الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 293

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 293

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 293، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ذم سؤال الناس لمن لديهم كفاية

يُحذر من سؤال الناس دون حاجة أو فقر، ويعتبر ذلك إثمًا كبيرًا. النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وأخبر بعقابه يوم القيامة.

شروط إباحة المسألة واستثناءاتها

النبي صلى الله عليه وسلم أباح المسألة في حالات محددة مثل تحمل الدية أو الفاقة الشديدة مع شهادة العدول. يُبين المقطع الشروط التي تجعل من السؤال مباحًا.

آداب التعفف عن المسألة

يُشجع على التعفف والصبر على الفقر، ويُمدح من يفعل ذلك. وردت أحاديث وآيات تشجع على التعفف وتمدح المتعففين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاهما، بعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يحيى بن آدم، ويحيى بن عبي بكير - وتقدم يحيى بن آدم، ويحيى بن عبي بكير - قال على نفس الإسناد الذي ذكرناه بالأمس، قال: حدثنا إسرائيل، عن نبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر». قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا - وهو محمد بن عبد الله بن الزبير الزبير - قال: حدثنا إسرائيل، عن نبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من سأل من غير فقر» فذكر مثله. قال: هذا حديث صحيح. فهذا الحديث فيه ذم المسألة لمن عنده كفاية، وقد جاء في الحديث ذم من يسأل وهو عنده ما يكفيه. من سأل الناس تكثر، فإنما يسألهم من جمر جهنم، فليستقل أو ليستكثر، فليستقل أو ليستكثر. كما جاء في الصحيحين، في حديث أبي هريرة: «لا تزال المسألة بالرجل حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم». لا تزال المسألة بالرجل، أو لا تزال بالمسألة برجل، حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم. من أنه هذا السؤال الذي يسأله، فإنه كأنه يأخذ من لحم وجهه، ولأن هذا أخذه بغير حقه، وكذلك لم يستحي حتى يسأل الناس وهو عنده ما يكفيه. وقد جاءت أحاديث كثيرة تشهد بعضها لبعض، وبعضها صحيح عند أبي داود والنسائي وغيرهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له، أو قال: من سأل الناس وعنده ما يكفيه، فإنما يسألهم من جمر جهنم». قالوا: يا رسول الله، وما يكفيه؟ قال: أو قال: أو ما يغنيه؟ سأل الناس وعنده ما يغنيه، فإنما يسألهم من جمر جهنم. قالوا: وما يغنيه يا رسول الله؟ قال: ما يغديه أو يعشيه، فمن عنده غدا وعشاء، أو غدا أو عشاء. فمن عنده كفايته فلا ينبغي له أن يسأل الناس لهذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جامع وغيره: «لأن يحتطب أحدكم فيحمل حزمة حطب، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». فالأحاديث كثيرة، وقد ألف شيخنا مقبل بن هاد الوادي رحمه الله رسالة سماها «ذم المسألة» وذكر فيها أحاديث كثيرة في هذا الباب. ومعنى هذا الحديث: «من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر»، فسرها بعض العلماء أنه كأنه يأكل جمرا، أو كما قال الإمام النووي: أي أن كل ما سأله وأخذه بغير حقه، فإنه يأكله يوم القيامة جمرا، أنه يأكله يوم القيامة جمرا في النار. وعنى من عقابه: أنه إذا أخذه بغير حق، سأل الناس وهو عنده ما يكفيه، ليس بمعدم، بل عنده ما يكفيه وما يغنيه، فيسأل الناس، فيأكل ذلك السؤال جمرا. ولهذا لما جاء عند النبي صلى الله عليه وسلم رجلان يسألانه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي». معنى عنده ما يغنيه، و«ذي مرة سوي» أي رجل قوي مكتسب. فمثل هذا لا يسأل، يذهب يستغل، يأتي له بحطب، يأتي له بكذا، ولا يسأل الناس. لكن أجاز النبي صلى الله عليه وسلم المسألة في حالات، مثل ما جاء في حديث عقبة، أو حديث قبيصة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة، أي أصلح بين قبيلتين، أو أصلح بين شخصين، فتحمل شيئا مما اختصم فيه لأجل أن يصلح بينهما، فرجل تحمل حمالة، فيعطى على حمالته هذه حتى يؤدي ما عليه. ورجل أصابته فاقة، ويشهد عليه ثلاثة من قومه من ذوي الحجى، ثلاثة من قومه من مقدمة القوم ومن عقالهم، يأتون ويشهدون أن هذا الرجل فقير معدوم، ليس عنده شيء، فمثل هذا أجاز له النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الناس. والثالث: قال عليه الصلاة والسلام: «ورجل أصابت ماله جائحة فاجتاحت ماله كله». عنده مثلا مزرعة يتكسب منها، فجاء السيل وأخذ واجتاح هذه المزرعة كلها، أو عنده سيارة مثلا يتكسب منها احترقت عليه، أو تعطلت ولم يعد له شيء، أو احترق بيته أو احترق ماله، فالمهم أنه أصابته جائحة، سواء كانت هذه الجائحة السماوية - معنى من السماء مطر أو ريح أو كذا - أو جائحة أرضية - معنى سرق ماله، احترق ماله - فأصابته جائحة فاجتاحت ماله كله، ليس معه مال، فهذا أيضا أجاز له النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل. فهؤلاء أجاز لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا. وإذا كان الإنسان مثلا عنده أحيانا وليس عنده، فهل يسأل؟ فالأصل أنه لا يسأل، لكن إن سأل فإنه قد يدخل في جواز، إذا كان معدم سأل في اليوم الذي لا يجد الطعام أو الشراب، فهو جائز له، وإن صبر فهو أفضل له. وجاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنهما في صحيح مسلم أنه قال: لم أجد شيئا أنا وأمي، فقالت أمي: اذهب فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا سعيد، من يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله. وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر». يعني ليس هناك أحد أعطي شيئا إذا أعطي الصبر، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. فالصبر أعظم الأشياء، فمن أعطاه الله عز وجل الصبر، فإنه يفوز بجنات الله، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد: «من يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعف الله، ومن يستغني يغنه الله». ولهذا في حديث أبي ذر الذي قد مر معنا، لما ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم الجوع، وأن الناس كيف أنتم في زمان لا يجد الرجل أو لا يستطيع الرجل أن يمشي من بيته إلى المسجد، قال أبو ذر: فكيف أفعل يا رسول الله؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعفف يا أبا ذر، تعفف يا أبا ذر». فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر أن يتعفف. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾، لما ذكر الله عز وجل للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضربا في الأرض، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، لا يستطيعون أن يذهبوا إلى مكان لأجل أن يتجروا أو لأجل أن يكتسبوا، تعرفهم بسيماهم، ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. فالأفضل هو التعفف، لكن من لم يستطع أن يصبر، فإن سأل فلا بأس، فإن سأل فلا بأس. ولا يدخل في هذا الحديث إلا من كان ليس معه شيء، أقصد لا يدخل في هذا الحديث إلا من كان معه ما يكفي ويسأل الناس، ومن كان مثلا أخذها حرفة، فهذا أعظم من جعل المسألة حرفة، فهذا إثمه أعظم.