الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 294، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديثا نبويا يتعلق بالمغفرة للمحلقين في الحج، ويبين ترتيب الأعمال في اليوم العاشر من ذي الحجة. يوضح أن الحلق نسك من أنساك الحج والعمرة عند جمهور العلماء.
يشرح المقطع أحكام الحج والعمرة وجواز تقديم الحلق على الذبح، ويبين أن أيام الذبح تشمل يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة. يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة في ذلك.
يشرح المقطع أحكام التقصير والحلق في العمرة والحج، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنا ولم يثبت عنه التقصير، واستحب التقصير لمن كان متمتعا. يوضح أن المرأة تقصر ولا تحلق.
يشرح المقطع حكم تقصير الرأس للرجل، ويبين أنه يجب تقصير جميع الرأس عند الرغبة في التقصير، وإلا فعليه حلق الشعر بالموسى. يستخلص هذا من الحديث الشريف.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن آدم وابن أبي بكير، وتقدم ترجمتهما، والإسناد واحد الذي روى به حديث حبشي بن جناد، ويحيى بن آدم توفي سنة مئتين وثلاثة، وعم ابن أبي بكير؛ فقد تأخر عنه خمس سنوات، توفي في سنة مئتين وثمانية. قال: حدثنا إسرائيل بن يونس بن أبي سحاق السبيعي، قال: عن حبشي بن جنادة رضي الله عنه قال: يحيى - وكان ممن شهد حجة الوداع - الظهر، يريد يحيى بن آدم، فهو فقيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللهم اغفر للمحلقين». قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: «اللهم اغفر للمحلقين». قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: في الثالثة: «والمقصرين». قال: هذا حديث صحيح. والحديث أخرجه مع بي شيبة، فقال: حدثنا عبد الله، قال: أخبرنا إسرائيل به. فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا لمن حلق رأسه في الحج في المغفرة: «اللهم اغفر للمحلقين». وهذا الحديث في الحج، وليس في غيره؛ أي ليس على إطلاقه في التحليق، وإنما الحلق نسك من أنساك الحج والعمرة عند جمهور العلماء؛ يعني: يجمع بينهما في الحج، وعند الجمهور في العمرة. إنما اختلفوا: هل هو نسك أو تحليل في العمرة؟ هل هو نسك من أنساك العمرة أم أنه تحليل فقط؟ وأما الحج فهو من أنساك الحج بلا خلاف؛ من أنه نسك. وقد أمر الله عز وجل بالحلق، لكن قال سبحانه وتعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾. فبلغ الهدي محله: الوقت الذي يذبح فيه الهدي. ومعنى ذلك أن الهدي إذا ذبح يحلق الإنسان. لكن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم التخيير؛ جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم التخيير، وأبوابة تقديم الحلق على الذبح. ففي اليوم العاشر من ذي الحجة يفعل الحاج خمسة أشياء، وخاصة المتمتع والمفرد؛ رمي جمرة العقبة - الجمرة الكبرى - ويدبح ويحلق ويطوف ويسعى. هذه الخمسة الأعمال يعملها الحاج في اليوم العاشر. فسئل النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين عن أبي هريرة وغيره - سئل عليه الصلاة والسلام عن من قدم الحلق على الذبح، فقال: «لا حرج». ومن قدم الذبح على الرمي، فقال: «لا حرج». فما سئل عن شيء قدم وأخر في ذلك اليوم إلا قال: «لا حرج». ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جوز أن يقدم الحاج الحلق على الذبح، ويؤخر مثلا الذبح؛ إما يذبح في اليوم الأول أو يجعله في الأيام الأخرى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في صحيح مسلم: أنه قال: «أيام التشريق كلها أيام ذبح» أو قال: «كلها أيام أكل وشرب وذبح». فلهذا فالذبح يكون في يوم العيد، وأيضا أيام التشريق الثلاثة؛ له أن يذبح فيها. حديث أبي هريرة، وجاء أيضا كذلك أن غيرهما من الصحابة؛ جاء الجماعة من الصحابة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم العاشر من ذي الحجة قال: «اللهم اغفر للمحلقين». قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «اللهم اغفر للمحلقين». قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «اللهم اغفر للمحلقين». ثم قالوا: والمقصرين؟ قال: «والمقصرين». فالظاهر أنها في الرابعة. وهنا جاءت في الثالثة. وفي رواية مالك عن نافع أيضا في الثالثة. وأما في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع، وكذلك رواية أيوب، وكذلك في حديث أبي هريرة: أنها في الرابعة. وأما رواية ابن أبي بكير - هذا يحيى بن أبي بكير - إلا أنه كما قلنا: أن يحيى بن أبي بكير روايته عن الموطأ ضعيفة. يذكر أحد الأسباب: لم رواية يحيى بن أبي بكير في رواية الموطأ ضعيفة؟ قلنا: لأنه أخذ الموطأ عرضا عن حبيب بن أبي حبيب؛ أخذ الموطأ عرضا عن حبيب بن أبي حبيب، بقراءة حبيب بن أبي حبيب. وحبيب بن أبي حبيب كان يدلس ويكذب. فلهذا قال العلماء: من أخذ الموطأ من طريق حبيب - أي بقراءة حبيب - فإن أخذه غير صحيح. ومنهم هذا يحيى بن أبي بكير؛ أخذ الموطأ بقراءة حبيب. ولهذا مع أنه في العراق، مع أن يحيى بن أبي بكير في العراق وفي بغداد، إلا أن الإمام أحمد لم يعتمده، ولا أهل بغداد لم يعتمدوا يحيى بن أبي بكير في رواية الموطأ. وإنما الإمام أحمد اعتمد رواية الموطأ من طريق معن بن عيسى، وعيسى بن يونس، والطباع. والبخاري اعتمد في رواية مالك في رواية الموطأ عبد الله بن يوسف التنيسي. ومسلم اعتمد رواية عبد الله بن قعنب. فهذه المسألة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم العاشر: «اللهم اغفر للمحلقين». قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قالوا: والمقصرين. وجاءت رواية عن معاوية: أنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو لم يسوق الهدي لقصر ولم يحلق في العمرة. يعني: في انتهاء العمرة؛ إذا انتهى من العمرة يقصر. لكن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنا، فلم يثبت عنه التقصير. لكن جاء ما يدل على أنه استحب التقصير في هذا الموضع على من كان - مثلا - متمتعا. وإن كان متمتعا فإنه يعتمر، يذهب إلى العمرة أولا يعتمر، ثم يتحلل بالحلق. فهنا إن كان الحج قريب - إن كان الحج قريب - فالأفضل أنه يقصر، وإن كان الحج بعيدا فيحلق أفضل له. والمراد بالتحليق هو أخذ الرأس كله؛ يعني: أنه يكون الرأس أصلع. ولهذا اختلف بعض العلماء، وذكر إشكالا في مسألة المكائن هذه: هل هو حلق أو تقصير؟ عن الذي يحلق بالمكينة: هل يعتبر حلقا أم يعتبر تقصيرا؟ فالظاهر أنه يعتبر تقصيرا وليس حلقا؛ لأنه يبقي شعرا. وهذا الإبقاء يدل على عدم الحلق. وإنما الحلق يكون بالموسى. فالذي يحلق بالموسى فهذا يسمى حلقا؛ يعني: يجعل الشعر يحلق الشعر كله. وأما التقصير فيبقى بعضه. وليس معنى التقصير كما يفهمه كثير من الناس الآن: يأخذ من هذا الجانب ويأخذ من هذا الجانب. الآن كثير من الناس هناك ترى في العمرة أو في الحج إذا انتهى من سعيه في العمرة أعطى رأسه لأحد، وهناك ناس جاهزون بالمقص يأخذ قليلا من هنا، قليلا من هنا، قليلا من أمام، من الخلف، وهكذا. يظنون أن هذا هو التقصير. وهذا خطأ؛ هذا ليس تقصيرا. التقصير يأخذ من جميع الرأس، وليس من جميع جهاته. التقصير هو يأخذ من جميع الرأس، لكن لا يزيل الشعر كله؛ لا يزيل الشعر كله. فهذا يعتبر تقصيرا. وأما الأخذ من مكان وترك مكان، فهذا يشبه القزع؛ إذا كان على طريقة أخذ الشعر أو حلق الشعر في جهة وتركه في جهة، فهذا يعتبر قزعا. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القزع؛ كما في حديث عبد الله بن عمر. وأما من يأخذ بعض الشعرات، فهذا صحيح: أنه ليس تقصيرا صحيحا، ليس تقصيرا وليس حلقا. فينبغي أن يأخذ من جميع الرأس. بعضهم يقول: طيب المرأة، فلماذا أجازه للمرأة أن تأخذ من ضفائرها قدر أنملة، قدر شيء يسير من ضفائرها، وإن كانت ضفيرة واحدة أخذت من هذه الضفيرة؟ معنى الحلق: حلق الرأس. فالمرأة إنما أجيز لها لأن شعرها كله مجموع في ذلك، في تلك الضفيرة، مجموع في تلك الضفيرة. لو أخذت شيئا منها يكفي. وهذا يعتبر تقصيرا؛ لأن النساء ليس عليهن تحليق، وإنما التحليق للرجال. وإنما على النساء تقصير؛ كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: عند النساء، فالمرأة تقصر ولا تحلق. فلهذا لو أخذت من بعض من ضفائرها شيئا يسيرا يكفيها ذلك. وعم الرجل فلابد أن يقصر جميع الرأس إذا أراد تقصيرا، وإلا حلقه بالموسى. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.