الدرس في التحلل من المظالم 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يجب على المسلم أن يتحلل من المظالم المالية بإرجاع المال إلى أصحابه، ويتعامل مع الحقوق المالية التي أخذت بغير حق بإرجاعها أو التصدق بها نيابة عن أصحابها.
يُنبه إلى خطورة العبث بالمال العام والتلاعب بالديون، ويوضح عاقبة من يتلاعب بالديون ويجحدها، مشيراً إلى أن العبث بالمال العام أعظم عند الله من العبث بالمال الخاص.
يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فكما سبق، إخواني في الله، ستكون هذه المقامات بإذن الله حول ما يتعلق بكيفية التحلل من المظالم، وخاصة أن لهذا الباب تعلق عظيم بما نحن بصدده بمقدم شهر رمضان، إذ أن من الأمور المانعة من استيفائك لطاعتك في رمضان من صلاة وقيام تكون بتلبسك بشيء من المظالم. فمن تلبس بشيء من حقوق العباد من دمائهم وأموالهم وأعراضهم عاد ذلك على عباداتك بالبطلان والنقصان. وقد جاءت الأحاديث الدالة على ذلك، حديث في صحيح مسلم: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار، وفي رواية: من لا درهم له ولا متاع. فقال عليه الصلاة والسلام: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ومع ذلك افترى على عباد الله جل وعلا، فأخذ من حقوقهم من دمائهم ومن أموالهم ومن أعراضهم، ما عاد على أعماله بالإحباط». وجاء كذلك في مسند إمام أحمد ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم أن العبد ليبعث يوم القيامة فيرى من حسناته ما ينجيه من الآخرة، فإذا بعبد يقول: يا رب، إن عبدك ظلمني بمظلمة، فيأخذ من حسناته حتى لا يبقى من حسناته شيء. فناسب أن يذكر بعضنا بعضًا بكيفية أداء الحقوق. وكما عرجنا وأسلفنا، وخاصة ونحن في هذه البلاد وفي هذه الأزمنة التي طاشت فيها العقول وماجت فيها الفتن، حتى أصبح الكثير من الناس لا يحترز من حقوق إخوانه. فذاك الذي يتصلَّط على دمائهم بسفك الدماء أو إزهاق الأرواح أو الاعتداء على الأبدان أو بإسالة الدماء أو بضرب، وذاك يتصلَّط على المسلمين بلسانه غيبة ونميمة وكذب وبهتان وطعن وغمز ولمز، وآخر عرَّج على أموال المسلمين فأكلها حرامًا، كأن يختلس أو يسترق أو يسرق، وهكذا يغصب، وهكذا يكسر ويهدِّم. فكان على العبد أن يتحلَّل من مظالمه، فإن لم يتحلَّل منها بالدنيا، فإن التحلُّل الكائن لا محال في الآخرة. قال عليه الصلاة والسلام: «لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها، الحقوق مؤدَّة مؤدَّة، شئت أم أبيت، إن لم تكن في الدنيا فلتكن في الآخرة». وقال عليه الصلاة والسلام: «من كانت عنده لأخيه مظلمة فليتحلَّل منها اليوم، فليتحلَّل منها اليوم». وأولى هذه المظالم، إخواني في الله، ما يتعلَّق بالحقوق المالية، وهو أنك تستولي على أموال المسلمين بغير حل وبغير حق، كأن يكون سرقة أو اختلاس أو نهب أو غصب أو تكسير أو تدمير أو تخريب. كل هذه من الاعتداء على أموال المسلمين. فكيف استيفاء هذا الحق المالي؟ استيفاؤه يكون بطريقة واحدة، وهي إرجاع هذا المال. لابد يا عبد الله أن ترجع الحقوق إلى أهلها. وبعد ذلك تسأل الله العافية. فاتفق العلماء على أنه لابد أن ترجع المال إلى أهله. أخذت مثلاً سرقة أو غصب أو نهب، أخذت خمسة آلاف أو خمسين ألفًا، عليك أن ترجع هذا المال إلى أهله، ترجعهم إلى أصحابه، إما أن ترجع هذا المال أو ترجع ما يعادله أو قيمة هذا المال أو على ما تتفقان عليه. ونبه إخواني في الله على ما يتعلق بالحقوق المالية، ليس من شرط التحلل من المال أن يكون المال عظيمًا. بعض الناس تسمع التحلل من الأموال، يقول: الحمد لله، أنا ما أظن أني أخذت هذه الأموال، لكن حسبي أن أخذت شيء لا، حتى هذا الشيء هذا مال، ولو كان حقيرًا في نظرك، لكنه في نظر الشرع عظيم. وقد جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «من اقتطع مال أخيه المسلم بيمينه، فقد حرم الله عليه الجنة وأوجب عليه النار». فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت شيئًا يسيرًا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «وإن كان قضيب أراك». قضيب أراك بمعنى عود المسواك. كونك تأخذه من أخيك من غير حله بغير حق، هذا في ذمتك، أنت ملزم بإرجاعه بإعادته. إذا كان هذا في عود أراك، فما ظنك بما هو أعظم وأرفع وأهم وأعلى شأنا وأكثر قيمة؟ فلا شك يا عبد الله أنك ملزم لأن حقوق الأموال مصونة لأصحابها، لا يعتدى عليها ولا يعبث بها ولا يتلاعب بها. إذن عليك إرجاع المال ولو قل أو حقر، عظم أو صغر، فإنك ملزم بإرجاعه. قلنا هذا المال ربما أخذت أمرًا معينًا، فتذهب إلى صاحب الشأن، تقول: يا فلان، أنا الذي أخذت، أنا الذي غصبت، أنا الذي نهبت، واستغفر الله. لكن أصارحك بأن هذا الشيء الذي أخذته قد فني أو دمر أو هلك أو ضاع، ما الذي تريد؟ فتتفقان. فإن أراد نفس الشيء، قال: ما أرضى إلا بمثيله. أخذت جوالًا من محلك بهذه النوعية، أريده هو هو أن يرجع، فعلى ما تتفقان. فإذا ما أمكن أن تأتي بالجهاز لعدم وجوده ولصعوبته، فتتفقان. فإذا رضي صاحب الحق أن تعوضه بمال قيمة هذا الجوال، فالقول قوله. قال: إذا لم تأتي لي بهذا الذي أخذته، فلا أقل أن تأتي لي بقيمته. فالحكم حكم صاحب الحق، هو الذي يأتي بما ينفع. وأصل أن تأتي بالعين المسروقة أو المنهوبة أو المكسرة أو المدمرة. فإن لم تستطع، عليها وصاحب الحق عرف أن ذلك من المحال بمكان، فيتفقان على ما يتفقان عليه، على سلعة أخرى أو على مال مقدر، فلا بأس. تأتي مسألة قد يقول بعض الناس: أنا يشكل عليَّ وما أستطيع أن أظهر وجهي لهذا صاحب الحق، لو عرف أني أنا الذي سرقت أو أنا الذي نهبت، أصبحت البلية أعظم مما توقعت. فهنا قال العلماء: أنت لست ملزمًا بإظهار نفسك. فإن استطعت أن ترسل ذلك عبر وسيط، يا فلان، أنا أريدك في خدمة ما، خدمة أنا في أيام شقاوتي وتعاستي أخذت أموالًا بغير حق، وأنا تائب إلى الله جل وعلا، وما يسعفني أن أظهر نفسي عند فلان وفلان، هذا مما يأتي عليَّ بالبلية، فأرجو أن تأخذ هذا الحق وأنت على طريقتك أوصل إلى أهله، إذا نفع ذلك، فهذا لا يضره. بل بعض العلماء يرى أنه ولو أنك بمكتوب أو بريد، مثلًا أخذت من مبلغ معين، سرقت مبلغًا معينًا من صاحب محل، فما استطعت أن توصله بنفسك، ولا تريد أحدًا أن يتعرف عليك، ولا الوسيط، فلا أقل أن تأتي ببريد تضع المال داخل هذه الرسالة والظرف، ثم تكتبه إلى فلان من فلان، هذا مالك أخذ منك، ويرجعه إلى أهله. فتأتي مسألة وهي مسألة مشكلة، بعض الناس إذا تاب الله عليه وأراد أن يأتي إلى الحقوق، ما يجد أصحاب الحقوق، مثل تلك الفتن التي طرأت على مجتمعات المسلمين، ما وقع تكسير المحلات وأخذ ما فيها من متاع ومن أموال ومن نقود، ثم ذهبت الأيام والليالي حتى تاب الله على من تاب، فأراد أن يرجع الأموال إلى أصحابها، فعثر وعثر على أن صاحب المحل قد سافر، ما استطاع أن يستقر في هذه البلاد تحت هذه الأوضاع، فسافر وترك البلاد، والآن المال الذي تريد يرجعه بيدك، أين ستذهب به؟ هنا قال علماء: عليك أن تسأل، بل أوجب العلماء وجوب السؤال، عليك أن تسعى على قدر الإمكان أن توصل المال إلى صاحبه. مثلًا تقول: هذا المال لرجل ليس من بلدي، ذهب إلى بلاد بعيدة، اسأل يا فلان، أنت جار لي صاحب المحل، أين أين بلده؟ تعرف جواله؟ يا فلان، تسعى وتحاول أن توصل المال إلى صاحبه. كما أنك تجشمت العناء في تكسير محله، فتجشم العناء يا عبد الله في إرجاع الحق لأهله بالمثل. وهذا وجوب، تسأل، تسعى، إلى جهة، جوال، تتصل، فلان فلان، حتى تريد أن تصل إلى صاحبه، فترسله إليه. طيب يبقى هناك أمر، وقد يكون هذا أنك تيأس منه، لا أحد يعرفه، رجل غريب عابر سبيل، المهم أو سافر، وما تدري أين خبره، أو أنك فقدت الأمل في رجوعه، فماذا تفعل حينها؟ قال علماء: تأخذ هذا المال وتتصدق به. خمسة آلاف لفلان، لم تجده، لم تعثر عليه، يأست من إيجاده، خذ خمسة آلاف واجعلها في عمل خيري، صدقة. نفقة على أن هذا الأجر يرجع إلى صاحب المال، أي سلك يرجع إلى صاحب المال. هذا إخواني في الله ما تبرأ به الذمة. طيب هذا الذي فعلته، هل هو نهاية المطاف؟ لا، ليس من نهاية المطاف. فلو مثلًا أن صاحب المال رجع بعد فترة، هدأت الأوضاع ورجع صاحب المال، قال العلماء: عليك أن تشعره، لا تقول: أنا تبرعت وانتهى الأمر. لما انتهى الأمر، لا، لا يمنتهى الأمر. فإذا وثاء عثرت عليه بعد فترة، ورجع مثلًا بعد سنوات، تخبره بالخبر: يا فلان، ما لك قد أخذ من فلان أو مني، إذا ما في فتنة، وأنا تبت إلى الله جل وعلا، وقد حاولت أن أعثر عليك، فما استطعت، فتصدقت به، ما ترى؟ لابد أن تستشيره، ما ترى؟ فأنت بالخيار، وهو بالخيار. إن وافقك على ذلك، فالقول قوله. فإن قال: نعم، ما صنعت، واجزاك الله خيرًا، انتهى. إذا قال: لا، لا، لا، ما ينفع، كيف خمسة آلاف تتصدق؟ أنا أريدها لي، ما لي خمسة آلاف، ألعب بها، شغل، وأنه نفق على عيالي، أشياء على تبعاتي، إذن إيش تريد؟ أريد مالي، أريد مالي. يقول: يا أخي، ما لك تصدقت به؟ قال: الله، ما لي دخل. فما الحكم؟ الحكم ما يقوله صاحب الحق. إن أراد المال، وجب عليك يا عبد الله أن تعطيه المال، دبر له أي مبلغ آخر، اعطيه المال والنفقة، ترجع الأجر لك، الأجر سيرجع لك، النفقة بده. إذا كان صاحب الحق رفض الصدقة وما أرادك أن تتصدق عليه، إذن النفقة الذي قد مضت يرجع أجرها لك، ويبقى في ذمتك أن تبحث عن خمسة آلاف أخرى، فتعطيها إياه، فتعطيها إياه. هذا الذي قال به العلماء. بل ليس الأمر في الحياة الدنيا، بل حتى في الآخرة، وهذا الذي صرح به العلماء، حتى في الآخرة، لو أن الغرماء جاءوا يوم القيامة وطالبوك بالمال، كما يقول: يأتي العباد، يقول: يا رب، إن عبدك ظلمنا بمظلمة. فيقول: عبد، يا رب، مال فلان قد تصدقت عنه، قد تصدقت بماله. فهم كذلك يوم القيامة بالخيار، هم يوم القيامة بالخيار. إن رضوا عن صنيعك، فقد مررت من البلاء، وإن لم يوافقوا على صنيعك، فإنهم يأخذون من حسناتك، حتى لو أنك تصدقت بمالهم في الدنيا، وهم يوم القيامة لم يرضوا بالمال، لم يرضوا بنفقتك، وأرادوا حقهم، فإنهم يقتصون من حسناتك. والصدقة التي بذلت على نيتهم، فإن أجرها يرجع إليك يوم القيامة. لكن يا عبد الله، تأمل في عظم البلاء هذا في حق من؟ في حق من امتدت يده على أموال المسلمين، الحرمات معظمة يا عبد الله، لا تستكين، لا تتهاون، لا تتكاسل، لا تتلاعب بأموال المسلمين، أمرها عظيم. كما رأيت هذه فتاوى العلماء، أنت بين نارين، الله أعلم بما ستفعل. ولهذا يا إخواني في الله، السلامة كل السلامة أن لا تدنس يداك بالعبث بأموال المسلمين، ولو قل القليل، ابتعد عنها. هذا يا إخواني في الله مسألة مالية. تأتي مسألة أعظم من هذه المسألة، ومن الحقوق المالية، إذا كانت هذه المسائل الشائكة في حق مال شخصي، في حق محل، في حق دكان، أو أنك قفزت على بيت فأخذت ذهبًا أو أخذت مالًا أو أخذت شيئًا ثمينًا على أهله. إذا كان هذه الأيام العصيبة والمراحل العصيبة تمر عليها في مال شخص واحد، فما ظنك بأكثر من مال شخص، عدة أشخاص، فما ظنك بمجتمع كامل؟ وهذا ما يسمى بالمال العام. المال العام، كيف ستفعل مع هؤلاء؟ إذا كنت يا عبد الله ستبتلى بشخص واحد يكون حجر عثر دون سعادتك في الدنيا والآخرة، فما ظنك بمجتمع بعشرات، بمئات، بآلاف الأشخاص، كلهم تظلموا من فعلك؟ كما نرى في هذه الأزمان، بعض الناس عنده الورع، الورع الكاذب، ويعبر عنه بورع الكلب. الكلب يتورع، ومن عجيب ورع الكلب أنه إذا أراد أن يتبول، ما الذي يفعل؟ يرفع قدمه، لماذا؟ حتى لا يتنجس ببوله. وبعد خطوات ينغمس في المجاري، هو هو هذا ورع الكلب، ينغمس في المجاري إلى حلقه كله مجاري، يمشي عادي. وإذا أراد أن يتبول، يرفع قدمه، يشغر، ثم يتبول حتى لا يتنجس ببوله. هذا يسمى ورع الكلب. فبعض الناس إخواني في الله عندهم مثل هذا الورع الساذج. إذا قيل له: يا عبد الله، محل موجود يكسر، يقول: لا، له، هذا محل فلان مسكين، دعوه. وإذا قيل له: محل حكومي، هجوم، سواء كان مستشفيات أو مراكز الكهرباء والماء أو خدمات عامة كالإنارة وكالإضاءة وكالشوارع، الأمور العامة، تجد أن بعضهم يسيل لعابه عليها، يهجم ويكسر ويخرب. تدخل إلى شوارع مكسرة، إلى إنارات قد طفئت، أصبح الناس في ظلمات، ما الذي بعثر بهذا؟ هذا الذي تلاعب بها، هذا تلاعب بالمال العام. واعلم يا عبد الله أن العبث بالمال العام أعظم عند الله من العبث بالمال الخاص. ولهذا نعلم لماذا أن أمر الغلول أمره أعظم من السرقة. الغلول هو سرقة من مال الغنيمة، لكن أمره أعظم من السرقة العادية. ومن غلَّ يأتي بما غلَّ به يوم القيامة. لما الغلول أمره قد شدد؟ لأن الغلول هو سرقة من مال العام، من مال الجيش، أفراد الجيش لهم حق في هذه الغنيمة، ثم تأخذ أنت هذا المال دون أن يقسم على أهله. فلكثرة الشركاء في هذا المال، كان الغلول أعظم من السرقة العادية، لأن السرقة متعلقة بشخص، والغلول متعلقة بأكثر من شخص. والسرقة واللعب بالمال العام أعظم عند الله سبحانه وتعالى من المال الخاص. فاحذر يا عبد الله من اللعب بأموال المسلمين، ومما له تعلق إخواني في الله بالاعتداء على الأموال، ما يتعلق بأمر الديون. أمر الديون كذلك من الأموال المالية التي ينبغي أن تستوفى لأهلها وأصحابها. أمر الدين، كونك تأخذ متاعًا وأغراضًا بالديون، ثم أنك يا عبد الله بعد ذلك تتهرب من سداد الديون بأي طريقة من الطرق، هذا يا عبد الله ظلم، وهذه مظالم، بل من أعظم المظالم. نبينا عليه الصلاة والسلام كان من شأنه إذا جئته بجنازة وطلب أن يصلي عليها، سأل: «أعليه دين؟» فإن قيل: نعم، ترك. قال: «صلوا على صاحبكم». لما؟ لأن هذا الميت ما تحلل من دينه. الديون من أعظم الحقوق المالية. بل إن نبينا عليه الصلاة والسلام أخبر أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين. الشهيد الذي ليس هناك عبادة منذ عبادته، ضحى بماله، ضحى بنفسه، ضحى بروحه في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمة الله، لكن لما تعلق الذمة بدين، قال: أخبر نبينا أن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين. وقال عليه الصلاة والسلام: «نفس المؤمن معلقة بدينه». فاحذر يا عبد الله، يا من ابتليت بالديون، ونعني بالديون الذي يستدين لكي يتلاعب بديون الناس، يوجد هذا صف من الناس يجعلها شطارة، كأن مثلًا يذهب إلى منطقة غريب فيستلطف أهلها، فإذا أمنوه واستوثقوه واغتروا بصلاح الظاهر، فدخل بمدخل الصلاح أن يستدين منهم: أعطوني رزقًا، تموينًا، يأخذ بالعشرات. فإذا استكثر من هذه المتاع، هرب وفر هاربًا إلى منطقة أخرى، وهكذا. بل بعض إخواني في الله يجحد. وقد رأينا وقد سمعنا بهذا، من يجحد؟ من يأتيك متوسلًا، يشكو الفاق والحاجة وكثرة العيال وكثرة الأمراض والأسقام، فيعطى، يعطى من محب الخير على أنه دين، إذا فرج الله عنك فسدد. فيقول: أبشر، ما هو إلا أيام عديدة وسأعطي وأبذل. تمر الأيام ثم الأشهر، فإذا دق عليه الباب وطول بالدين، يقول: من معي؟ يقول لك: فلان من فلان؟ الذي أعطيتك؟ من الذي أعطيتني؟ وهذا أوجد هذا جحودًا. فأعلم يا عبد الله أن من تلاعب بديون الناس، فأخذ ديون الناس، وهذا أمره، فليعلم أنه معًا، مهما أتى من صلاح، من صلاة وصيام، وأتى من وسائل الفلاح، فإن هذا لا يشفع له عند الله، بل سيقضى عنه. قال عليه الصلاة والسلام: «من مات وعليه دينار أو درهم، قضي من حسناته». وهذا الشاهد، التحلل من المظالم المالية يأخذ من حسناتك، لو كان عليك دين دينار أو درهم، قضي من حسناتك. هذا إخواني في الله المسألة في حق من أخذ أموال الناس على هذا الصنيع، يتلاعب، يعبث بها، يماطل بها. أما من أخذ الديون واستدانة لحاجة، لحاجة خاصة، وكثير من المجتمعات، وخاصة في هذا الأزمان، ممن قلت به النفقة وضاقت عليه سبل المعيشة، فيحتاج ويلتجئ إلى الديون، فهذا لا شيء فيه، الدين ليس فيه شيء، وخاصة من كان محتاجًا. بل إن الله سبحانه وتعالى ذكر أن من صفات المؤمنين أن تنظر المعسر. فهذا لا شيء فيه، لكن الإشكال في الذي يأخذ ديون الناس ويريد ماذا؟ أن يعبث بها. وقد جاء في البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله». فأنت يا عبد الله بين أمرين اثنين، لا ثالثة لهما. إن كان أخذك للديون لحاجة، لحاجة وأنت تعزم على إرجاعه متى ما يسر الله لك، فهذا يعينك الله، «أدى الله عنه»، يعينك الله سبحانه وتعالى. وأما بالعكس، من أخذها تلاعبًا وعبثًا، أو عازم على جحودها ونكرانها، ومن أخذ يريد إتلافها، «أتلفه الله». وجاء كذلك في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «من تحمل من أمة دينا، فجهد على قضائه، فمات، فأنا حجيجه يوم القيامة». أو في رواية: «أنا وليه يوم القيامة». هذا إذا كنت يا عبد الله صادقًا في أخذ الأموال وتريد سدادها وإرجاعها. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.