يستهل الشيخ سلسلة دروس فقه الابتلاء ببيان أن الابتلاء سنة إلهية حتمية يمتحن الله بها المؤمنين بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات ليميز الصادقين من الكاذبين. ويوضح أن الابتلاء بالخير والشر رحمة تمنع العباد من الطغيان والعتو، وأن حماية الله لعبدِه من الدنيا دليل محبته له.
يبيّن المقطع أن الابتلاء رحمة إلهية لحماية العبد من الطغيان الذي تجلبه النعم، فيرده إلى الله تضرعاً واستكانة، ويكفر عنه الخطايا كما يتحات ورق الشجر. ويستدل بالآيات والأحاديث على أن المحن مقصودة لرجوع العبد إلى دينه ونيل مغفرة ربه.
يبيّن المقطع أن كل ما يصيب المسلم من نصب أو مرض أو هم يكفر الله به خطاياه، مستدلاً بأحاديث صحيحة وآيات قرآنية. وينهى عن سب الأمراض كالحمى والسرطان وكورونا لأنها من قضاء الله وقدره وتمحو الذنوب، داعياً إلى حسن الظن بالله وتدقيق الألفاظ.
يختتم الشيخ بدعاء أن يبصرهم الله في دينهم ويجعلهم من الصالحين، ويذكر عنوان الدرس "فقه الابتلاء" للشيخ أبي همام عبد الله ما سعد. ويؤكد على أهمية التمسك بفقه الابتلاء في حياة المسلم.
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ فقه الابتلاء للشيخ الفاضل أبي همام عبد الله ما سعد، المدرس بدار الحديث بالشحر فقه الابتلاء إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ أما بعد، أيها الإخوة الكرام المستمعون، نحييكم بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عباد الله، فهذه دروس إن شاء الله تعالى نبتدئ بها من هذا الدرس، وهو الدرس الأول في فقه الابتلاء. عباد الله، فإن محبة الله تبارك وتعالى تتمكن من القلوب وتنمو وتربو وتزداد بالاطلاع على كتاب الله عز وجل، وبالنظر إلى سنن الله تبارك وتعالى في خلقه، وبالنظر إلى الحكم والغايات المتغلبة على القضاء والقدر، وكذلك بفقه ما جاء في كتاب الله جل وعلا، وما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا المقام، إن شاء الله تعالى، نأخذ بعض الآيات وبعض الأحاديث التي تبين كيف يبتقي المسلم البلاء إذا جاءه من الله سبحانه وتعالى. فإن العبد لا بد أن يبتليه الله عز وجل في الحياة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾. ويقول ربنا سبحانه وتعالى كذلك: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾. فلهذا، عباد الله، فإن الله عز وجل يبتلي عباده بالخير والشر: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾. فلهذا، عباد الله، فإن الله سبحانه وتعالى لو جعل العباد على العافية وعلى عدم الابتلاء لطغوا في هذه الأرض، فيقول ربنا جل وعلا: ﴿ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾. أفادت هذه الآية الكريمة المباركة، وكتاب الله عز وجل كله كريم مبارك، أن الله سبحانه وتعالى إذا عاف الناس في أبدانهم وعافاهم في أموالهم وذرياتهم، تمادوا في الغي واستمروا في الظلم والعتو والفجور. ولكن يكسر العبد حتى تقف مسيرته، الفاجر إلى فجوره، ويمرض حتى تنقطع أعماله في اغتراف المآثم والجرائم، فيبتلي الله عز وجل عبده لوقف مسيرة الطغيان التي هو فيها سائر. أو في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد من حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله عز وجل ليحمي عبده من الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب وأنتم تحبونه». فكما أن مريضك يتطلع إلى الطعام الشهي وإلى الشراب الهنيء، وأنت تعرف ذلك تمام المعرفة، لكن تمنعه من طعامه وتمنعه من شرابه، ليس كراهية له، إنما محبة له وحفاظاً عليه. كذلك ربكم سبحانه جل وعلا، وله المثل الأعلى، يحمي عبده من الدنيا وهو يحبه، حتى لا يقع هذا العبد فيما حرم الله تبارك وتعالى، وفيما نهى عنه. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع». أخرجه الإمام أحمد رحمه الله. وكلّكم قد علم أن مزيد النعم تحمل على مزيد من الطغيان، وأن الابتلاءات ترد العبد إلى ربه رداً جميلاً. أما كون النعم تحمل على الطغيان، فقد تضافرت بذلك الآيات والأحاديث. قال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ﴾. وقال سبحانه جل وعلا: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ﴾. فجرت سنة الله في الخلق على أنهم إذا أمدوا بالعافية والمال والجاه والولد، بدأوا في الطغيان والتطاول على الخلق، فيبتليهم الله عز وجل بالبلية، بلاء تلو بلاء، لإرجاعهم إلى طريقه. قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾. أي: لعلهم يضرعون. فقوله جل وعلا: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾، وقوله في آية الأعراف: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾، أي: لعل كفوا الضراعة منهم ترتفع إلى الله جل وعلا، وترجوه وترغب إليه وتلجأ. وقال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾. فيفترض أن العذاب والبلاء يحدثان استكانة لله رب العالمين، وتواضعاً لله، وتضرعاً لله سبحانه وتعالى. ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾، لعلهم يرجعون، لعلهم يتذكرون هذا الأمر. وكذلك جاء في البخاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في شأن كفار قريش: «اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف»، ذلك حتى يرجعوا إلى دينهم. فليستفيد من ذلك كله أن من أجل المقاصد، أن من أجل مقاصد البلاء وأعظمها، أن يرجع الشخص إلى دينه. فأستفيد أنا وأنت، أيها المسلم، من البلاء أن نستكين لربنا، وأن نرجع إليه، وأن نغنم من هذا البلاء رجعة وأوبة إلى الله تبارك وتعالى، وكذا نغنم استغفاراً. فالحكم والغايات من وراء الابتلاءات والمحن كثيرة جداً، لا يعلم أمدها ولا مداها إلا الله تبارك وتعالى. فمن أجل مقاصد تلك الابتلاءات التي تحل بنا، أن نخرج منها وقد تحاتت عنا الذنوب والخطايا كما يتحات ورق الشجر. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم، من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي سعيد، قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بذلك من خطاياه». وكذلك في البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها، قال عليه الصلاة والسلام: «إلا تحاتت عنه خطاياه»، أي: تساقطت عنه خطاياه كما يتحات ورق الشجر. ولما نزل على رسولكم محمد عليه الصلاة والسلام قوله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾، لما سمع الصحابة رضي الله عنهم هذه الآية، اشتكوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أصابهم من الهم، وقالوا: أينا لم يعمل سوءاً يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أبشروا وسددوا وقاربوا». ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة لذنوبه. وفي الحديث الآخر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر رضي الله عنه، لما شكا بشكوى مماثلة، وهذا الحديث والآخر كلاهما جاء بأسانيد صحيحة. لما نزلت هذه الآية: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾، قال أبو بكر: يا رسول الله، وأينا لا يعمل سوءاً؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تتعب؟ ألست تصيبك الأواء؟» أي: أن كل ذلك تكفر به الخطايا وتمحى به الذنوب. ولا يخفى عليكم أن نبيكم محمداً عليه الصلاة والسلام كان يبتل ابتلاء أضعاف أضعاف ما يبتل به غيره. دخل عليه ابن مسعود كما جاء في البخاري ومسلم، رضي الله عنه، أي: عبد الله بن مسعود، دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد وعك وعكة شديدة، أي: مرضاً، وجاءت حمى شديدة. فقال عبد الله بن مسعود لرسول الله: «أراك يا رسول الله يضاعف عليك البلاء، أذلك بأن لك أجرين؟» قال: «أجل، إن معشر الأنبياء يضاعف لنا الأجر كما يضاعف لنا البلاء». وتعلمون كذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل على امرأة يقال لها أم السائب، وهي تشتكي الحمى وترتجف ويرتجف جسمها. فقال لها: «ما لك يا أم السائب، تزفزفين؟» قالت: يا رسول الله، الحمى، لا بارك الله فيها. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبِّي الحمى، فإنها تذهب بخطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد». فأخذ من هذا أن الأمراض لا تسبوا، فإنها كفارات. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا الحمى، فإنها تذهب بخطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديث». ولهذا، عباد الله، ذكر العلماء أنه يستفاد من هذا الحديث أن العبد لا ينبغي له أن يسب المرض الذي يجيئه، لأن هذا المرض إنما يمحو الله به خطاياه. فالذي يطلقه الأطباء، والذي يقول مثلاً أو يسب مرضاً مثل ما يسب كثير من الناس هذا المرض الذي يسمونه الكورونا أو الوباء، فإنه لا ينبغي أيضاً كذلك أن يسب، لأنه من الله سبحانه وتعالى. فلهذا أيضاً كذلك ما يطلقه الأطباء على مرض السرطان، عافانا الله وإياكم منه، إنه مرض خبيث، لا ينبغي أن يطلق هذا الإطلاق، وذلك لأن السرطان شأنه كشأن غيره، بل شأنه لشدته أعظم من شأن غيره في محو الخطايا وإزالة الذنوب. ينبغي أن ندقق، أيها الإخوة، في الاصطلاحات التي نطلقها، حتى لا تتضمن وصفاً لشيء بعكس ما هو فيه، وحتى لا تتضمن اعتراضاً على قضائه وقدره. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يبصرنا في ديننا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين. ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ فقه الابتلاء فقه الابتلاء فقه الابتلاء للشيخ الفاضل أبي همام عبد الله ما سعد، المدرس بدار الحديث بالشحر فقه الابتلاء