الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 114، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
عند اختلاف الراهن والمرتهن في مقدار الدين يُقدَّم قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الرهن لا يضبط قدر الدين كالشهادة والكتابة. وتدل الآية على جواز التعامل بالأمانة دون وثائق أو شهود مع وجوب التقوى لحفظ الحقوق.
يجب أداء الأمانة ورد الحقوق إلى أهلها تقوى لله، ومن خان الأمانة ذهبت حسناته للمظلوم يوم القيامة كما في حديث المفلس. الوفاء بالثقة واجب ديني وأخلاقي تجاه من ائتمنك على ماله.
أداء الشهادة واجب حق لله وحق للعباد، وكتمانها إثم عظيم وصفة نفاق، مع التمييز بين شهادة الحق وشهادة الزور. الرهن مشروع في الحضر والسفر، وتقييده بالسفر في الآية لغلبة الحاجة، وقد رهن النبي ﷺ درعه في المدينة. علم الله بأعمال العباد يرغّب في المعاملات الحسنة ويرهّب من السيئة.
يختتم المتحدث عرض الفوائد التي ذكرها الشيخ في آية الدين، وهي أطول آية في القرآن، ويكتفي بما ذُكر مفوضاً العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: ومنها -أي من فوائد آية الدين- قال: ومنها أنه يستدل بقوله ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن... معنى الراهن فيه أربعة أركان: الراهن وهو الذي يضع الرهن، والمرتهن وهو صاحب الدين، والرهن وهو المال الذي يضعه أو ما يضعه رهناً. فراهن، ومرتهن، ورهن. قال: هذه أركان الرهن. وأيضاً ما يرهن عنه أو يسمى المرهون عنه وهو الدين، المرهون عنه ويسمى كذلك الراهن المرهون به. طيب. قال: إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين الذي به الرهن، أن القول قول المرتهن صاحب الحق؛ لأن الله جعل الرهن وثيقة به، لولا أنه يقبل قوله في ذلك لم تحصل به الوثيقة. لعدم الكتاب والشهود. أن الآن الرهن لا يحدد، لا يحدد الدين مثل الكتابة والشهود. الكتابة تحدد كم هذا الدين، يكتب فلان له على فلان كذا وكذا. كذلك الشهود يشهدون أن فلاناً أعطى فلاناً مئة ألف. لكن الرهن ما يحدد شيء، أعطاه رهناً لعجل الدين، فقد يكون هذا الرهن أكثر من الدين، وقد يكون مثله، وقد يكون أقل منه. فلهذا فهو لا يضبط مقدار الدين. فإذا اختلف الراهن والمرتهن، اختلف الراهن الذي وضع الرهن والمرتهن، فالراهن يقول: إن الدين الذي عندي مئتي ألف، والمرتهن يقول: مئتي وخمسين. فبمن يؤخذ؟ يقول الشيخ هنا: أنه يؤخذ بقول المرتهن، قول المرتهن الذي هو صاحب المال؛ لأنه هو هنا المأمون الذي هو تبرع وأعطى الدين، والمتبرع غالباً يكون محسناً، فالمحسن هو الذي يقدم. فهذا الأصل. لكن الحنابلة يقولون: أنه قول المرتهن بيمينه، وهذا أولى. يقال: أن قوله لكن بيمينه، أن يحلف المرتهن. فالمدعي أصلاً هو الراهن، هو الذي دعا أنه مئتي... مئتي ألف، والمدعي عليه هو المرتهن، وإن كان هو أيضاً يدعي زيادة؛ لأنه أقر بالمئتين لكن ادعى بعد ذلك الزيادة. لكن لأجل أن كلاهما مدعٍ ومدعى عليه، فلهذا... وكان الحق والإحسان والتبرع من المرتهن، فهو حق أن يؤخذ قوله لكن بيمينه. قالوا: منها أن يجوز التعامل بغير وثيقة ولا شهود. من هذه الآية أن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. بقوله ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. معنى: إذا كان هناك أمان بينكم، أمانة، فهذا جائز. كما قد ذكرنا هذه المسألة فيما سبق. قالوا: لكن في هذه الحال يحتاج للتقوى والخوف من الله، وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه. ولهذا أمر الله في هذه الحال من عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته. وغالباً الإنسان لا يأمن إنساناً إلا وهو يعرفه، ولهذا يؤمنه على ماله، يعطيه ديناً لأجل أنه يعرف أنه سيرد هذا الدين. لكن أحياناً كما قلنا يعطي ناساً لا يعرفهم جيداً، ولم يصاحبهم، ولم يعرف أخلاقهم، لكن يعرف اسمه أو يعرف أباه، أو جاء له، أو جاء به شفيع شفع عنده له، فأعطاه الدين. فمثل هذا الأولى له أن يوثقه؛ لأنه لا يعرف. لكن إن لم يوثقه وبقي على الأمانة، فإنه كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾. يؤدي الأمانة، وليتق الله، حتى لو حاول أن يخرج في الدنيا، فإنه لا يستطيع أن يخرج يوم القيامة. أن يأتي هذا المال وعليه هذا الدين، أو هذا الرجل يأتي يوم القيامة والدين عليه. بل إذا أنكره كان جاحداً، وهو يأتي أنه كذب وحلف. أحياناً يحلف يميناً كاذبة ويمين غموس. وكذلك أزيد على هذا: أنه عليه هذا الحق لصاحبه، وليس هناك درهم ولا دينار، ولكنها الحسنات والسيئات. فيأخذ من حسناته فتطرح إلى حسنات غيره، أو هذا صاحب المال الذي أخذ ماله، كما جاء في حديث المفلس. حديث العلاء من عبد الرحمن عن نبيه عن نبيه هريرة: «أتدرون من المفلس؟» قال: «المفلس من لا درهم له ولا دينار». قال: «المفلس الذي يأتي بأعمال، لكن يأتي قد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك مال هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا. فتأخذ من حسناته إلى حسنات غيره، حتى إذا فنيت أخذت من سيئات غيره ووضعت في سيئاته، ثم طرح في النار». عياذ بالله. قالوا: منها أن من ائتمنه معاملة فقد عمر معه معروفاً عظيماً، ورضي بدينه وأمانته. فيتأكد على من عليه الحق أداء الأمانة من الجهتين: أداء لحق الله، وامتثالاً لأمره، ووفاء بحق صاحبه الذي رضي بأمانته، وثق به. معنا لا ينبغي أن يخيب ظن صاحبه فيه. صاحب هذا المال أعطاه ثقة به، وثق فيه، فلا يضيع هذه الثقة. فلهذا يقول الآن: فيتأكد عليه الحق أداء الأمانة من الجهتين: أداء لحق الله، وامتثالاً لأمره؛ لأنه أمر بأداء الأمانات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أو قال في هذه الآية سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. وقال في سورة الأنفال... أن الله يأمركم أن تؤدوا... في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. وبين في سورة الأنفال خيانة من لم يؤد الأمانة... يتبر خايد. فلهذا فهو عليه الحق من الجهتين: أداء لحق الله، ووفاء بحق صاحبه. يعتبر أيضاً من وفاء العهد، وهي من صفات أهل الإسلام، ومخالفتها من صفات أهل النفاق. قالوا: منها وهي الأخيرة: تحريم كتم الشهادة، وأن كتمها قد أثم قلبه الذي هو ملك الأعضاء. تحريم كتم الشهادة. وقد ذكرنا أن هناك من الشهادات من كتمها فهو آثم، قلبه محرم عليه وآثم إذا كتم هذه الشهادة، وهي حق يخرجه لأناس لا يعرف حقهم إلا بشهادته. وأيضاً قد جاء في الحديث أن أفضل الشهداء... أفضل الشهداء رجل شهد قبل أن يستشهد. عن المراد أنه شهد بالحق. وأما ما جاء في حديث عن مران: أنه يأتي في فضيلة الصحابة، ثم يأتي قوم يظهر فيهم السمن، ويشهدون دون أن يستشهدوا. يعني يشهدون على كذب، على زور، ويشهدون كذلك... بعدم التأكل من الشهادة فقط يريدون المال، يعني يريدون بشهادتهم هذا المال. فهذا جمع العالم بين هذا الحديث وهذا الحديث، وهذا من أفضل الجموع التي تجمع بين الحديثين. فالشهادة هنا التي يأثم بها الإنسان هي الشهادة على الحق، والشهادة التي يؤديها ولا يلام عليها هي الشهادة على الحق، يشهد لحقوق الناس. فهذا لو استعجل فيها، أقصد لو... ولو لم يستشهد فشهد، فإنه قد شهد بالمعروف، وشهد بحق الناس، قد تضيع حقوقهم بسبب كتمان هذه الشهادة. فلهذا فالشهادةحياناً تكون واجبة كما تقدر، وحياناً قد تكون مستحبة. قال: وأن كاتمها قد أثم قلبه الذي هو ملك الأعضاء. عن القلب، وذلك لأن كتمها كالشهادة بالباطل والزور، فيها ضياع الحقوق، وفساد المعاملات، والإثم المتكرر في حقه وحق من عليه الحق. وأما تقيد الرهن بالسفر مع أنه يجوز حضراً وسفراً، فللحاجة إليه لعدم الكاتب والشهيد. أنا كما ذكرنا أنه خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن في السفر لا يجد، أو لا يوجد الكاتب، ولا يوجد الشهود غالباً. فلهذا يحتاج إلى الرهن، يحتاج إلى الرهن. وإلا الرهن يجوز أن يرهن في الحضر. نبي عليه الصلاة والسلام كما في البخاري: مات ودرعه مرهونة عند يهودي على خبز الشعير. مات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي على خبز الشعير. فدل على جواز الرهن ولو كان في الحضر. قال: أما تقييد الرهن بالسفر مع أنه يجوز حضراً وسفراً، فللحاجة إليه لعدم الكاتب والشهيد. وختم الآية بأنه عليم بكل ما يعمله العباد، كالترغيب لهم في المعاملات الحسنة، والترهيب من المعاملات السيئة. فهذه بعض الفوائد التي ذكرها الشيخ رحمة الله عليه، وهي فوائد عظيمة ذكرها في هذه الآية، آية الدين، وهي كما تعلمون أطول آية بالقرآن، وفيها فوائد ومسائل عظيمة قد ذكرناها، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.