الدرس في التحلل من المظالم 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول التحذير من التطاول على أعراض المسلمين بسب أو شتم أو قذف، ويبين أن ذلك من كبائر الذنوب. كما يشير إلى أن الطعن في الأعراض يمكن أن يكون بغيبة أو نميمة أو استهزاء.
يتحدث عن خطورة الغيبة والنميمة والتطاول على أعراض المسلمين، ويحذر من عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة. يشير إلى أهمية التحلل من المظالم والعفو عن الآخرين.
التوبة من الغيبة تتطلب التحلل من الشخص المغتاب إذا كان يعلم بالغيبة، أو الإصلاح بالثناء عليه في المجالس التي تم التحدث عنه فيها بسوء إذا لم يكن يعلم. يُشدد على أهمية الابتعاد عن انتهاك حقوق المسلمين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله عما يتحلق بالتحلل من المظالم، ومر معنى ما يتعلق بالتحلل من الحقوق المالية، ومن ثم التحلل من الحقوق البدنية، ما كان من اعتداء وما كان من إزهاق للأرواح وإستفك للدماء، والمضرمة الثالثة وهو الحق الثالث وهو حقوق الأعراض، وذلك يا عبد الله أن لا تتطاول على أعراض المسلمين، وهذا الحق من الحقوق الإسلامية التي دلت الشريعة على وجوبها، بل ذكر ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم في أعظم محفل، وذلك في حجة الوداع، حينما اجتمع عند نبينا صلى الله عليه وسلم ما يربوع مئة ألف نفس من أصحابه عليه الصلاة والسلام، فكان في خطبته: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»، فكان ذلك منه إشارة ودلالة عليه الصلاة والسلام على تحريم الأعراض وعلى عظمة الأعراض وعلى عدم الجواز المساسي والعبث بها. وقال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». وإخواني في الله، التكلم والكلام في الأعراض مما يطول ذكره، لكن ينبغي أن نشير إلى أن من أعظم مبتلى به الأمة الطعن في أعراض بعضهم بعضًا، صحيح أن الواحد منا قد سلمه ربنا جل وعلا من الدماء، وقد سلمه ربنا جل وعلا من الأموال، لكن من ذا الذي سلم من أعراض المسلمين؟ وذلك لأن التطاول على الدماء والتطاول على الأبدان يحتاج إلى جهد يحتاج إلى بذل، لكن التطاول في الأعراض ما يستغرق منك ولا حتى ثانية، تلوك لسانك تحرك لسانك بسب أو شتم أو قذف، وتدخل في أعراض المسلمين. ولهذا كم من الناس من لربما في اليوم الواحد يقع في الأعراض صباحًا ومساءًا ليلة ونهارًا، ولا طعن في العرض يا إخواني في الله من الأمور العظيمة، بل هي من كبائر الذنوب، من كبائر الذنوب. ففي السنن من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام أخبر عن نفسه أنه في الليلة التي أسري بها، فكان مما رأى من عذاب أهل النار رأى قومًا لهم أظفار من نحاس يخمشون فيها وجوههم وصدورهم، فسأل نبينا عن هؤلاء وعن عظيم ما يصنعونه بأنفسهم، فقالوا له: «إن هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم»، يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم. فالطعن في العرض يكون بغيبة، يكون بنميمة، يكون بغمز ولمز، يكون باستخفاف واستهتار واستهزاء، يكون كذلك بقذف أو طعن، كل ذلك كما قال علماء العرض هو موضع الذنب والمدح، العرض هو موضع المدح والذنب في النفس أو في سلفه، في نفسه أو في سلفه، كما فسر ذلك أهل اللغة. فكونك يا عبد الله تتطاول على شخص في نفسه أو حتى في نسبه وسلالته، تتطاول عليه هذا يعتبر منك طعن في الأعراض، ويكون ذلك من كبائر الذنوب. جاء عند أبي داود في السنة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن فلانة يذكر من شأنها ومن أمرها من كثرة صلاتها وصيامها، امرأة بلغت من التعبد الأمر العظيم، بأنها يضرب بها المثل واشتهر أمرها عند القاص والدان في زمن نبينا، حتى تواصف الناس بحسن عبادتها، فنقل ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم أن فلانة تكثر من صلاتها وصيامها، إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها»، هذا الوصف يا إخواني في الله يعني امرأة هذا صنيعها، إن سألت عن صيامها فصيامها مما لا يدانيه أحد، تكثر الصيام، وإن سألت عن صلاتها فكذلك لا يدانيها أحد ولا يوازيها أحد لكثرة صلاتها، لكنها ابتليت بهذا البلاء أنها تؤذي جيرانها بلسانها. فقال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار، هي في النار». هذا ماذا يدلك يا عبد الله؟ يدلك على عظم الوقوع في الأعراض، إذا كان هذا في حق جار تؤذيه بلسانك، غيبة، طعن، غمز، ولمز، ما قالوا بيدها، لا بلسانها، ولا يكون ذلك إلا بما يكون فيه طعن في أعراضهم، فكان أمرها أنها من أهل النار، ولم يشفع لها تلكم الصلوات ولا تلكم الأيام التي صامتها. فاحذر يا عبد الله، ولا تحتج بكونك من أهل العبادة أو بكونك من أهل الطريقة أو بكونك من طلبة العلم، أن هذا نافعك بأن تبرر ما عليه من غيبة، لا يا عبد الله. رحمة الله على شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى، عندما تكلم عن الغيبة ونحو ذلك، بيّن أن بعض الناس لربما يخرج الغيبة بمخرج الخير، هي غيبة، هي طعن وغمز، لكن بعضهم يحاول أن يلبس هذا الطعن ويلبس الغيبة بلباس الخيرية. فبعضهم يجعل ذلك بمقام يسمى بالجرح والتعديل، أحيانًا يسميه بباب النصيحة، أحيانًا يسميه من باب التعريف، وهو في الحقيقة لو أنصف نفسه ما كان هذا من باب الجرح والتعديل، ولا كان ذلك من باب التعريف، ولا كان ذلك من باب التحذير، وإنما تشفي ما في النفس، التشفي بما في الصد، لربما في صدره غل، غل على أحد من إخوانه، على أحد من جيرانه، أو على أحد من أحد المسلمين، فجد أن يخرج ما في نفسه، لا يخرجه باسم الغيبة، لكن يخرج باسم التديّن لله سبحانه وتعالى: «أنا فلان أحذرك من فلان، احذره، فإنه فيه وفيه وفيه»، وكلما تكلم أشفى ما في نفسه، ما أراد بذلك حماية الدين، أو أن صيانة هذا الإنسان أو صيانة المنصوح، ما أراد لا هذا ولا ذاك في حقيقة أمره، أراد أن يخرج ما في نفسه، فيه في الحقيقة غيبة، في الحقيقة وقيعة، ولكنه أخرجه بمخرج الدين. وقد ذكر شيخ الإسلام عدة اعتبارات يسميها الناس باسم الخيرية، وهي في الحقيقة غيبة ونميمة ووقيعة في أعراض المسلمين. فاحذر يا عبد الله من الوقوع في أعراض المسلمين، فإن أعظم ما أوقع الناس أو يوقع الناس في غضب الله سبحانه وتعالى بمثل الوقوع في هذا الحق الثالث. ولهذا قال نبي لمعاذ: «أفلا يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم»، حصائد الألسن هي التي توقع من أوقع ربنا جل وعلا في غضبه وفي ناره. فاحذر يا عبد الله من فلتات اللسان، واحذر يا عبد الله من حصائد الألسن، وعليك أن تكف لسانك عن أعراض المسلمين، إلا مما لا بد منه كما ذكر ذلك العلماء، وهذا في نطاق ضيق، أما ما عليه الناس في كل مجلس وفي كل مقام وفي كل مكان وفي كل زمان، ما أصبح همهم ما همهم الذي يشغلهم في مجالسهم إلا الكلام في فلان وفلان. أصبحت بعض المجالس ما إن يجلسوا حتى يختاروا شخصية، وبعد ذلك يوقعوا سهام الغيبة فيها: «فلان فعل وفلان ترك وفلان فعل وفلان ترك»، وفي اليوم الثاني يأتون بفلانة: «فعلت تركت عليها من السوابق أصلًا الله يصلحها، ثم فلان أم فلان، ثم فلان». هذا يا عبد الله غيبة، غيبة، وهذا من كبائر الذنوب، وهذا كفيل بأن الله سبحانه وتعالى يحبط عنك الأعمال، يحبط عنك الأعمال. وهذا الذي نحن بصدده، هذه المجالس يا إخواني في الله في ذكر مما ينقص أو يؤثر من أجر الصيام، ومن ذلك التكلم على أعراض المسلمين. قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شيء فليتحلل منها اليوم». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإن كانت عنده حسنات أخذ على قدر مظلمته». أنت يوم القيامة تأتي بحسنات من صلاة وصيام ونوافل وطاعات وقربات، فهذا الذي تناولت عرضه ولم تتحلل في الدنيا، فحين يكون القصاص والقصاص يا عبد الله يوم القيامة بالحسنات والسيئات. جاء في البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «فيأخذ من حسناته على قدر مظلمته»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فيحمل عليه». أنت اغتبت وتكلمت في أناس كثر، فيأتيك الغرماء فيأخذون ويأخذون ويأخذون، فتنفذ حسناتك ولا زال الغرماء كثر. وهذا يوجد يا إخواني في الله أن بعض الناس ممن لا يشفق على نفسه فيخوض في أعراض المسلمين والمسلمات بنفس أفواه، بمعنى أفواه، أي أنه يطلق العنان للسانه يتكلم بمن شاء، وتعظم الفرية يا عبد الله إذا كان كلامك على أهل الصلاح، إذا كان كلامك وطعنك على العباد الزهاد، وإذا كان غمزك ولمزك في أهل العلم من العلماء، تطعن في ذاك العالم في عرضه، وذاك العالم في عقله، وذاك العالم في تدينه لله جل وعلا، ترميهم بالابتداع، ترميهم بالحزبية، ترميهم بالفتور، ترميهم بالتقاعز، ترميهم بالجهالة، ترميهم بالعمالة، طعن في أولياء الله سبحانه وتعالى. صعب يا عبد الله أن تتفلت من الحساب والعقاب لا في دنيا ولا في الآخرة، حينها يأتيك التحلل يا عبد الله. فإذا كثرت غيبتك وكثرت طعنك في أعراض المسلمين، فإن الله جل وعلا يبتليك بأن الله يسلط هؤلاء عليك أن يأخذوا من حسناتك، حتى إذا فنيت حسناتك ولم تبقى شيء، فإن الله جل وعلا يحمل عليك من سيئات من اغتبتهم، فتطرح على ظهرك. وجاء في حديث المفلس أنه بعد ذلك يطرح في النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إذن يا إخواني في الله فنعلم أن الطعن في الأعراض من الحقوق العظيمة وهي من كبائر الذنوب، وكما قلنا صور كثيرة: غيبة، نميمة، قذف، طعن، غمز، ولمز، وهذه الأبواب مقفلة إلا ما خصه الدليل، إلا ما خصه دليل وجرى عليه عمل سلفنا الصالح، مثل الجرح والتعديل، لكن بضوابط الجرح والتعديل، بضوابط. ولا تظن يا عبد الله أن باب الجرح والتعديل مفتوح لك تفعل ما شئت تجرح وتجرح وتجرح، ثم تقول هذا جرح وتعديل ليس غيبة، لا. أحيانًا يدخلك هذا الباب في باب الغيبة. وهل السنة والجماعة الذين هم الذين أتوا بهذا الباب قد ضيقوا عليه النطاق؟ بل ذكروا أن الذي أردت أن تجرح أحدًا فاجرح على قدر الجرح الذي يطلب منك، ولا تزيد، لا تزيد في الجرح. إياك أن تزيد، بعض الناس يظن أن هذا الجرح مفتوح لدرجة أنك تدخل فيما بعد ذلك ما بعد الجرح. أنت يا عبد الله تريد أن تجرح ناس من أهل البدع فيهم بدعة، تكلم في بدعة، لكن ما بعد ذلك لا يسألك، علاقة أن تتكلم في نياته، أن تتكلم في أهله، أن تتكلم في عرضه، أن تتكلم، ما يجوز هذا. ولهذا حرم العلماء ذلك، حرم العلماء ذلك، وأنه لا يجوز، وأن الذي يريد أن يجرح إن كان من أهل الجرح، إن كان من أهل الجرح، لكن أين نحن الآن في هذه الأزمان؟ ترى هذه الملازم التي خرجت على الناس باسم الجرح والتعديل، تنظر للمتكلم ما ترى إلا صعلوك، أقولها بملء الفم صعلوك، ليس عنده حظ في العلم، مغمور، ليس من أهل العلم ولا من أهل الشأن ولا من أهل الفقه، فضلًا أن يرتقي إلى مقام الجرح والتعديل. ثم بعد ذلك يأتي من هم مثلاء السفهاء ويتطاولون على كبار العلماء، يتكلم وأنت من المفلسين، تتكلم في عرض عالم، تتكلم في عرضه، وثم يتهكم ويأتيه جرح موفق أو جرح مسدد، وإنما يتكلم في نياته، يتكلم في أخبار ما مضى، وأنك في عام 1970 فعلت كذا، وأنت إيش هذا التشفي؟ هذا يا إخواني تشفي، هذه الغرمات ظلمات بعضها فوق بعض. فاحذر يا عبد الله من أمر الغيبة، احذر يا عبد الله من أمر النميمة، احذر يا عبد الله من إيقاع العداوة والفتن والإحن بين المسلمين، وذلك بالتطاول في الأعراض. الخلاصة من هذا الباب يا عبد الله: أمسك عليك لسانك، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أمسك عليك لسانك». وقال صلى الله عليه وسلم: «من صمت نجا». إن شغل يا عبد الله بعيوب نفسك، إن شغل يا عبد الله بعيوب نفسك. إن كان هناك أمر لا بد منه، فاتق الله سبحانه وتعالى في أعراض المسلمين، فلا تتكلم إلا بما يقربك إلى الله، لا بما يشفي غليل قلبك أو غليل نفسك، فإن هذه غيبة أخرجتها بما ستخرجها به، تغيب في ميزان الشرع. واعلموا يا إخواني في الله أن الخروج من الغيبة في حق من وقع في أعراض المسلمين ليس له مخلص إلا أن يتحلل من أهل هذا هو العلاج، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شيء فليتحلل منها اليوم». وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة. لأن العلماء اختلفوا في حق من تكلم في أعراض المسلمين من غيبة ونحو ذلك، هل يكفيه أن يتوب فيما بينه وبين الله، وعفى الله عما سلف؟ أم أنه لا بد أن يتحلل من؟ من ذهب إلى المذهب الأول أن العبد إذا صلحت نيته وصلحت توبته مع الله سبحانه وتعالى، فإن هذا كافيه، فإن هذا كافيه. وذهب طائفة من الناس إلى عدم الاكتفاء بذلك، وأن الصحيح في المسألة أن الذي يتوب فيما بينه وبين الله، عليك ذلك أن يتوب فيما بينه وبين العباد، وهذا هو الصحيح لدلالة النصوص عليه. أنك يا عبد الله تتحلل ممن تكلمت في عرضه، مثل دبت فتنة بين جيران، بين زملاء، بين إخوة، بين أصحاب، وأنت كنت طرف فيها، أنت الذي تسببت في إشعال هذه الفتنة، وعلم هذا المظلوم أن فلان بن فلان هو الذي تكلم عليه وهو الذي افترى عليه وهو الذي أدى إلى هذه الفتنة الذي ابتلي بها، وأنت بريء، هذا الذي اغتاب بريء. أنت مثلًا سوّلت لك نفسك أن تأتي بتهمة، تقول: «فلان فلان». يا إخواني في الله هذا رجل أظن فيه شيء، فعل فعل مشين، فعل فاحشة، فأشيع ذلك عنك، ووصل الخبر إلى ذاك المسكين، بأنك قلت عنه بأنه فعل فاحشة، وهو بريء من ذلك، لكن التهمة والكذب والزور فوقعت القطيعة ووقعت الشحناء، ثم أنت بعد ذلك تندمت على هذه التهمة، وأن ذلك منك كذب، وأن ذلك من تلبيس إبليس عليك، ثم أردت أن تتوب، فوجب عليك أن تتحلل من صاحبك، تذهب إليه وتتحلل: «أولًا يا عبد الله، أنا الذي قذفت وأنا الذي تكلمت وأنا الذي فعلت، فأنا أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فأرجو أن تسامحني وأرجو أن تعفو عني»، وتطلب منه المسامحة والعفو. وبعد ذلك هل انتهى الأمر؟ لا، ما انتهى الأمر. ما بعد ذلك يطلب أنك تصلح، تصلح إن جرى من فعلك فساد، يعني مثل هذا الذي تكلمت عليه وقعت بينه وبين إخوانه قطيعة، وقعت بينه وبين زملائه هجران، وقعت بينه وبين أهله طلاق وفراق، قد يقع هذا وقد وجد هذا. إذن لا يكتفي أنك تعتذر من هذا الطرف حتى تصلح ما جرى منك. ولهذا ذكر جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى أن من شروط التوبة: «إلا الذين تابوا وأصلحوا»، من تمام التوبة الإصلاح. إن كان من هذه الوقيعة وقع فساد، فعليك أن تصلح هذا الفساد، تأتي إلى فلان: «يا فلان، ما لك على فلان؟ فلان فذاك قيل عنه فعل فاحشة، لا أعوذ بالله، أنا الذي رميت بالفاحشة، وهذا مني كذب والعياذ بالله، ما صدر منه فاحشة، ما علمت منه إلا الخير، اتق الله وارجع إليه». أصلح يا عبد الله كما أفسدت، أصلح. ولهذا يا عبد الله تخيل، تخيل فيما تكلمت في عالم مثلًا، تكلمت في عالم رباني له أسوة له قدوة له ثقل ومقدار وزنه في مجتمعات المسلمين، ثم يأتي الأفاكون من سفهاء ومن سذج، ثم يتناقلون الأخبار من غير روية ومن غير التثبت ولا تبين، فيلقونها: «فلان فلان فلان فلان»، يحطون من قدر هذا العالم حتى أسقطوه، أسقطوه في قرية كاملة أو في مجتمع كامل، ثم استبان لهؤلاء السذج أن ما قالوه في حق هذا العالم كذب، وأنهم فرطوا، فما تبينوا وما استثبتوا في أخبارهم. إذن ما الذي عليكم؟ أن تذهبوا لذاك العالم وتستسمحوا منه، ثم يا عبد الله أصلح ما أفسد، أنك ترجع لهذا العالم قيمته في ذاك القرية وفي ذاك المجتمع. فتخيل يا عبد الله عظم البلية والورطة التي يبتل بها من أدخل لسانه فيما لا يخصه. فعليك يا عبد الله أن تتق الله في أعراض المسلمين. بقي مسألة وقد ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ونبّه عليها في حق أمر الغيبة والوقيعة، إذا كانت هذه الوقيعة صدرت منك، وصاحبها لا يدري عنها، قلنا هذا التحلل أنك تذهب لصاحب الخبر إذا علم صاحب الغيبة بأنك أنت الذي اغتبته، هنا لا بد لك أن تتواجه معه، لا يمكنك أن تتوب إلى الله عز وجل، وصاحب الذي ابتلي بغيبتك ينظر إليك كيف هذا يتوب يا الله؟ وأنا ما تاب من عندي وما تحلل من عندي، هذا لا يمكن. لكن الصورة الثانية إذا أنت اغتبت شخصًا ما من غير علمه، مثل أنا في مجلس مجالس وتكلمت على عرض فلان: «أنه فعله وأنه ترك وأنه يخشى وأنه وأنه»، طبعًا هذا بغير أخبار يقينية، وإنما جزاف وإنما تخرصات وإنما تخمينات، وهذا لا يجوز، ما يكون أعراض المسلمين يا عبد الله عرضة لهذا التناول على الاجتهاد منك أو على تخمين منك أو على ظن منك، وإنما يكون بتثبت وتيقن، لأنه عرض مسلم، وحرم الحاصل. إذا تكلمت عن فلان وفلان ما يدري عن غيبتك ما يدري عنها، أنت بعيد وهو في بعدك، كلمت وأشفيت ما فيه غليلك وأشفيت ما فيه نفسك، أسقطته، شوهت سمعته، أسأت ظن به، وعند الجماعة من أصحابه، المهم فعلت الذي فعلت، ثم بعد ذلك تندمت، علمت أن الخبر على غير ما ذكر، وأن الذي فعلت كان منك سوءًا بأخيك، الآن التحلل كيف؟ هل تذهب إليه أم لا تذهب إليه؟ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر الخلاف في هذه المسألة، وفي هذه الصورة إذا كان من اغتبته ومن تكلمت في عرضه لا يعلم عن غيبتك ولا عن طعنك شيء، فذكر الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن من العلماء من قال من تمام توبته أنه يذهب إليه، وقال شيخ الإسلام: «وذهب جماعة إلى عدم الذهاب إليه، قال: وهذا قول الأكثرين، وهذا هو الصحيح»، ما هو الصحيح؟ أنك إن علمت أن الذي تكلمت فيه ما عنده علم بغيبتك، فلا تذهب إليه، لا تذهب إليه، وإنما تعبد الله، تأتي إلى هذا المجلس وتثني عليه خير، تثني عليه خير. قال علماء: لأنك بذهابك إليه وهو لا يدري عن ذلك، لو طرقت الباب، تقول: «السلام عليكم يا عبد الله كيف حاله؟ طيب، أنا فلان من فلان، وأعذرني على إيش؟ أعذرك يا أخي، أنا تكلمت عليك»، طب ليش يتكلم عليك أصلا؟ المهم يا أخي زلة، طبعًا من تكلمت عليه، وإيش قلت في حقي؟ هذا ما الذي سيأتي إلى مضاعفة الفتنة، إلى مضاعفة الفتنة. فإن كان في غفلة وما يدري عن فعلك وما يدري عن غيبتك وعن تطاولك في عرضه، فيقول العلماء: «وهذا قول كثير من الجماعة من العلماء، وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، على أنك لا تذهب إليه، وإنما عليك أن تصلح الذي فعلت»، فإن تكلمت عنه في مجلس، فهذا المجلس تأتي فيه، ثم تأتي وتأتي بالخير والفضائل لهذا الذي اغتبته. قال مجاهد رحمه الله تعالى: «كفارة من أكلت من دمه أن تثني عليه خيرًا وتدعو له»، كفارة من أكلت من لحمه أنك تثني عليه وتدعو له بالخير. السناء والدعاء له بالخير، تثني عليه في ذاك المجلس: «يا أخوان، فلان تذكرون الذي قلت عنه أنه كذا، أنا عم أضع له لا أبارك، لا أنتبه، لا أغفر الله بالعكس، تضع أنه أشخص فاضل وأنه على خير وأنه ما أشيع عنه وما قيل في حقه أبعد الله وأكذب، ولم يصع هذا ولم يثبت هذا، هو على الأصل على السلام، وإن شاء الله عز وجل أن يثبته على الخير، وإن شاء الله وتدعو له، تدعو له، تدعو له، علّ وعسى أن الله يغفر لك ما قد تلفظت به». وهكذا يا إخواني في الله تكون علاقاتنا مع الناس، بل حتى بعض العلماء يقولون: إذا جلست عند صاحب، إذا مثل رجل تكلمت عليه وأشيع، وذاك المغتاب قد علم أو ذاك الذي اغتبت علم أنك تكلمت عليه، فإذا جئت تتحلل منه، ليس من الشرط كما يقول علماء أنك تأتي بالتفاصيل. السلام عليكم يا عبد الله، علمت أني قد تكلمت عليكم: «نعم تكلمت عليه والله المستعان، لكن اسمع يا أخي، لا تكلمت بما يسوء، وأسأل الله يعفو ويغفر عني، وأنا عندك ما يش إيش اللي تريد؟ نتصافح وإن شاء الله عز وجل أن يتجاوز عني وأنا عندك». قال علماء: «فإن طالبه بالتفاصيل لا يعطيه التفاصيل»، يقول: «طب يا أخي أنت تكلمت على إيش؟ ذكرت عني أنا أعرف، لا لا تعطيه التفاصيل»، يقول علماء: «يكفيك في التحلل أنك تأتي باللفظ العام: أنا تكلمت فيك، أنا أغتبتك، يكفيك هذا، لا دعك من التفاصيل، لأن التفاصيل ما تأتي إلا بسوء، يكفيك بالتحلل العام، وأنك تعترف بذنبك، وأنك تتحلل منه، وانتهى الإشكال». والله الحمد والمنة، فهذا يا إخواني في الله ما يتعلق بالتحلل من أعراض المسلمين، وبهذا انتهينا من التحلل من المسائل الثلاث: الدماء والأموال والأعراض، وكلها عظيمة يا عبد الله بأنها توقف استيفاء الأعمال، فكيف إذا اجتمعت جميعًا في شخص واحد؟ فمن أين له أن يتمتع بحسناته أو يتمتع بأجره وفضائله؟ هذا هو الشقي المحروم. فالسلام يا عبد الله الابتعاد الابتعاد عن الحرمات الثلاث: عن دماء المسلمين وعن أموالهم وعن أعراضهم. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.