التحلل من المظالم  1

التحلل من المظالم 1

الدرس في التحلل من المظالم 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية التحلل من المظالم قبل رمضان

يُنصح بالتحلل من المظالم قبل دخول رمضان، حيث أن حقوق العباد مبنية على المشاحة وليس المسامحة. يجب استغلال الفترة قبل رمضان في تصفية الحسابات مع الناس.

تحريم ظلم المسلم وحرمة الاعتداء على الحقوق

يُحذر النبي من ظلم المسلم لأخيه المسلم ويُشدّد على حرمة الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض. الظلم من أكبر الذنوب وقد جاءت الشريعة بتحريمه.

وجوب رد المظالم لأصحابها قبل التوبة

المظالم المتعلقة بحقوق العباد لا يكفي التوبة منها دون رد الحقوق لأصحابها. يجب التحلل من هذه المظالم قبل طلب المغفرة من الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، كنا إخواني في الله في دروس مضت وخلت حول قراءة في متن أصول الجاهلية أو مسائل الجاهلية للإمام العلامة محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى، لكن كما تعلمون إخواني في الله، فنحن قادمون على موسم عظيم، فإن من المناسب أن نتطرق إلى موضوع يتلاءم مع ما نحن عليه قادمون، وإن شاء الله، بإذن الله، ستكون مثل هذه المجالس المباركة نتكلم عن موضوع من المواضيع المهمة. فقد سمعتم إخواني في الله في كلمة سلفت قبل هذا المقام أن مما ينبغي على أهل الإسلام جميعا، وهم مقدمون على شهر عظيم، أن يسارع كل واحد منا أن يرفع كل مانع يمنع من استيفاء صيامه وصلاته وقيامه. فإن من الجهل العظيم ومن الغرور المبين أن تظن يا عبد الله أن ما من عمل ستعمله أنه محفوظ لديك في صحيفة أعمالك، لا يا عبد الله، هناك محبطات الأعمال، هناك ما ترد به الأعمال، هناك ما تنتقض به الأعمال. فوجب إخواني في الله أن نستغل مثل هذه الأيام وهذه الأزمان قبل حلول شهر رمضان أن نتعرف إلى هذه المسائل، وكان من هذه المسائل إخواني في الله مسألة التحلل من المظالم. ونعني بالمظالم إخواني في الله المظالم التي تتعلق بحقوق العباد، والمظالم التي تعلقت بحقوق العباد أمرها عظيم، دل على ذلك شرع الله جل وعلا. روى الإمام البزار رحمه الله تعالى من حديث أنس أنه قال عليه الصلاة والسلام: «الظلم ثلاثة: الظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه الله، الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه الله». أما الظلم الذي لا يغفره الله فهو الشرك، قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾. وأما الظلم الذي يغفره الله فهو ما يكون بين العباد وبين الله تعالى. وأما الظلم الذي لا يتركه الرب أو لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضا. فهذا الحديث إخواني في الله من تأمله يعرف أولا مراتب الظلم، ويعترف كذلك ويقر بأهمية مسألة ظلم العباد بعضهم لبعض، فهذا ظلم لا يتركه الله سبحانه وتعالى، لأن الذمة قد تعلقت بحقوق الآخرين، فلا تبرأ الذمة يا عبد الله إلا أن تستوفي الحقوق إما في هذه الدنيا وإلا كانت الآخرة. فهذا ظلم لا يتركه الله سبحانه وتعالى، يقول سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «إن لقيت الله بسبعين ذنبا فيما بينك وبين الله تعالى لأهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد». قد يقع من العباد ظلم في أنفسهم، وذلك بالذنوب، وذلك بالمعاصي، وذلك بترك الواجبات أو بفعل المحرمات، فهذا ظلم بينك وبين الله سبحانه وتعالى، فهذا عسى أن يغفر الله سبحانه وتعالى لصاحبه، إن الله يغفر الذنوب جميعا. لكن البلية أن يكون هذا الظلم بينك وبين الناس، هنا تكمن المشكلة، هنا تكمن المشكلة، فربنا سبحانه وتعالى من عظيم إنعامه على العباد أن يتجاوز وأن يصفح وأن يعفو وأن يغفر، لكن إذا كان ظلمك يا عبد الله مع العباد فهنا تكمن المشكلة. قال العلماء: حقوق العباد مع الله مبنية على المسامحة، لكن حقوق العباد مع بعضهم مبنية على المشاحة، مبنية على المشاحة. والنبي عليه الصلاة والسلام حرم الظلم بكل صوره، كما جاء من حديث جابر في صحيح مسلم: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». روى البيهقي أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال لجرير ابن عبد الله البجري: قال: «أتدري ما الظلمات يوم القيامة؟ أتدري ما الظلمات يوم القيامة؟» قال جرير: لا أدري، فقال: «ظلم الناس فيما بينهم، ظلم الناس فيما بينهم»، هذا النوع من أنواع الظلم ظلمات يوم القيامة. هذا كله يا عبد الله يجعل نعرف هذه المنزلة وهذه المعصية وهذه المظالم العظيمة التي طاشت أذهان الناس، فنجد أن الكثير منهم اعتدى بعضهم على بعض. إذا كانت المظلمة يا عبد الله في حق كافر لا تجوز ظلم على كافر، لا يجوز، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا من ظلم معاهداً»، المعاهد هو الكافر نصراني أو يهودي، لكنه من أهل الذمة، من أهل الذمة، أو من عهد العهد بيننا وبينهم عهد وميثاق. فيقول نبينا في حق هذا الصنم يا الكفار: «ألا من ظلم كافراً، ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيء بغير حق فأنا حجيجه يوم القيامة»، الله أكبر، حجيج عن هذا المعاهد قد يكون نصراني، قد يكون نصراني، فإذا ظلمت معاهداً، انتقصته، كلفته فوق طاقته، أخذت منه شيء بغير وجه حق، قال عليه الصلاة والسلام: «فأنا حجيجه يوم القيامة»، إذا كان هذا يا عبد الله في حق معاهد نصراني أو يهودي، فما ظنك بمسلم؟ ما ظنك بظلمك لإخوانك المسلمين؟ فالأمر أعظم، الأمر أشد، الأمر بلية ما بعدها بلية. فما ينبغي لأحد إخواني في الله يرعاكم الله أن يتساهل في تأدية حقوق الآخرين، فضلاً أن يعتدي عليها، والحقوق المتعلقة بالآخرين هي كثيرة، ولكن تقول إلى مسائل ثلاث: الدماء والأموال والأعراض، الدماء والأموال والأعراض، جاء ذلك مصرحاً عن نبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، منها ما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام». فدل ذلك على أن هذه المسائل الثلاث تعتبر هي الخطوط العريضة التي ما ينبغي لأحد من المسلمين أن يتجاسر في الاعتداء عليها أو أن يعبث بها أو أن يدن منها أو أن يتلاولها بغير وجه الحق: الدماء والأموال والأعراض. وقد جاءت الشريعة وسمت الاعتداء على أحد الأمور الثلاثة سمته ظلم، فالاعتداء مثلاً على أموال الناس: سرقة، غصب، نهب، تكسير، تخريب، اختلاس، رشاوى، كونك تعتدي على أموالهم هذا يسمى ظلم، سمته الشريعة ظلم. لهذا ربنا جل وعلا قال لما ذكر مسألة السارق: قال: ﴿السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله﴾، ثم قال ربنا جل وعلا في حق من تاب عن ذلك: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح﴾، أي ظلم السرقة، فدل ذلك على أن أخذ أموال الناس يسمى ظلم، وهذه مظلمة، وهذه مظلمة. وأيضاً كذلك ما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «من أخذ أو اقتطع قيد شبر من أخيه طوِّقه من سبع أراضين»، قيد شبر، أخذت أرض من إخوانك، من جيرانك، من أهلك، أو من قبيلتك، ولو مقدار الشبر، سماه نبينا أن هذا الأخذ ظلم، فأخذ من أموال الناس إخواني في الله يعد من المظالم، يعد من المظالم. وهكذا قل يا عبد الله فيما يتعلق بالأخذ والانتهاك لدمائهم، سواء كان قتل بسفك دماء، إزهاق الأرواح، ويدخل في ذلك الضرب، يدخل في ذلك إسهال الدم، ولو كان أمراً يسيراً، هذا يعتبر ظلم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾، ومن قتل مظلوماً، إذا انجلت ذلك، إذا كان المقتول مظلوماً، إذا ماذا يسمى القاتل؟ ظالم، فالقتل ظلم، ومن أعظم صور الظلم. والأمر الثلاث إخواني في الله الشريعة سمت الاعتداء على الأعراض سمته ظلم، والاعتداء على الأعراض إخواني في الله قد يكون غيبة، نميمة، كذب، بهتان، القذف في دينه، القذف في خلقه، الغمز، اللمز، الطعن، السخرية، الاستهزاء، كل ذلك يدخل في التطاول على الأعراض، والتطاول على الأعراض يا عبد الله ظلم، وهي مظلمة. يؤيد هذا ما جاء في الحديث الصحيح عندما أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بإخراج الزكاة، فجاء من جاء إلى نبينا صلى الله عليه وسلم وقال: «يا رسول الله منع ابن جميل وخالد ابن الوليد والعباس»، أي هؤلاء الثلاثة منعوا من إخراج الزكاة، الحاصل، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «أما خالدًا فإنكم تظلمون خالدًا، فقد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله»، أي كيف تقولون أن خالد منع الزكاة وأمواله وأسلحته وعتاده وعدته كلها وقف، جعلها وقف سبيل الله، فكيف يمنع الزكاة؟ الشاهد ماذا قال نبينا؟ قال: «إنكم تظلمون خالدًا»، أين جاء الظلم؟ جاء الظلم عندما أسيئ به الظن، عندما أسيئ به الظن، قال: «إنكم تظلمون خالدًا»، فدل ذلك على أن من أساء الظن بإخوانه بجماعة المسلمين فإن ذلك ظلم، فما هو أرفع منه؟ من باب أولى؟ القذف، الشتم، اللعن، السب، الاستهزاء، الغمز، اللمز، كل ذلك كذلك من المظالم. إذن إخواني في الله فنعلم أن المظالم عظيمة، وأعظم المظالم يا عبد الله ما تعلقت بحقوق العباد، وأعظم ما تكون من حقوق العباد كل ما تعلق بدمائهم أو أموالهم أو أعراضهم. طيب هذه المسألة الثلاثة ما الذي ينبغي إزاءها؟ ها هو رمضان داخل على الأبواب، هل يكتفي واحد منا أنه يبقى في الصف الأول ويحرص على الصلاة وعلى السنن القبلية والبعدية ويقبل على كتاب الله جل وعلا، وربما رفع أكف الضراعة وقال: يا رب يا رب؟ هل هذا يستحق أن يغفر له؟ لا يا عبد الله، هذا ليكون عرض لمغفرة الله. لماذا؟ لأنه تلبس بمظالم، تلبس بمظالم، لن تستوفي التوبة نصيبها إلا إذا قام صاحب المظلمة بإرجاع المظالم إلى أهلها، فإن ردها إلى أهلها، بعد ذلك يسأل الله سبحانه وتعالى المغفرة والرحمة. أما أنه وقد تلطخت يداه بدماء المسلمين، وتلطخت بإزهاق أرواح الناس، ثم بعد ذلك يطلب المغفرة، ما يمكن هذا. أو أنك يا عبد الله قد ملأت بطنك وأصبح تتمتع في هذه الدنيا بأموال المسلمين، نصبت واختلست وسارقت وخربت ودمرت وأخذت من أموال بغير حلها، وها أنت تتمتع في هذه الدنيا بأموال غيرك، ثم تقول: يا رب يا رب، كما قال عليه الصلاة والسلام: «رب رجل أشعث أغبر يطيل السفر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» كيف يستجاب لهذا؟ وعلى هذا الحال لاستجاب لا في دنيا ولا في الآخر يا عبد الله. وهكذا قس حق من لاكت لسانه بأعراض المسلمين والمسلمات، ما يسكت أبدا، يبث الإشاعات، يأتي بالأكاذيب، يأتي بالأراجيف، لربما أفسد بين الأسرة الواحدة، لو ربما أفسد في الدعوة الواحدة، لو ربما أفسد بين مجتمعات المسلمين، زرع بينهم الكذب والإحن والخصومات والشحناء بما يبثه بما يبث من فتن وشرور، يتكلم أعراض المسلمين بغير وجه حق، ثم بعده يقول: يا رب يا رب، لا يا عبد الله. حقوق العباد مناطة على ذمتك، فاحفظ يا عبد الله هذا يا من أقبلت على رمضان، لا تظن أن يقول: يا رب اغفر لي ما أسلفت وما قدمت وما أخرت، ما ينفعك هذا وأنت متلبس، ما الذي عليك؟ عليك أن تتحلل. روى الإمام البخاري في صحيحه، وجاء كذلك من حديثه من ترمذي في سننه، قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت عنده مظلمة لأخيه»، وفي رواية عند الترمذي: «من عرض أو مال»، وفي رواية: «من عرض أو شيء»، أي شيء من المظالم: دماء، أموال، أعراض، من كانت لأخيه عنده مظلمة، فليتحلل منها اليوم، هذا الواجب. وقد اتفق العلماء اتفق العلماء على أن التوبة إذا كانت متعلقة بحق آدمي ينبغي أن تستوفي الحقوق لأهلها يا عبد الله، فإن فعلت ذلك فقد برئت الذمة، ترجع الحقوق لأهلها، وهذا إخواني في الله بإذن الله، وهذه مقدمة لما سيأتي من دروس متعلقة بهذا الباب المهم. إذ أننا في هذه الأزمان، وخاصة في هذه البلاد التي ابتليت بالفتن، فتن توالت على المجتمعات، فأصبح الكثير من الناس يسير بلا شعور، وأول ما تدب الفتنة تجد أن بعض الناس يموج على بعض، ذاك بسرقة، وذاك بنهب، وذاك بتكسير، وذاك بتخريب، وذاك بلسانه السب واللعن والكذب والأراجيف، وخاض الناس في حقوق بعضهم بعضا. فإن شاء الله بإذن الله فيما سيأتي من الدروس نبين إخواني في الله ما يتعلق كيفية التحلل من هذه الحقوق الثلاثة: الدماء، كيف يكون التحلل منها؟ لها صور، لها ضوابط، لها قيود، التحلل من الأموال، رجل يقول: ها أنا تائب، ما الذي علي أن أفعله؟ قد يقول: أنا نسيت، قد يقول: أنا ما أستطيع، قد يقول: أنا ما أدري، ما الذي ينبغي أن يفعل لمن اقتحم أموال الناس وأراد أن يتحلل منها؟ أو كذلك من وقع في أعراض المسلمين والمسلمات، ما الذي ينبغي عليه أن يتحلل منه؟ فإن شاء الله إخواني في الله تستغل هذه الليالي قبل دخول رمضان في الذكر الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، ومن أقوال علمائنا من المتقدمين ومن المعاصرين حول كيفية التحلل من هذه المظالم الثلاث. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، أن نسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.