كتاب التفسير من صحيح البخاري 290

كتاب التفسير من صحيح البخاري 290

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 290، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير قسم الله بالبلد ووالد وما ولد

توضح السورة أن البلد المقسم بها هي مكة المكرمة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أُحل له القتال فيها ساعة من نهار يوم الفتح مع بيان موقف خالد بن الوليد وقصة سعد بن عبادة. كما يفسر قوله تعالى: "ووالد وما ولد" بأنه قسم بآدم عليه السلام وذريته.

خلق الإنسان في كبد وهدايته النجدين وبيان العقبة

تذكر السورة أن الله خلق الإنسان في مشقة وكبد، وهداه طريقين هما الخير والشر. وتوضح أن العقبة هي فعل الخيرات كإعتاق الرقاب وإطعام اليتيم والمسكين ذي المتربة، فمن اقتحمها فاز باليسر ومن أعرض استحق العسر.

عقبة الآخرة وأسباب اجتيازها وخاتمة السورة

تشرح السورة مفهوم العقبة الكؤود التي تعترض العبد في طريقه إلى الله، وأن اجتيازها يتم بتخفيف أثقال الذنوب والأعمال الصالحة كعتق الرقاب وإطعام اليتيم والمسكين في الشدة مشروطاً بالإيمان والصبر والمرحمة. وتختم السورة ببيان مصير من اجتازها كأصحاب الميمنة ومن خالف كأصحاب المشأمة والنار، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة "لا أقسم" وتسمى أيضا بسورة البلد، وهي في المصاحف تسمى "البلد". واتفق على أن هذه البلد التي أقسم الله عز وجل بها هي مكة. قوله: "لا أقسم" أي: أقسم بها، و"لا" هنا للتأكيد، أي: أقسم بهذه البلد، وهي مكة، حرسها الله وشرفها الله. وقال: "وأنت حل بهذا البلد". قال مجاهد: "وأن تحل بهذا البلد" قال: مكة، ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم. أي: يقول: إن الله عز وجل ميز نبيه، فقال: "وأنت حل بهذا البلد"، أي: لك حلال، لك ما للناس فيها، أي: لا تؤاخذ بما عملت فيه، وليس عليك ما فيه ما على الناس. وجاء عن ابن عباس أنه قال: أحل الله له أن يصنع فيه ما شاء، لأن نبي الله عز وجل هو رسول من الله، فهو ما يفعل إلا ما أمره الله، فلأجل هذا أحلها الله عز وجل له. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله أحلها لي ساعة من نهار". فمن قال: إنها حلت للنبي عليه الصلاة والسلام، فقولوا: إنها حل الله عز وجل لها له ساعة من نهار، كما جاء في حديث عائذ بن عمرو، وجاء أيضا كذلك في حديث أبي شريح الكعبي، وجاء في حديث أبي هريرة. فالله عز وجل أحلها لنبيه، أي: أنه يكون فيها، يدخل فيها، إن وجد حربا تقاتل معه، وهو في فتح مكة فدخل النبي عليه الصلاة والسلام ولم يلقَ حربا، لكن بعض قادة الجيش لقوا حربا، كما هو معروف في السيرة. وجاء في صحيح البخاري: لما التقى خالد ببعض أهل مكة، وكان عليهم عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، فكسرهم، فكسرهم جنود أهل الإسلام، وفرّ أكثرهم، وكانت معركتهم في "القديد" وهي أسفل مكة، من معنى "كَدَأ"، فَلَم يستطيعوا أن يقاوموا، فهربوا، وخرج أيضا عكرمة ثم عاد فأسلم رضي الله عنه. ودخل النبي عليه الصلاة والسلام من جهته فلم يلقَ حربا حتى دخل إلى الكعبة. ولما جهز الجيوش قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: "من لقيتموه، ممن لقيتموه يعارضكم ويريد الحرب، فاحصدوه حصدا". لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ذلك لأن مكة محرمة، لا يكون فيها قتال، لكن حلها الله عز وجل لنبيه، فمن عارضهم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم - وقال بيده هكذا -: "صدوهم حصدا". فقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: "أبيدت خضراء قريش". فجاءت هذه الكلمة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل إلى سعد وأخذ الراية منه، وأعطاها لقيس بن سعد. والنبي عليه الصلاة والسلام ما كان يريد أن يبيد قريشا، وإنما قال لهم: "من عارضكم، ومن لقيتم، فاحصدوه حصدا"، لكنهم لم يعارضهم أحد، ولم يلقاهم أحد حتى دخلوا إلى مكة، وصارت بعد ذلك تابعة لأهل الإسلام. وإنما كما قلنا: الذي لقي حربا هو خالد عندما جاء من المسفلة. قال رحمه الله: "ووالد وما ولد". هنا يقول: آدم وما ولد. أنا كأن الله عز وجل يقسم بآدم، و"والد" هو آدم، وما ولد أي: من جاء من ولده. فقال: "ووالد وما ولد". هذا كله قسم. "لا أقسم بهذا البلد"، و"ووالد وما ولد". والوالد كما قال ابن عباس وغيره: هو آدم، وكذلك عن مجاهد. وهذه السورة كما تقدم: سورة مكية. قوله: "في كبد". في شدة، خلق في شدة. خلق: معنى الله عز وجل يقول: "لا أقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد، ووالد وما ولد"، أي: هذه الأقسام، لقد خلقنا الإنسان في كبد. أنا أقسم ربنا جل وعلا بهذه الأشياء، والمقسوم عليه هو قوله جل وعلا: "لقد خلقنا الإنسان في كبد". والمراد "في كبد": أي في شدة خلق، ليس خلقه هينا، بل أنه فيه أطوار، وأيضا كذلك تعب: حملته أمه كرها ووضعته كرها، كما قال مجاهد رحمة الله عليه: لما قال "في كبد"، أي: حملته أمه كرها ووضعته كرها، ومعيشة في نكد، وهو يكابد ذلك. والمراد بالكبد: أي بالمكابدة. والله عز وجل خلق الإنسان في هذه الحياة ليعمل، فهذه دار عمل، دار مكابدة في أمر الدنيا وأمر الآخرة، فلأجل هذا ينبغي للإنسان أن يرعى حق الله عز وجل في هذه الحياة، وكذلك يرعى أيضا حق من تعب معه كوالديه، وأيضا يجعل لهم حقوقهم. قوله: "أيهلك مالا لبدا". "لبدا" كثيرا، أي: أنه معنى هو في شدة خلق، وفي كبد ومكابدة ومجاهدة حتى يصل إلى الله جل وعلا. ومن هذا الكبد: أن الله عز وجل جعل له طريقين. فقال الله عز وجل: "لقد خلقنا الإنسان في كبد، أيحسب أن لن يقدر عليه أحد، يقول: أهلكت مالا لبدا". "لبداء" كثيرا: أنا أهلكت هذا المال وضيعته. أيحسب أن لم يره أحد؟ "ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين، وهديناه النجدين". معنى: الله عز وجل يقول: إنه خلق الإنسان، وخلق له هذه الأمور من العينين، ومن اللسان والشفتين، وغيرها مما يتكلم به، وينظر ويبصر به، ويسمع، فهو يسمع الكلام وينظر، وكذلك جعل الله له عقلا وقلبا يهتدي به. ثم جعل له طريقين: جعل له ربنا جل وعلا طريقين، طريق الخير وطريق الشر، وما على الإنسان إلا أن يتسبب لأجل أن يسلك أحدهما. فقال الله عز وجل: "فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى". وقال قبل ذلك: "والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى". أي: متفرق، فمنكم من يذهب إلى الخير، ومنكم من يذهب إلى الشر، ومنكم من يخلط بين الخير والشر، فلأجل هذا جعل الله عز وجل طريقين: إما سبيل الخير، وإما سبيل الشر. وقال: "وهديناه النجدين"، أي: عرفناه، عرفناه الطريقين. وجعل ابن مسعود أنه قال: "النجدين: سبيل الخير والشر، سبيل الخير والشر". ثم قال: "متربة". قال: الساقط في التراب. "متربة": قال: الساقط في التراب. معنى المراد: أيش؟ أنه ليس له بيت. فقال الله عز وجل: "وهديناه النجدين، فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة". "متربة": قال: ساقط في التراب، أنا ليس له بيت وليس له مأوى. فالمتربة هو الذي لا يقيه من التراب شيء. معنى المراد: أنه ما عنده فراش، ما عنده بيت يأوي إليه، أو قد يكون عنده بيت لكن ما عنده فراش ومجلس يجلس عليه، وإنما يتوسد التراب. فقال: "أو مسكينا ذا متربة". قال: وقوله: "فلا اقتحم العقبة"، أي: فلم يقتحم العقبة في الدنيا. ثم فسر العقبة: "وما أدراك ما العقبة". أنا العقبة هي: معروف الطلعة التي يطلعها الشخص إلى مكان مرتفع تسمى عقبة. وهذه العقبة: عقبة الشرع، كلما توجه العبد إلى الله كلما طلع إلى هذه العقبة. ولهذا جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "إن بين يديكم عقبة كؤودا"، أي: صعبة. فهذه العقبة: عقبة كؤود، لا بد أن الإنسان يحسب لها ويجتهد حتى يطلع هذه العقبة. وهذه العقبة هي يطلعها بالأعمال الصالحة، من لم يكن معه عمل صالح ما يستطيع يطلع هذه العقبة. فلأجل هذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن بين يديكم عقبة كؤود"، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يجاوزها إلا المخفون". وكذا كما معنى: الخفيف الذي ليس معه أحمال، ليس معه أثقال. والمراد بالأثقال: هي الذنوب، المعاصي التي يتحملها الإنسان، كما قال الله عز وجل: "ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أثقل ظهرك". هذا الوزْر يثقل الظهر، يجعل الإنسان... قيل: ما يستطيع. معنى: الإنسان إذا كان محملا، بل حتى أحيانا الحيوان إذا كان معه أحمال فوق ظهره كثيرة، زائدة عن حاجته أو عن ما يحمله، ما يستطيع أن يطلع في العقبة، فكيف بالإنسان إذا كان قد حمل أشياء في ظهره كثيرة أثقلته، فلا يستطيع أن يصعد هذه العقبة؟ فهي عقبة كؤود، لا يجاوزها إلا المخفون، الذي هو خفيف، ما عنده ذنوب كثيرة، فهذا بسرعة يصعد هذه العقبة. فلأجل هذا قال الله عز وجل: "فلا اقتحم العقبة". معنى هذه العقبة: قالوا: "وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة". وهذا من لطف الله عز وجل بعباده وتيسيره لهم، يعني: يقول: هذه العقبة ممكن تتجاوزها بمثل هذه الأمور، تتجاوز هذه العقبة العظيمة التي هي عقبة كؤود صعبة، تتجاوزها بهذه الأمور السهلة. "فَكُّ رقبة": أي: عتقها. وبعد ذلك قال: "أو إطعام في يوم ذي مسغبة": يوم عسر على الناس، تعسر الطعام على الناس، تعسر المال على الناس، ما يجد الإنسان لقمته لشدة الغلاء، كذا فيتصدق في ذلك الوقت، وهو أيضا شحيح، يخشى الفقر ويأمل الغنى، أنا ليس عنده أموال، لكنه يبدي غيره على نفسه، أو أنه يعطي يواسي غيره. فلأجل هذا فالمواساة في أيام الشدة تكون أعظم أجرا عند الله جل وعلا. فقال: "أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة"، أنا: يتيم قريب، "أو مسكينا ذا متربة". فلأجل هذا الله عز وجل يسر لهذه الأعمال وسهل صعود هذه العقبة، فإن من تصدق على هؤلاء رقى قلبه، وأيضا وفقه الله عز وجل للعمل الصالح. قال: "في كبد"، أي: في شدة. فقال الله عز وجل: "وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة". ثم كان من الذين آمنوا، وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة. عمل هذه الأعمال، لكنه لا بد أن يكون من أهل الإيمان، وأما إن كان من أهل الكفر والنفاق ما ينفعه، ولو فعل. فلأجل هذا فالعقبة تتجاوز أو يجيزها الناس بالأعمال الصالحة، لكن لا بد من الإيمان، وهو أصل هذه الأعمال الصالحة. "ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر"، لأن هذه العقبة تحتاج لصبر، "وتواصوا بالمرحمة"، أن يرحم بعضهم بعضا حتى يتجاوز هذه العقبة الكؤود. "وتواصوا بالمرحمة، أولئك أصحاب الميمنة. والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة، عليهم نار مؤصدة". معنى: من لم يصعد هذه العقبة فيكون من أهل المشأمة وأهل النار، والعياذ بالله. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه السورة، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.