كتاب التفسير من صحيح البخاري 239

كتاب التفسير من صحيح البخاري 239

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 239، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حادثة الكسعة والنهي عن العصبية الجاهلية

أثناء غزوة وقعت مشاجرة بين مهاجر وأنصاري أدت لاستنصار كلٍّ بقومه، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا النداء الجاهلي وقال: «دعوها فإنها منتنة». وأكد أن العزة الحقيقية لله ولرسوله وللمؤمنين لا للعصبيات القبلية.

قاعدة درء المفاسد في ترك قتل عبدالله بن أبي

امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل عبدالله بن أبي المنافق رغم استحقاقه، درءًا لمفسدة اتهام النبي بقتل أصحابه وما يترتب على ذلك من صد الناس عن الدعوة. وقدم المقطع قاعدة فقهية كبرى هي أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فآثر النبي مصلحة الدعوة على مفسدة بقاء المنافق.

قاعدة الضرر يزال وقصة ابن عبدالله بن أبي

يشرح المقطع قاعدة «الضرر يزال» وبيان أنه عند تزاحم المفاسد تُرتكب الصغرى لدفع الكبرى، مستدلاً بترك النبي قتل عبدالله بن أبي درءًا لمفسدة انتشار خبر «محمد يقتل أصحابه». ويسرد قصة ابن عبدالله بن أبي الذي ألزم أباه بالاعتراف بعزة النبي وذلة المنافقين قبل دخوله المدينة.

تفاني الصحابة وتقديم النبي على الوالدين

يبرز المقطع مكانة الحق والنبي صلى الله عليه وسلم في قلوب الصحابة رضي الله عنهم، حيث كانا أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم. ويختتم الدرس بالتأكيد على هذا المبدأ العظيم الذي يمثل قمة الإيمان والتفاني في نصرة الدين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: قال البخاري رحمه الله: «باب: يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون». قال: حدثنا الحميدي، وهو بكر بن عبد الله بن الزبير الحميدي القرشي، صاحب كتاب المسند، وأكثر حديثه عن سفيان بن عيينة. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي المكي الكوفي. قال: حفظناه من عمر بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فسمعها... فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنا أريد أن الله أو ربنا سبحانه وتعالى جعل النبي صلى الله عليه وسلم يسمعها، هل كان قريبًا أو كان بعيدًا؟ فالظاهر أن كان الصوت مرتفعًا فسمعها النبي عليه الصلاة والسلام، أو أن الله أسمعها إياه. قال: «ما هذا؟» فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار. والكسع: كما قلنا، ضربه برجله في مؤخرته. فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعوها فإنها منتنة». منتنة: أي كأن رائحتها خبيثة. معنى منتنة: أي أمر الجاهلية، من أمر الجاهلية. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة. ما جاء في الرواية الأخرى: «فإن هذه الدعاوي دعاوي الجاهلية». هذه الدعاوي إذا كانت للتحزب، ولي أيضًا للعصبية، تكون دعاوي مثل دعاوي الجاهلية؛ لأن أهل الجاهلية انتشر فيهم هذا التعصب للقبائل وللأسماء، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تكون هذه الأسماء الشرعية كذلك. فقال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام أكثر، ثم كثر المهاجرون بعد. فقال عبد الله بن أبي: «أوَقد فعلوا؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل». فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». وهذا الحديث قد مر. ومن الفوائد أيضًا التي تؤخذ من هذا الحديث: القاعدة العظيمة التي قعدها العلماء، أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وإذا تزاحمت المفاسد ترتكب الأدنى، وكذلك إذا تزاحمت المصالح فإنه يؤتى بأكبرها. وهنا درأ النبي صلى الله عليه وسلم مفسدة أكبر، وهي أن الناس يتحدثون أن النبي عليه الصلاة والسلام يقتل أصحابه، وهذا يكون سمعة وصدًا عن الدعوة إلى الله جل وعلا. فالنبي عليه الصلاة والسلام قدم أمر الدعوة على مفسدة بقاء هذا المنافق. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». فكما قلنا: هي من الأدلة المتكاثرة التي ذكرها العلماء على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وهذه أيضًا قاعدة أدخلها العلماء، أو العلماء الذين ألفوا في القواعد الفقهية، أدخلوها في القاعدة الكبيرة: «الضرر يزال». الضرر يزال. فلهذا فالمفسدة الكبرى تدرأ، ويرتكب المفسدة الصغرى إن كان هناك تزاحم في المفاسد. ف هنا قدم النبي عليه الصلاة والسلام مفسدة انتشار الكلام في دعوة النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقتل أصحابه، وهناك مفسدة أخرى وهي بقاء هذا المنافق بين المسلمين، فجعل هذه المفسدة أقل من تلك، وهو بقاؤه هي أقل من أن ينتشر بين الناس أن النبي عليه الصلاة والسلام يقتل أصحابه، فقال: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». وقد ذكر سفيان بن عيينة في هذا الحديث، كما ذكرنا قبل، أن غير عمر بن دينار يقول في هذا الحديث: أن ابنه، ابن عبد الله بن عبد الله، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «والله لا ينقلب أبي إلى المدينة حتى تقول: إنك أنت الذليل، ورسول الله... ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز». ففعل، وأن ولده عبد الله أوقفه، وقال: «والله لا تدخل المدينة، ولا تذهب إلى المدينة، حتى تقول: إنك أنت الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز». فقال: «ما لك يا بني؟ ما حصل لك؟» فقال: «ما ستدخل حتى تقول». فما دخل حتى قال: «أنا الذليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز». وهذه القصة أخرجها ابن إسحاق، كما ذكر الحافظ في المغازي، وهي قصة مشهورة في هذا الحديث. وفيه تفاني الصحابة رضي الله عنهم، وأن الحق أعظم إليهم من آبائهم وأمهاتهم، وأن النبي عليه الصلاة والسلام أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.