصبحت مدينة محصنة بالجدران وعليها حراسات إلى غير ذلك. فعلم موسى عليه السلام بأمرهم، فحينها حث ورغب في الجد والاجتهاد والقتل والقتال، لأن الدخول لن يكون بالأمر السهل، وأخذ يحفزهم بأن يعودوا ويدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا. لكن كان من أمر القوم الذين معه، وكما توجس منهم موسى، أن أبوا، قالوا: يا موسى، إن فيها قوما جبارين، وإنا لن ندخلها ما داموا فيها. نعم، جاءت الأخبار والآثار على أن من سكن بيت المقدس كانوا من الجبابرة، من الأقوياء الأشداء، جاءت الآثار في ذكر صفاتهم أنهم عمالقة. فسألوهم من أين جئتم، قالوا: نحن من أتباع موسى، لما أرادوا أن يقتلوهم، قالوا: دعوهم يرجعون حتى يعرفوهم بنا، نحن من وهم من. فانتشرت الأخبار، الله أعلم بهذا الحجم الكبير، لكن القصص القرآني قوما جبارين أشداء أقوياء تمرسوا على القتال. نعم، قد يكون عندهم ضخامة في الأجساد، ليست كالذي عند بني إسرائيل، شاع الخبر في معسكر موسى عما وجدوه هنا، فدخلهم الخوف والفزع، قالوا: إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، أرادوا بلدة مفتوحة لا عناء ولا تعب، هؤلاء يخرجون ونحن ندخل. وهل الأمر بهذه السذاجة؟ من الذي سيترك بلده؟ ولقد استوطنوها، فما قيل بني كنعان استوطنوا الأرض المقدسة أصبحت بلادهم مئات السنين، في حين أنتم فارقتموها، فهم سيدافعون عنها، لن يتركوها هكذا. حاول موسى عليه السلام أن يقنعهم، أن يذكرهم أن الله قد كتبها لكم، هي مكتوبة لكم، بل أن تكون لغيركم، أقدموا، أبوا. فقال رجلان من الذين يخافون، أنعم الله عليهما، أدخلوا الباب، أدخلوا عليهم الباب، أدخلوا فقط، خذوا بالأسباب، فإذا دخلتم، فإن لكم الغلبة، وعلى الله فتوكلوا. الرجلان قيل في ماهيتهما إنهما يوشع بن نون وهارون، قيل هذا، وقيل إنه يوشع بن نون مع غيره، فالله أعلم بحقيقة من تكلم، لكن وصفهم الله عز وجل بالتقوى، من الذين يخافون الله. «أدخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين». ومع ذلك أصروا، قالوا: يا موسى، إنا لن ندخلها أبدا، يعني قطعوا أي أمان مع موسى، لا تفكروا أبدا، لا تفكروا بأننا ندخل، بل زاد الأمر خبثا وجرأة حين قالوا: «فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون»، أعوذ بالله من شرهم. مع ما أعطاهم الله من الآيات، أعطاهم الله من العبر والفضائل، ومع ذلك انظر كيف تعاملوا مع رب العباد ومع نبيه، «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون». حينها لما بلغوا إلى هذه الجرأة، واستيأس موسى من خيرهم، حينها اتجه إلى ربه، قال: «رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين». فسق ما بعده فسق، في أن تجروا بهذا الكلام، وأن نكلوا عن الجهاد وعن الذهاب إلى الأرض التي وعدهم الله بها، في أخذهم بأدنى الأسباب. وسيأتي الله بنصر من عنده، لكن الجرأة والقباحة والوقاحة وصلت بهم إلى هذا الحد من الفسوق. حينها أنزل الله حكمه على بني إسرائيل، قال: «فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض»، عقبهم الله عز وجل بعقوبتين، إذا هذا النقول، ابتلاهم الله وعقبهم الله بعقوبتين. فإنها محرمة عليهم، إذا قلنا الوقف هنا، إذا قلنا الوقف التام هنا، محرمة عليهم، ما معنى المحرمة؟ أي أن هذه الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، هي ستكون، لأن الله وعد، ولن يخلف الله وعده، وستأتي الأحداث في رجوعهم إلى بيت المقدس مرة أخرى. لكن محرمة على هذا الجيل، هذا الجيل، أنتم الذين جئتم الآن وتتنفسون الصعداء، أنتم لن يدخل أحد منكم البيت المقدس، محرمة عليكم، ما أحد منكم سيدخلها، بمعنى أن هذا الجيل سيفنى، ويأتي جيل آخر، هذا الذي سيدخل. حرم الله عز وجل عليهم البيت المقدس، معنى أنهم كانوا يتمنون على الله الأماني بالرجوع إلى مسقط رؤوسهم، وإلى التنعم في الديار، ديار الآباء والأجداد. لكن كما أنهم أيأسوا موسى من خيرهم، فحين أيأسهم الله عز وجل من الرجوع إلى بلادهم، هذه العقوبة الأولى، التحريم، لن يدخلوها. والعقوبة الثانية: أربعين سنة يتيهون في الأرض، طيب هم لن يدخلوا البيت المقدس، طيب أين يذهبون؟ هل يذهبون إلى بلدة، إلى مكان؟ لا، لا، سترجعون إلى سيناء وما هناك، في سيناء التيه، الضياع، يتيهون في الأرض، يمشون، يمشون، يمشون، يمشون مسافات، إذ بهم يجدون أنفسهم في نفس المكان، يذهبون يمنة، يمشون، يمشون، يمشون، إذ بهم في نفس المكان، شرقا، غربا، شمالا، جنوبا، تضطرب عليهم الأماكن. هل تدري أنهم جلسوا في هذه الأزمة والعقدة من الضياع في صحاري سيناء لمدة أربعين سنة؟ أربعين سنة وهم يتحركون في هذه الصحراء، لن يخرج أحد منهم من أمر الله، رقوبة من الله، أربعين سنة يتيهون في الأرض، وهم في هذه البقعة، عدة كيلومترات، كيلومترات فقط، لكن سبحان الله ما استطاعوا أن يخرجوا منها في هذه الفترة الزمنية. أربعين سنة، ويهلك بالضياع، طبعا دخل معهم أشياء، دخل معهم الحجر الذي إذا ضرب انفجرت منه اثنتا عشرة عينا، سيدخل معهم، دخل معهم المن والسلوى، ويدخل معهم الغمام، لأنه كما يقولون سيكون في ضياء، في ضياء وحر بلا مأوى، فأعطاهم الله كذلكم هذه الأمور، تدخل معهم في التيه أربعين سنة، وهذه الأشياء موجودة. الحجر معكم يضرب به، والمن والسلوى الطعام والزاد، والغمام الظل والوقاية، ومن دخل معهم كذلك موسى وهارون، دخلا معهم في التيه، مع أن موسى وهارون بإمكانهم الخروج، بإمكانهم الخروج إذا أرادوا، لكن دخلا معهم، دخلا معهم في هذه الفترة الزمنية. أمام هذه الأمور التي تتابعت على موسى عليه السلام، تخيل هذا النبي الصالح من أولي العزم من الرسل، أخذ أربعين سنة وهو يناطح فرعون في مصر، يناطحه مناطحة في الدعوة، مع ما يكون من القتل والتشريد والخروج، إلى أن نجاه الله، نجى الله بني إسرائيل من شر فرعون. ثم ما صار مع تلكم الأزمات التي مر بها موسى عليه السلام، ثم تأتي هذه المسألة، أربعين سنة كيهان في الأرض، ضرب على قومه، هنا وصل موسى إلى حد من التعب، الله به عليم، يقول علماء في هذا الموطن، في هذا الموطن، والله تعالى أعلم، أن موسى سأل ربه سؤالا، وكان عند الله وجيها، ما طلبه، طلب أن يلتقي بآدم، طلب أن يلتقي بآدم عليه السلام، فكان ذلك، كيف؟ أين؟ الله أعلم، لكن جاء ذلك في الصحيح، جاء ذلك في الصحيح أن موسى التقى بآدم. فلما التقي، قال له موسى عليه السلام: أنت آدم الذي خلقك الله بيده؟ قال: نعم، وأنت أبو البشر؟ قال: نعم، قال: أنت الذي أسكنك الله الجنة؟ قال: نعم، قال: فما الذي أخرجك؟ فلماذا أخرجتنا ونفسك وذريتك من الجنة؟ يعني كما يقال: هذا الذي صار بسبب ما فعلت، أخرجتنا من الجنة، وكنا هناك في الجنة، ما تلين بهذا؟ فما يقال: ما الذي أخرجك وذريتك ونفسك من الجنة؟ استمع آدم عليه السلام إلى شكاية موسى، فقال له آدم عليه السلام: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه؟ قال: نعم، وكتب لك التوراة بيده؟ قال: نعم، قال: أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن أخلق؟ أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فحج آدم موسى»، فحج آدم موسى، أي أن موسى هو الذي غلب الحجة، لأن القضاء والقدر لا يستدل به على المعاصي والمعايب، وإنما يذكر في باب المصائب، قدر الله، وما شاء فعل، هذا في باب المصائب، أما في باب المعاصي لا تستعين بقضاء الله وقدره. فالحاصل أن هذه الفترة الزمنية، أربعين سنة، هي كافية بأن أحدا ولد في هذا اليوم سيخرج من التيه، وكم عمره؟ أربعين سنة، أربعين سنة. فالشاهد أن الله عز وجل أدخل بني إسرائيل إلى هذه المتاهة في طور سيناء، وهذه المسألة إخواني في الله كانت فيها مصلحة عظيمة جدا، مصلحة، نعم، هي كانت محنة، لكنها منحة في الأخير، ما هي المنحة؟ المنحة أن هذا الجيل المتعب، المتعب الذي تعب فيه موسى، هذا كله سيبيد، ما سيبقى منه أحد، وهذا الذي صار، كلهم أبيدوا. ما الذي جاء؟ جاء جيل آخر، جيل آخر تربى، لكن تربية صحيحة، تربية على يد الأنبياء والرسل، على يد موسى، على يد هارون، على يد يوشع بن نون، أما هؤلاء فقد كانت عندهم أشياء، رواسب من أيام فرعون، من الجبن والخوف والضعف، ما ينفعون. فكان من حكمة الله في هذا التيه أن هذه المدة هي كافية في تصفية هذا الجيل الذي لا نفع فيه، والذي لا نفع فيه، وهذا الذي صار بعد هذه الأحداث، بعد أربعين سنة، نعم، جاء بنو إسرائيل بقوة إيمانية وقوة عددية مع أنبيائهم، حتى فتح الله عليهم بيت المقدس، كما سيأتي إخواني في الله. حوادث التيه، وهي التي استمرت أربعين سنة، هذه المدة وقعت فيها حوادث وحوادث كثيرة، منها ما يتعلق بقصة موسى مع الخضر، قصة ذبح البقرة، موت هارون في التيه، موت موسى عليه السلام، كان في التيه، أحداث كثيرة حصلت، لكن إلى هذا الحد نختم المجلس في قصة موسى عليه السلام. وبهذا إخواني في الله علمنا أهم الأحداث التي صارت مع موسى عليه السلام منذ مولده إلى أن دخل إلى التيه، وإذا يسر الله بمقام آخر يكون فيه التفصيل حول هذه المسائل من مسائل التيه وما وقع فيها، كما أسلفنا من بعض الحوادث والأحداث التي صارت، وهكذا ما بعد التيه، عندما قاد يوشع بن نون عليه السلام قاد بني إسرائيل إلى فتح بيت المقدس، وما تتابعت من سلاسل، لعل الله يسر بمقام آخر نستفصل فيه هذه المجريات. ولله الحمد كان في قراءتنا لقصة موسى عليه السلام المرور إلى حياة هذا النبي، والذي قال عنه ربه: «وفتناك فتونا»، بل كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا أوذي تذكر موسى، قال: «رحمة رحم الله أخي موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر». فكان في قصة موسى العبرة العظيمة للأنبياء والرسل وللدعاة، وأيضا خلال القصة علمنا تفسير الكثير من الآيات، في معاني الآيات والكلمات، وهكذا علمنا التسلسل لهذه الأحداث، فكم من قارئ للقرآن يسمع قصة موسى هنا وقصة موسى هنا وقصة موسى هنا، لكن لا يدري أين الترتيب الزمني؟ فمن خلال هذا الطرح الذي سمعتموه من أول السلسلة إلى هذا المقام، اتضحت لنا الحمد لله الكثير من الحوادث التي جاءت منسقة ومرتبة كما ذكرها العلماء. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.