كتاب النكاح من صحيح البخاري 87

كتاب النكاح من صحيح البخاري 87

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 87، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سؤال عمر بن الخطاب عن خبر طلاق النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه

يروي عمر بن الخطاب رضي الله عنه سماعه شائعة طلاق النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه، فتوجه للتحقق فوجد النبي معتزلاً في مشربة واستأذن ثلاثاً حتى أذن له. سأله مباشرة فنفى النبي الطلاق، فكبر عمر وفرح، وذكر الفرق بين نساء قريش والأنصار في مراجعة الأزواج.

زهد النبي ﷺ وتقديم الآخرة على الدنيا في حديث عمر بن الخطاب

يروي المقطع دخول عمر بن الخطاب على النبي ﷺ ورؤيته لزهده في الدنيا، فطلب من النبي ﷺ الدعاء بالتوسع على الأمة كما وسع على الفرس والروم. رد عليه النبي ﷺ بأن أولئك عجلت لهم طيباتهم في الدنيا، وأن الآخرة عند الله للمتقين، محذراً من الاغترار بزينة الحياة الدنيا.

اعتزال النبي لنسائه وحكم الإيلاء وآية التخيير

يشرح المقطع سبب اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً بسبب حلف (إيلاء) وتفصيل أحكام الإيلاء المطلق والمقيد. ثم يذكر نزول آية التخيير في سورة الأحزاب التي خيّرت فيها النساء بين الدنيا والآخرة، فاخترن جميعاً البقاء مع النبي.

خاتمة الدرس والإشارة إلى فوائد الحديث في الدرس القادم

يختتم المتحدث الدرس الحالي مشيراً إلى أن فوائد الحديث المذكور ستُذكر في الدرس اللاحق. ويختتم بقوله: والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: أخذنا في الدرس الذي مضى في باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها. ذكر المؤلف في حديث عبد الله بن عباس: «لم أزل حريصًا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام اللتين قال الله عز وجل: ﴿ إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾». ثم أخبر عمر رضي الله عنه ابن عباس، فقال: «وعجبًا لك يا ابن عباس، هما عائشة وحفصة». ثم استقبل عمر الحديث يسوقه. وصلنا عند قوله: قال عمر: «وكنا قد تحدثنا بعد ما أخبر أنه كان يتناوب مع الأنصار، فإذا خرج جاء بخبر النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار، وإذا خرج الأنصار جاء إلى عمر بخبر النبي عليه الصلاة والسلام وما قال». قال عمر: «وكنا قد تحدثنا أن غسانًا تنعل الخيل لغزونا». تنعل الخيل: أي تجهز الخيل. فنزل صاحب الأنصار يوم نوبته — أو يوم نوبته — فرجع إلينا عشاء، فضرب بابي ضربًا شديدًا، وقال: «أثم أنا؟ هل موجود؟» قال: ففزعت، فخرجت إليه، فقال: «قد حدث اليوم أمر عظيم». أنا يقول الأنصار: «قد حدث اليوم أمر عظيم». قلت: «ما هو؟ أجاء غسان؟» قال: «لا، بل أعظم من ذلك وأهول». أنا حتى جعله أعظم وأهول من مجيء غسان. قال: «طلق النبي عليه الصلاة والسلام نساءه». طلق النبي عليه الصلاة والسلام نساءه. عن الأنصار لم يتأكد من الخبر، وإنما أخذ من كلام من سمعه، وكان بعض الصحابة يظن أن النبي عليه الصلاة والسلام طلق نساءه واعتزلهم. وفيه أن مثل هذه الأمور الكبيرة ينبغي أن يتحقق منها الشخص، ولو كان الرجل ثقة، لكن هناك أمور تحتاج إلى تثبت أكثر؛ لأن أحيانًا تكون شائعات، وينقل الشخص شائعة — أي شيء شاع بين الناس — ينقله على أنه حقيقة. قال عمر: «فقلت: خابت حفصة وخسر، قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون». فجمعت علي ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي عليه الصلاة والسلام. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام مشربة له، فاعتزل فيها. والمشربة كما قلنا: هي الغرفة التي تكون في أعلى، أن تكون على شجرة أو على جبل، فتسمى مشربة. قال: «ودخلت على حفصة، فإذا هي تبكي». فقلت: «ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟» أطلق كنا النبي عليه الصلاة والسلام. معنى أن عمر كما تقدم: معنى أنه حذر حفصة أن تغاضب النبي عليه الصلاة والسلام، ولو فعله بعض أزواجه. قال لها: «لا تقتر بذلك، لا تغضبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أدراك أن الله يغضب لغضب رسوله فتهلكي». فهذه موعظة الرجل ابنته، يعظها حتى لا تتجرأ على زوجها، وخاصة أن زوجها هو النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: «ألم أكن حذرتك هذا؟» أطلق كنا النبي عليه الصلاة والسلام. قالت: «لا أدري، ها هو ذا معتزل في المشربة». قال: «فخرجت، فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم». فجلست معهم قليلًا، ثم غلبني ما أجد. وما صبر عمر رضي الله عنه يريد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أو يكلمه. قال: «فجئت المشربة التي فيها النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر». قال: «فدخل الغلام فكلم النبي عليه الصلاة والسلام، ثم رجع، فقال: قد ذكرتك له فصمت». فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر. ثم غلبني ما أجد، فجئت فقلت للغلام: «استأذن لعمر». فدخل، ثم رجع، فقال: «قد ذكرتك له فصمت». فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر. قال: «ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فقلت: استأذن لعمر». قال: «فدخل، ثم رجع إلي، فقال: قد ذكرتك له فصمت». والنبي عليه الصلاة والسلام كان من سنته أن الإنسان يستأذن ثلاثًا، فإن أذن له وإلا رجع. قال: «فلما وليت منصرفًا، إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي عليه الصلاة والسلام». قال: «فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو متكئ على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش». الحصير معروف: الذي يصنع من سعف النخل. فكان النبي عليه الصلاة والسلام متكئًا على حصير، قد أثر الرمال بجنبه، متكئًا على وسادة من أدم حشوها ليف. أدم: من جلد، وحشوها من الليف، وهو شيء يشبه القطن. قال: «فسلمت عليه، ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟» هذا هو السؤال سعى له عمر. فقال: «يا رسول الله، طلقت نساءك؟» فرفع إلي بصره، فقال: «لا». قال: «فقلت: الله أكبر». قال: «ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله، لو رأيتنا وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم». تقدم معنى هذا الكلام: معنى أن المرأة لا تستطيع أن تراجع زوجها. معنى في قريش: كانت المرأة لا تستطيع أن تراجع زوجها لإجلالها وإكرامها لزوجها، ولهذا مدح النبي صلى الله عليه وسلم نساء قريش. وكان نساء الأنصار يرددن على أزواجهن ويراجعنهم في بعض المسائل. قال: «لو رأيتنا وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم». فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قلت: «يا رسول الله، لو رأيتني ودخلت على حفصة، فقلت لها: لا يغرنك إن كانت جارتك أوضع منك وأحب إلى النبي عليه الصلاة والسلام» — يريد عائشة. فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام تبسمة أخرى. كان عمر يريد أن يسلي النبي عليه الصلاة والسلام ويذهب ما به من هم أو حزن، فكان يذكر له هذه الأشياء. قال: «فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام تبسمة أخرى، فجلست حين رأيت تبسمه، يعني: كأنه ارتاح لحديثي، يعني كان قائمًا يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أحدًا أن يحدثه، فلما حدثه ورآه يبتسم جلس». قال: «فرفعت بصري في بيته، أي في هذه الغرفة، فوالله ما رأيت في بيته شيئًا». قال: «فوالله ما رأيت في بيته شيئًا يرد البصر، غير أهبة ثلاثة». معناها: مثل ما نسميه قفة، القفة التي يوضع فيها الطعام، كانت معلقة. أهبة ثلاثة معلقة في هذه المشربة. فقلت: «يا رسول الله، ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارسًا والروم قد وسع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله». أن وسع عليهم في الرزق: الله عز وجل أعطاهم رزقًا كثيرًا وغنى، عندهم أموال. ولهذا لما فتحت فارس والروم، اغتنم أو غنم المسلمون غنائم عظيمة وكثيرة، وشيئًا لم يروه قبلًا من كثرة الذهب والفضة، وكذلك غيرها من أمور الدنيا ومتاعها. فقال: «يا رسول الله، ادع الله فليوسع على أمتك، فإن فارسًا والروم قد وسع عليهم وأعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله». فجلس النبي عليه الصلاة والسلام، وكان متكئًا. وجاء في رواية: أن عمر لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، رأى أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أثر الحصير على جنبه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام — أو قال عمر: «يا رسول الله» — وبكى. بكى عمر. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا عمر؟» قال عمر: «هذا يا رسول الله، فارس والروم يتنعمون بالأموال، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم». فقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا». وهذا ينبغي لكل مسلم أن يضعه في نفسه. فبعض الناس الآن يقول: أولئك كفار وعندهم أموال، ونحن أهل إسلام ما عندنا مال. وهذا الذي أوقع كثيرًا من الناس، حتى بعضهم ترك الدين، يقول: «أنا فقير، لما كنت مسلما، ولما مثلا ذهبت إلى الدين الفلاني صرت غنيا». معنى نظره: نظر الدنيا. وهكذا كان يقول ذلك الزنديق الراوندي: «كم من عالم عالم أعيت مذاهبه، وكم من جاهل جاهل تلقاه مرزوقا». هذا الذي جعل الأذهان حائرة، وصير العالم النحرير زنديقًا. وهذا لأجل أنه لم يتعلق بالله قلبه، وإنما تعلق بالدنيا. فأهل الدنيا هم الذين ينظرون إلى هذا. الله عز وجل قال لنبيه: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴾. يعني: لا يغرنك تقلبهم، أي بالنعم التي عندهم من الأموال وغيرها. لا تغتر بهذه الأموال، إنما كما قال: ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾. ومتعهم في هذه الدنيا، ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ. فمعنى الدنيا للكفار: هذه ليس لهم شيء في الآخرة، فلذلك يعطيهم الله عز وجل الأموال وغيرها. حتى قال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ — أي في الكفر — ﴿ لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾. عندهم سقوف من فضة ومعارج، بيوت كبيرة، معارج عليها يظهرون. ﴿ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ﴾. ﴿ وَزُخْرُفًا ﴾ — أي من كل الزخرف. ﴿ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. فلا ييأس العبد، ولا ييأس، ولا يحزن إذا لم يعطيه الله عز وجل مالًا، وصار فقيرًا من الفقراء. فإن هذه الدنيا مارة، وإن العبد إذا صبر على دين الله جل وعلا، فإنه يوم القيامة يغمس غمسة في الجنة فينسى ذلك كله. فما جاء في الحديث الذي يخرجه مسلم: «يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة». بأبأس: معنى كان بئيسًا جدًا، فقيرًا، ما عنده شيء. بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة، فيغمس في الجنة غمسة واحدة، فيقول الله عز وجل له: «يا فلان، أرأيت بؤسًا قط؟» فيقول: «لا يا رب». قال: «وهل مر بك بؤس قط؟» فيقول: «لا يا رب». معنى: نسى ذلك كله الذي حصل في الدنيا بمجرد غمسة في الجنة. قال: فيقول: «ما مر بي بؤس قط، ولا كنت في بؤس قط». فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: «فقال: وفي هذا أنت يا ابن الخطاب؟» أنا: أنت في شك. ما جاء في الروايات الأخرى: «هل تشك في هذا الدين، وأن الله عز وجل أعطاهم الأموال وأعطاهم كذا من متاع الدنيا؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم». الله عز وجل أعطاهم الطيبات في الدنيا، وأما في الآخرة فلهم العذاب. فعجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: «يا رسول الله، استغفر لي». معناه: من هذا الكلام الذي قلته. قال: «ثم اعتزل النبي عليه الصلاة والسلام نساءه من أجل ذلك الحديث، حين أفشته حفصة إلى عائشة». بتسع وعشرين ليلة. أنا الحديث في مسألة العسل وغيره، وقيل غير ذلك. قال: «وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا». وهذا يسميه العلماء الإيلاء. يسميه العلماء الإيلاء، وهو الحلف على أن لا يأتي زوجته شهرًا. فالنبي صلى الله عليه وسلم اعتزل عنهن، فلم يأت إلى غرفة أحداهن. قال: «فقال: لا، آلي أن لا أدخل عليهن شهرًا». من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله — أنا في سورة التحريم. قال: «فلما مضت تسع وعشرون ليلة». لما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل على عائشة، فبدأ بها. فقالت له عائشة: «يا رسول الله، إنك كنت قد أقسمت — أي بالله عز وجل — ألا تدخل علينا شهرًا». وهذا كما قلنا هو الإيلاء، لكن هذا إيلاء مؤقت. والإيلاء الذي ذكره الله عز وجل في القرآن إيلاء مطلق: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. ومعنى الإيلاء: أن يحلف على أنه لا يأتي زوجته. فإذا حلف أيامًا، فإن وفى بهذه الأيام ليس عليه كفارة. وإن لم يفي بهذه الأيام، فعليه كفارة. إذا قال مثلًا: «والله لا آتي زوجتي ثلاثة أيام»، ثم أتاها في اليوم الثاني، فهذا يكفر عن يمينه. وأما إذا أطلق، فقال: «والله لا آتي زوجتي» أو «زوجاتي»، ولم يقيدها بشيء، فهذا يجلس أربعة أشهر، يتربص أربعة أشهر. بعد الأربعة أشهر يوقفه القاضي، يوقفه القاضي فيقول له: إما أن ترجع، وإما أن تطلق. فإذا رجع، فإنه يكفر كفارة يمين. وإن عزم على الطلاق، فإنه يطلق، ويجبره القاضي: إما أن يرجع عن هذا الحلف، وإما أن يطلق. فهذا حكم الله عز وجل في هذه القضية. أما إذا قيد الإيلاء، قال مثلًا: «والله لا آتي زوجتي مثلا كذا وكذا»، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم: أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا. أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا. فلذلك قالت عائشة: «يا رسول الله، قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة». أعدها عدًا. أنا: عائشة كانت تعد هذه الليالي لمحبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عليه الصلاة والسلام: «الشهر تسع وعشرون». معناها: لو قال إنسان: «والله لا أفعل كذا شهرًا»، ثم لم يفعله تسعًا وعشرين، فهذا يكفي؛ لأن الشهر إما أن يكون تسعًا وعشرين، وإما أن يكون ثلاثين يومًا. فلذلك جلس النبي عليه الصلاة والسلام تسعًا وعشرين ليلة. فلما أصبح صباح تسع وعشرين، دخل على عائشة. قال: «فكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلة». قالت عائشة: «ثم أنزل الله تعالى آية التخيير». وهذا قول. قالت عائشة: الظاهر أنه ليس من كلام عمر، وإنما هو من كلام ابن عباس. قال: «ثم أنزل الله تعالى آية التخيير، فبدأ بأول امرأة من نسائه». وهي قول الله عز وجل في سورة الأحزاب: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾. فخيرهن النبي عليه الصلاة والسلام، وبدأ بعائشة، فقالت: «فاخترته». ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة. والنبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه رسول الله، إلا أنه كان فقيرًا، ما عنده أموال. فلذلك خير نساءه: إن أرادوا الدنيا وأرادوا الأموال وأرادوا الطعام وكذا، فسيصرحهن إلى أهلهم. وإن كن يردن الله ورسوله — أي فيصبرن على هذه العيشة التي كان يعيشها النبي عليه الصلاة والسلام. لهذا قال الفقهاء، أخذا من هذا: أن الرجل الفقير الذي لم تصبر، أو لا تستطيع المرأة أن تصبر على فقره — أنا: ليس فقير مثلًا عنده طعام يومه، هذا ليس فقيرًا. أنا: يأكل فطورًا أو الصباح، ويأكل غداء، ويأكل عشاء، هذا ليس فقيرًا. لكن الذي قد يكون يعدم هذه الأشياء، أو قد يكون عنده وجبة واحدة في اليوم. فإذا لم تصبر المرأة على ذلك الجوع مثلًا، تجوع كثيرًا ولا تجد طعام، فهل لها أن تخرج من هذا البيت؟ نعم، لها أن تخرج، حتى يأتي مثلًا يسر عند زوجها فترجع إليه، أو أنها تصبر وهو أفضل: أنها تصبر على ما يكون من حال زوجها، ويدعون الله عز وجل، فلعل الله عز وجل يفرج عنهم. فإذا أرادت مثلًا تذهب إلى أهلها، تذهب، وتخير في ذلك. تخير في ذلك: إن أرادت أن يطلقها زوجها طلقها، وإن لم ترد الطلاق، وإنما تريد فقط أنه معنا في فترة من هذه الفترات ما عنده طعام وما عنده مال، فتريد أن تذهب إلى بيتها حتى يسر الله عز وجل له المال فتأتي إليه، فهذا لها ذلك. قالت عائشة: «ثم أنزل الله تعالى آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فاخترته، ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة». فهذا الحديث، كلهن — إن شاء الله — فيه بعض الفوائد نذكرها في الدرس اللاحق. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.