الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 291، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تستهل السورة بأحد عشر قسماً كونياً ونفسياً تبرز عظمة الخلق، وتقرر أن الفلاح الحقيقي في تزكية النفس بالطاعة والإخلاص، بينما الخسران في تدنيسها بالمعاصي. كما تشير الآية إلى أن القمر يتبع الشمس ويستمد ضوءه منها، مما يعكس دقة النظام الكوني.
يُفسر المقطع اتباع القمر للشمس إما بظهوره بعد غروبها أو بأخذه ضوءها، ويوضح أن "ضحاها" تعني دحو الأرض أي تهيئتها للحياة بإخراج الماء والمرعى. كما يستعرض ترتيب الخلق: الأرض في يومين، السماء في يومين، ثم دحو الأرض في يومين، ليكون المجموع ستة أيام.
يبيّن المقطع أن الماء هو سبب حياة الأرض والنبات بإذن الله، ثم ينتقل إلى بيان أن الله ألهم النفس البشرية طريق الخير وطريق الشر، وأن العبد مخير مسؤول عن اختياره. فمن أخذ بأسباب الخير يسره الله لليسرى، ومن أخذ بأسباب الشر يسره للعسرى، فلا حجة للإنسان بالقدر.
يتحدث المقطع عن من يبرر تقصيره في العبادة والمعاصي بقوله إن الله لم يهده، ويرد بأن الله بين طريق الخير والشر ووهب الإنسان الخيار، فلا يصح الاحتجاج بعدم الهداية.
بسم الله الرحمن الرحيم سُمِّيت في المصاحف «والشمس وضحاها» بزيادة الواو لأجل أن تُمَيَّز عن «إذا الشمس كورت» سورة التكوير، فقيل: «والشمس وضحاها». وفي بعض المصادر سُمِّيت سورة الشمس. قال: وهذه السورة سورة مكية باتفاق العلماء. وفي ترتيب جابر بن زيد أنها السادسة والعشرون، وهي خمس عشرة آية عند جميع القراء إلا عبد الله بن كثير، وهو قارئ أهل مكة، فعنده ست عشرة آية. وقد أقسم ربنا جل وعلا في هذه السورة بأحد عشر قسماً، فأقسم بالشمس وضحاها، فهذا اثنان، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها. معنى النهار: وأيضاً إذا جلا الشمس أو إذا جلا القمر، وهو جاء بعد الليل. والليل إذا يغشاها، أي يغشى النهار. والسماء وما بناها، أي أقسم الله عز وجل بالسماء العظيمة وما بناها، أي ما بُني فيها. والأرض وما طحاها، أي ما جعله من الضوء ومن النهار ومن غيره فيها. ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها. قال: وقال مجاهد: «ضحاها» أي ضوءها. يعني هذه الأقسام كلها، والمقسوم به هو قوله جل وعلا: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾. أي أقسم بالنفس. قلنا: وهذا يدل على أهمية هذه النفس، وأن الإنسان ينبغي أن يعتني بنفسه لأنها هي سبب الفلاح والخسران. فمن زكاها بالأعمال الصالحة والإخلاص لله جل وعلا فاز، ومن دنسها، وأيضاً كذلك جعلها في ما يغضب الله جل وعلا ولم يخلص لله في أعماله، فإنه يدنس هذه النفس وهي خاسرة. فلهذا قال: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾. دساها، أي دنسها بهذه الخبائل وهذه المعاصي والذنوب. فقد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. قال: وقال مجاهد: «ضحاها» أي ضوءها. قال: والقمر إذا تلاها، أي تبعها. وهذا كما قال بعض أهل العلم يدل على أن القمر تابع للشمس، وهذا يدل على صحة ما قاله بعض أهل الهيئة: أن القمر يستمد ضوءه من الشمس، وإنما يعكس الضوء إلى الأرض. معنى أن القمر يعكس ضوء الشمس إلى الأرض، فهو يستمد ضوءه من هذه الشمس. فقال جل وعلا: ﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾، أي تبعها. تبعها إما أن يكون تبعها بعد غيابها، لأن القمر يأتي في الليل غالباً فيتبع هذه الشمس بعد أن تغيب، إذا غابت الشمس طلع القمر، فهذا اتباع لها. أو أنه تبع لها يأخذ من ضوءها، فيضيء للأرض. ﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾. قالوا: «ضحاها» أي دحاها أو دحوها. أنا هنا بعضهم فسرها ضوءها، وبعضهم فسرها دحوها. والدحو، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾. معنى دحاها: أي خلق فيها ما تستقر فيه الحياة، ما تستقر به حياة الإنسان. فالله عز وجل خلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء في يومين، ثم دحا الأرض أيضاً في يومين. ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. الله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾. معنى: خلق هذه الأرض في يومين. ثم استوى إلى السماء أيضاً فسواهن في يومين. ثم قال: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا ﴾، وأنا أكمل ستة أيام. والذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، فخلق الأرض قبل السماء، ثم السماء فسواهن سبع سماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها. وبعد ذلك دحى الأرض، ودحاها أي أخرج منها ماءها ومرعاها، أي ما تستقر به حياة الإنسان. وهذا من تيسير الله عز وجل للإنسان حياته في هذه الأرض. وكما قال الله عز وجل في سورة «سبح»: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾. فهدى، أي هدى الإنسان، وهدى غيره من الحيوانات وغيرها إلى معاشها، وإلى ما تقدم، وإلى ما تستقر به حياتها. فجعل في الأرض النباتات والزروع، وجعل المياه التي أيضاً تحيي هذه الأمور. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَخَلَقْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾. وخلق من الماء كل شيء حي، فكل شيء خلقه من الماء إما ببداية خلقه أو أنه يعيش بالماء، فليس له عيش إلا بالماء. حتى النبات، النبات ما يعيش إلا بالماء، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾. فتجدها ميتة ليس فيها شيء من الزرع، فيأتيها الماء فتقوم ويقوم الزرع وتنتعش هذه الأرض. فلهذا فمصدر الحياة هو الماء. فالله عز وجل جعل، أي خلق، جعل فيها المياه، وجعل فيها الزروع، وجعل فيها ما تستقر به أو ما يستقر به الإنسان. فهذه نعمة، فربنا جل وعلا يذكر الإنسان بهذه الأمور. ﴿ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾. قال: ودساها، أي أغواها. دس هذه الأرض، أي دنسها بالخبائث، ودنسها بالذنوب والمعاصي، فأغواها حتى غوت عن الطريق المستقيم. قال: فألهمها، أي عرفها الشقاء والسعادة عن الله عز وجل. عرف هذه النفس فألهمها فجورها وتقواها. أي عرف هذه النفس طريق الشر وطريق الخير. وكما قال الله عز وجل في السورة التي قبلها: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾. أو قال جل وعلا في سورة البلد: ﴿ أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا * أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾. أي طريق الخير وطريق الشر، إما شاكراً وإما كفوراً، كما قال في سورة الإنسان. وقال جل وعلا أيضاً: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾. هنا دخل في الأسباب. في هذه السورة يبين الله عز وجل أنه عرف هذا النفس طريق الخير وطريق الشر. وفي سورة «والليل إذا يغشى» يبين له أنه مادام أنه اتخذ الأسباب فهو سيوفق. فإذا اتخذ أسباب الخير وفقه الله للخير: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾. وأما من بخل واستغنى، أي تكبر وأعرض، وكذب بالحسنة، أي كذب بالجنة أو بالإسلام أو بلا إله إلا الله، فسنيسره للعسرى. فلهذا فليس للإنسان أن يحتج بالقدر. وعن بعض الناس مثلاً يقول: تقول له مثلاً: يا فلان صل، يا فلان اتق الله، إلى متى وأنت هكذا في المعاصي وكذا؟ فيقول: ربي ما هداني. بعد هذا كلام باطل. الله عز وجل بين أسباب السعادة، أسباب الشقاوة، بين الطريقين، وجعل لك الخيار. لهذا قال الله عز وجل: ﴿