الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 52، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي آية الإيلاء مبيناً حقيقته والفرق بين المطلق والمقيد، فالمقيد بأقل من أربعة أشهر يُعامل معاملة الأيمان العادية، أما المطلق أو المقيد بأكثر من أربعة أشهر فيُضرب له أجل أربعة أشهر مستدلاً بفعل النبي ﷺ. ويؤكد على وجوب رجوع الزوج عن يمينه إذا كانت تمنعه من المعروف استناداً لآيات البر والتقوى.
تحدد مدة الإيلاء بأربعة أشهر، فإذا انقضت أوقف القاضي الزوج ليرجع (فيئة) أو يطلق، فإن امتنع أجبر الحاكم على الطلاق. ويستعرض الخلاف الفقهي في وجوب الكفارة عند الفيئة مرجحاً قول الجمهور بوجوبها.
من حلف على يمين ثم رأى خيراً منها يُشرع له أن يأتي بالخير ويكفر عن يمينه، وهذا يدل على جواز الحنث في اليمين إذا كان في فعل الخير مع وجوب الكفارة. ويؤكد المقطع على أن كفارة اليمين مشروعة للعودة إلى البر والتقوى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. قال رحمه الله: وهذا من الأيمان الخاصة بالزوجة في أمر خاص، وهو حلف الرجل على ترك زوجته مطلقًا أو مقيدًا بأقل من أربعة أشهر أو أكثر. فالمطلق تدل عليه الآية، والإيلاء المطلق هو الحلف؛ للذين يؤلون من نسائهم أن يحلفوا في هذه القضية. فإن كان حلفًا مطلقًا، معناه: قال: والله لا آتيك، أو لا آتي زوجتي. فإن كان حلفًا مطلقًا فالحكم في هذه الآية. وإن كان قيده، مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين في حديث أنس: أن النبي عليه الصلاة والسلام آلى من نسائه شهرًا، آلى من نسائه شهرًا، أي حلف أن لا يقربهن شهرًا. فإن هذا مقيد، وهذا مقيد، والمطلق في الآية. فإن كان مقيدًا كما سيذكر هنا المؤلف رحمه الله، قال: فمن آلى من زوجته خاصة، فإن كان لدون أربعة أشهر فهذا مثل سائر الأيمان، إن حنث كفر. إذا كان دون الأربعة أشهر، مثلا قال: حلف مطلقًا ثم أتاها مثلا بعد ثلاثة أسابيع، فهنا يكفر عن يمينه. قال: والله لا آتيكِ، أو لا أقرب زوجتك، ثم قربها بعد شهرين، فهذا يكفر عن يمينه، سواء كان يكفر قبل العودة أو بعدها على قول الجمهور. طيب، قال: ﴿ وَإِنْ أَتَمَّ يَمِينَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ﴾. هذا في المؤقت، قال: لا أقرب زوجتي شهرًا، فلم يقربها، فهذا لا شيء عليه، مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، آلى من نسائه شهرًا، فخرج بعد تسعة وعشرين يومًا، فقالت عائشة: يا رسول الله، إنك آليت شهرًا. قالت: شهر تسعة وعشرون، أو ثلاثون، أو ثلاثون، أو تسعة وعشرون. فلأن الشهر العربي إما ثلاثون أو تسعة وعشرون، فإذا اكتفى الإنسان بتسعة وعشرين يومًا فيعتبر شهرًا. وإذا كان في عدة، فإن كانت بالأشهر يكمل الأشهر على حسب خروجها، وإن كان بأيام فأكثرها العلم على أنه يكمل الثلاثين، ومنهم من قال: لا بأس أنه بتسعة وعشرين، لأن الشهر إما تسعة وعشرين أو ثلاثين. طيب، قال رحمه الله: قال: مثل سائر الأيمان، إن حنث كفر. والحنث هو الرجوع في اليمين، الحنث المراد به الرجوع في اليمين. قال: وإن أتم يمينه فلا شيء عليه، فنكمل الذي حلف عليه. قال: وليس لزوجته عليه السبيل، لأنه ملكه أربعة أشهر. وإن كان أبدا أو مدة تزيد على أربعة أشهر، ضربت له مدة أربعة أشهر. أنا حتى المقيد لا يكون المقيد أكثر من أربعة أشهر عند جمهور العلماء، لابد إذا كان سيقيد يقيد أقل من أربعة أشهر، فما فوق الأربعة أشهر فإنه يوقف بعد أربعة أشهر. قالوا: إن كان أبدا أو مدة تزيد على أربعة أشهر، ضربت له مدة أربعة أشهر من يمينه، إذا طلبت، إذا طلبت زوجته ذلك، لأنه حق لها. فإذا تمت، أمر بالفيئة، وهو الوطء. فإن وطئ فلا شيء عليه إلا كفارة اليمين. وهذا قول جمهور العلماء، أنه لو كمل أربعة أشهر، أنا الآن إذا قال: والله لا أقرب زوجتي، ثم جلس أربعة أشهر ولا يقرب زوجته، هنا لابد أن يوقفه القاضي، فإما أن يفي، يرجع إلى زوجته، يرجعها، وإما أن يطلق. فإن فاء، فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق، فإن الله سميع عليم. فإن كان قد رجع، يرجع مثلا، هل عليه كفارة يمين؟ فجمهور العلماء يقولون: عليه كفارة يمين، لأن اليمين تحتاج لكفارة، وهي منعقدة، وقد توفرت شروطها، شروط الكفارة، شروط اليمين موجودة، شروط اليمين المنعقدة التي عليها الكفارة موجودة، فلذلك فإذا رجع لزوجته فإنه يكفر كفارة يمين. وإن لم يرجع يلزم بالطلاق، بالطلاق. قال: وإن امتنع أجبر على الطلاق. فإن امتنع، طلق عليه الحاكم. أنا إذا لم يرجع بعد الأربعة أشهر، فإنه يلزمه الحاكم بالرجوع أو الطلاق، فإن امتنع عن الرجوع وعن الطلاق، يلزمه الحاكم بذلك، فإن امتنع، طلق عليه الحاكم. وهذا قول الجمهور كذلك، طلق عليه الحاكم، أنا أجبره بالطلاق، والحاكم هو الذي يفصل في هذا النزاع، معنا يطلق هذا، أو بين هذين الزوج والزوجة، إذا كان لا يريد الرجوع ولا يريد أن يطلقها. قال: ولكن الفيئة والرجوع إلى زوجته أحب إلى الله تعالى. أنا لو رجع، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، معنا يسامحه الله عز وجل ويغفر له ما كان فعل من الحلف وغيره. لكن هل عليه كفارة؟ قالوا: نعم، عليه كفارة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه». فهنا الخير هو الرجوع إلى هذه الزوجة ووطؤها، فلذلك يكفر عن يمينه، عن طعام عشر مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. طيب، قال: ولهذا قال: ﴿ فَإِنْ فَاءُوا ﴾، أي رجعوا إلى ما حلف على تركه، وهو الوطء، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، يغفر لهم ما حصل منهم من الحلف بسبب رجوعهم، ﴿ رَحِيمٌ ﴾، حيث جعل لأيمانهم كفارات وتحلة، ولم يجعلها لازمة لهم غير قابلة للانفكاك. وقد ذهب جماعة من السلف، جاء جماعة من الصحابة، أنه لا كفارة عليه، لكن الأدلة العامة تدل على أنه عليه كفارة. وإلا جاء عن زيد بن ثابت، وابن مسعود، وغيرهما، أنه لا كفارة عليه، وجاء أيضا عن جمع من الصحابة أن عليه كفارة، كابن عمر، وعلي، وغيرهم من الصحابة. بل قال: قال ابن أبي مليكة، أو الحسن: قال: سألت أكثر من بضعة عشر صحابيًا، فكلهم يقول: عليه كفارة. ﴿ حَيْثُ جَعَلَ لِأَيْمَانِهِمْ كَفَّارَاتٍ وَتَحِلَّةً وَلَمْ يَجْعَلْهَا لَازِمَةً لَهُمْ غَيْرَ قَابِلَةٍ لِلْانْفِكَاكِ ﴾. قال: ورحيم بهم أيضا حيث فاءوا إلى زوجاتهم وحنوا عليهن ورحموهن. ثم قال جل وعلا: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ ﴾، أي امتنعوا من الفيئة، فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن، وعدم إرادتهم لأزواجهم، وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق. فإن حصل، هذا الحق الواجب منه مباشرة، وإلا أجبره الحاكم كما تقدم، أجبره الحاكم عليه، أو قام به. ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾، أي فيه وعيد وتهديد لمن يحلف هذا الحلف، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة. قال رحمه الله: يستدل بهذه الآية على أن الإيلاء خاص بالزوجة. الإيلاء، أي هذا الأمر الفقهي، الإيلاء المراد به خاص بالزوجة، أي هذا النوع أو الأمر الفقهي. أما مثلا كلمة الإيلاء فهو الحلف. قال رحمه الله: يستدل بهذه الآية على أن الإيلاء خاص بالزوجة، لقوله: ﴿ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾، معنا لقول الله عز وجل: ﴿ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾. وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة، لأنه بعد الأربعة يجبر إما على الوطء أو على الطلاق، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا. فخلاصة هذه الآية: أن الإيلاء، وهو نوع من أنواع الفقه، مسائل الفقه وأبوابها، يكون مطلقا ويكون مقيدا. فإن قيده بشهر أو بغيره، فإن وفى هذا الذي قيده به، لا كفارة عليه. وإن لم يفي ما قيده به، معناه: مثلا قال: والله لا آتيك شهرا، فجاءها بعد أسبوعين، وهنا عليه كفارة، عليه كفارة. وهذا في المقيد. وأما المطلق، فإن أطلق ولم يقيد، قال: والله لا آتيك، فيعطى أربعة أشهر، ثم يوقف، أن إذا مرت أربعة أشهر يوقفه القاضي، ويقول: إما أن ترجع، وإما أن تطلق. فإن رجع، كفر عن يمينه. وإن عزم على الطلاق، فإنه معناه يطلق، ولا كفارة عليه. عزم على الطلاق، لا كفارة عليه. لكن الأولى والواجب أنه يرجع، إن كان مثلا ليس هناك سبب، الذي ينبغي عليه أنه يرجع. وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ﴾، لا يجعل الإنسان اليمين تمنعه من الخير، تمنعه من الأمور العظيمة، كما تقدم معنا. وقال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عائشة في البخاري: «من ذا الذي يتألى على الله أن لا يفعل المعروف؟» فلذلك، فلو حلف الإنسان يمينا، وهذه اليمين تصرفه وتصده عن الخير الذي ينبغي عليه، إن كان هذا الخير واجبا فهو واجب عليه أن يكفر عن يمينه، وإن كان هذا الخير مستحبا فهو يستحب له أن يكفر عن يمينه ويرجع إلى ذلك الخير. كما قال الله عز وجل في حليف أبي بكر، أن لا ينفق على مسطح، قال الله عز وجل: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾، قال أبو بكر رضي الله عنه: بلى يا رب. فهكذا، فمن حلف على شيء من المعروف، أو أنه لا يفعل المعروف، ولا يفعل هذا الخير، فالذي ينبغي أن يكفر عن يمينه. من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه. طيب، هذا الذي يذكر الله تعالى، ألم...