تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 10

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 10

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مشروعية الاعتكاف وشروط مكانه

الاعتكاف مشروع ولزوم المسجد طاعة لله، ويشترط أن يكون في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس مع استثناء مساجد الطرقات والبيوت. اختلف العلماء في اشتراط المسجد الجامع، وحديث حصر الاعتكاف في المساجد الثلاثة ضعيف والأفضلية فيها لا المنع من غيرها.

مفسدات الاعتكاف والصيام وأحكام المتعمد والناسي

الوطء يفسد الاعتكاف ويوجب إعادته، وفي الصيام يفرق بين المتعمد والناسي فالمتعمد بالجماع عليه كفارة بينما الناسي لا قضاء عليه. قوله تعالى ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ نهي عن مجرد القرب من المحرمات وسد لذرائعها.

تحريم الوسائل الموصلة إلى المحرمات وحدود الله

الوسائل المؤدية إلى الحرام تُحرم سواء كانت محرمة بذاتها أو مباحة استُخدمت للحرام كعصر العنب للخمر أو البيع لمن يعصيه. العبد مأمور باجتناب المحرمات وأسبابها، وحدود الله لا تُعتدى وبيان الآيات يزيل العذر ويوجب التقوى.

حقيقة التقوى ومراتبها

التقوى تقوم على العلم بأوامر الله ونواهيه فيمتثل العبد الأوامر ويجتنب النواهي. تتدرج إلى ترك المكروهات والمشتبهات وفعل المستحبات كما ذكر ابن رجب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى: ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد طاعة لله تعالى وانقطاعاً إليه، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد. ويستفاد من تعريف المساجد أنها المساجد المعروفة، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس، وفيه طيب. فهذه المسائل أخذت من قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، دل على مشروعية الاعتكاف، والاعتكاف هو لزوم المسجد طاعة لله جل وعلا وانقطاعاً إليه. وهذا الاعتكاف يشرع في كل مسجد تقام فيه الصلوات الخمس، ولهذا استثنى بعض المساجد التي تكون على الطرقات؛ لأنها لا تقام فيها الصلوات كلها، التي تكون على الطرقات غالباً يأتيها المسافرون. وأيضاً كذلك استثنى العلماء المساجد التي تكون في الدور أو في البيوت، فمسجد البيت، المكان الذي يصلي فيه أهل البيت، فإنه أيضاً لا يعتكف فيه لأنه ليس بمسجد حقيقة. وذهب الحنفية إلى جواز ذلك خاصة للمرأة، وصحيح أنه لا اعتكاف إلا في مسجد. واشترط بعض العلماء أنه يكون مسجد جامع تُقام به صلاة الجمعة، وجاء أثر عن عائشة، لكن الصحيح أنه موقوف عليها. طيب، وأما حديث «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» فهذا الحديث فيه ضعف في صحته، وإن صح فيحمل على أن الاعتكاف أفضل في تلك المساجد، مثل حديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، فمعنى ذلك أن هذه المساجد أفضل أماكن فيها الاعتكاف، وإن اعتكف في أي مسجد فجائز. قال رحمه الله: وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف، فإذا وطأ زوجته وهو معتكف فإن اعتكافه يبطل، ويجب عليه أن يبطل ذلك الاعتكاف ويعتكف مرة أخرى. قال رحمه الله: تلك المذكورات، وهي تحريم الأكل والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام، وتحريم الفطر، وتحريم الفطر على غير المعذور، وتحريم الوطء على المعتكف، ونحو ذلك من المحرمات، أن هذه أخذت من هذه الآية. تحريم الأكل والشرب والجماع للصائم، وهذه المفطرات من وقع فيها متعمداً ذاكراً لصومه فإنه يبطل بذلك الصوم. وهل عليه قضاء؟ إن كان تعمداً فالصحيح أنه لا قضاء عليه، وإن كان إفساده بالجماع أو بالوطء فهنا عليه كفارة. وأما المرأة فالصحيح أنه ليس عليها شيء، وأيضاً إذا كانت متعمدة ذاكرة. أما إذا نسي، إذا نسي فأكل أو شرب أو جامع ناسياً، فإنما أطعمه الله وسقاه. وهل الجماع يدخل في ذلك؟ نعم، الأصل هو فعل الشيء أو هذا المفطر ذاكراً، أما الناسي فلا شيء عليه. قال رحمه الله: ونحو ذلك من المحرمات. وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، حدود الله التي حدها لعباده ونهاهم عنها، حدود الله المحرمات، كما جاء في حديث المستورد بن شداد، فقال: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، أي أبلغ من قوله: فلا تفعلوها؛ لأن القربان يسمى للنهي عن فعل المحرم بنفسه وعن وسائله الموصلة إليه. ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي لا تقربوا هذا المحرم حتى القرب، والقرب يكون بالوسائل. معنى ذلك أنه فيها تحريم هذه الأشياء والمقاصد والقرب، وكذلك تحريم وسائلها الموصلة إليه. إذا كانت هذه الوسيلة، سواء كانت هذه الوسيلة جاء تحريمها في الشرع، كمثل النظر المحرم إلى النساء وإلى غيرهم ممن حرم الله عز وجل النظر إليهم، فهذا وسيلة إلى الزنا وهي محرمة، قد جاء الشرع بتحريمها. أو أن تكون هذه الوسيلة ليست محرمة في الشرع، لكنها لما كانت موصلة إلى الحرام فتكون حراماً. مثل بيع أو عصر شيء من الفواكه وغيرها لأجل التخمير، فالعصير جائز أن يعصر عنباً أو غيره، لكن إذا عصره لأجل الخمر فهي محرمة، فهي وسيلة إلى المحرمات. وإن كان هذا قد جاء تحريمها في حديث عبد الله بن عمر في لعنة النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة، وذكر منهم عاصرها. وأيضاً يدخل في ذلك من يبيع لمن يعلم أنه يستخدم هذه الأشياء للحرام، فهو أيضاً داخل في تحريم الوسائل. قال: والعبد مأمور بترك المحرمات والبعد عنها غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليها. وأما الأوامر فيقول الله فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، فينهى عن مجاوزتها أو عن مجاوزة هذه الحدود. هذه الحدود لا تعتدوا فيها، والمراد لا تعتدوا أي لا تنتهكوا هذه الحدود، لا تنتهكوها بفعلها لأنها محرمة، ففعلها يعتبر اعتداءً. كذلك أبان الله لعباده الأحكام السابقة أتم تبيين، ووضحها لهم أكمل إيضاح: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه. فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم، ولو علم تحريمه لم يفعل، فهذا معذور إذا كان عن جهله. قال: فإذا بين الله للناس آياته لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سبباً للتقوى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فسبب التقوى هو العلم بما أمر الله فيمتثله، والعلم بما نهى الله عز وجل فيجتنبه، فهذه حقيقة التقوى. وقد يزاد أيضاً في حقيقة التقوى ترك المكروهات والمشتبهات وفعل المستحبات، كما ذكر الإمام ابن رجب وغيره أنها على ضربين: فعل الواجبات وترك المحرمات تقوى، وكذلك أعظم منها ترك المكروهات وفعل المستحبات. إن شاء الله يوفقنا الله تعالى، وشكراً.