تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 17

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 17

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إحاطة علم الله وقدرته ولزوم مراقبة العبد لربه

يبيّن السعدي أن علم الله محيط بكل ما في الصدور والسموات والأرض، وأن قدرته مطلقة على كل شيء، مما يستوجب على العبد مراقبة الله في السر والعلانية والإخلاص في العبادة. وهذا أصل الإحسان الذي يُطلب من المؤمن تحقيقه.

قدرة الله ويوم الحساب وعرض الأعمال

يستعرض المقطع قدرة الله على تعذيب العصاة من فوقهم أو من تحت أرجلهم، ويصور يوم القيامة حيث تُحضر أعمال العباد خيرها وشرها، فيغتبط أهل الخير ويتحسر أهل الشر ويتمنون البعد عن سيئاتهم.

مصير من أوتي كتابه بشماله وعبرة الحساب يوم القيامة

يصف حال من يُعطى كتابه بشماله يوم القيامة وندمه الشديد على أعمال دنيوية لم تنفعه، مستشهداً بآيات سورة الحاقة، ويبين أن الله يحذر عباده من عذابه رحمةً بهم داعياً للتقوى. الإنسان مسؤول عن اختياره بين الخير والشر.

الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم

يتحدث المقطع عن أهمية اتباع الصراط المستقيم الذي رسمه الله، ويطلب من الله إتمام الإحسان بالهداية والسلامة من طرق الضلال المؤدية إلى الجحيم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾. قال: يخبر تعالى بإحاطة علمه بما في الصدور، سواء أخفاه العباد أو أبدوه، كما أن علمه محيط بكل شيء في السماء والأرض، فلا تخفى عليه خافية. وما أحاط علمه به فهو العظيم القدير على كل شيء، الذي لا يمتنع عن إرادته موجود، بل كل شيء داخل في مشيئته وإرادته سبحانه وتعالى، وكل شيء هو قادر عليه جل وعلا، لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، بل هو جل وعلا على كمال قدرته سبحانه وتعالى يقدر على كل شيء، لا كما تقول المعتزلة: على ما يشاء قدير، وإنما على كل شيء قدير. قال: ولما ذكر لهم من عظمته وسعة أوصافه ما يجب للعباد أن يراقبوه في كل أحوالهم، أن إذا كان هو مطلع عليهم سبحانه وتعالى يعلم ما تخفي الصدور، فضلًا عن إبدائها أو إخفائها، هذا العمل وهو الذي يعلم السر وأخفى، وأيضًا أخفى من السر، وقيل: إن المراد أخفى من السر أي حديث النفس وما يكون في الصدور، فهو جل وعلا يعلم ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾، فلهذا يوجب على العبد أن يراقب الله جل وعلا في كل لحظة، وأن يتقي الله عز وجل حيثما كان، فتكون تقوى الله عز وجل ملازمة له، لأنه يعلم أن الله عز وجل مطلع عليه، وهذا هو الركن الأول من أركان الإحسان، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، أي الركن الثاني، فهو مطلع على عباده وعلى أعمالهم، فلهذا الواجب على العبد أن يحسن عبادته لله فيخلص له جل وعلا، وكذلك يؤدي العبادة على ما أمره الله بها، وهذا هو الإحسان، لأنه يؤدي هذه العبادة بإتقان وإحسان على ما أمره الله عز وجل بذلك، لأنه يريد وجه الله، ويعلم أن الله عز وجل مطلع عليه، ويعلم أيضًا أنه راجع إلى الله، فلهذا إذا علم العبد أن الله عز وجل مطلع عليه، فإنه يخضع العبد لله ويخلص له، ويخلص لله جل وعلا. قال: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾، وأيضًا كذلك قوله جل وعلا: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، أي أنه يقدر على كل شيء، ويقدر على العباد إن عصوا أمره، كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بوجهه»، وهذا يدل على الرد على هؤلاء المعتزلة الذين قالوا بأنه على ما يشاء قدير، فهنا الله عز وجل ما شاء هذا الأمر لكن هو تحت قدرته سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بوجهك»، ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾، معناه: يعذبكم من تحت أرجلكم بالزلازل والفيضانات وغيرهم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بوجهك»، ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾، وقال: «هاتان أهون، هاتان أهون». فربنا جل وعلا على كل شيء قدير. قال: ثم قال هنا: ولما ذكر لهم من عظمة وسعة أوصافه ما يوجب للعباد أن يراقبوه في كل أحوالهم، ذكر لهم أيضًا داعيًا آخر إلى مراقبة الله وتقواه، وهو أنهم كلهم صائرون إليه، وأعمالهم حينئذ من الخير والشر محضرة أي عنده سبحانه وتعالى، فحينئذ يغتبط أهل الخير بما قدموه لأنفسهم، ويتحسر أهل الشر إذا وجدوا ما عملوه محضرًا، ويودون أن بينهم وبينه أمدًا بعيدًا. فالآية الأولى فيها المراقبة، والآية الثانية فيها اليقين بموعود الله جل وعلا، وأن هذه الأنفس محضرة عند الله، ومحضرة أعمالهم: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾، أحضره الله عز وجل، ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴾، هذا الكتاب الذي فيه عمله يلقاه منشورًا: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾، أنت تقرأ كتابك وترى ما فيه، فهل كتب أو هل ما كان مكتوبًا لم تفعله؟ بل كل شيء مسجل ومكتوب على العبد في تلك السجلات وفي ذلك الكتاب، كتاب ينشر له، كتابًا منشورًا: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾، أنا لذلك اليوم العظيم ينتفع بهذه الأعمال وهذه الهداية. فهنا قال: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾، تريد أن تهرب منه في ذلك اليوم، يغتبط هؤلاء أهل الصلاح وأهل الأعمال الصالحة، ولهذا لما يأخذ كتابه بيمينه يقول: ﴿ هَاؤُمْ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾، فهو في عيشة راضية، في جنة عالية، وقطوفها دانية: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾، أي أيام الدنيا، هذا عملكم، هذا جزاؤكم في تلك الأيام، هذا جزاؤكم لما عملتم في تلك الأيام. وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: ﴿ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾، أنا كأنه يعرض عن هذا الكتاب ويبتعد، ويود أن يكون بينه مسافة بعيدة، فيقول: يا ليتني لم أوت كتابي، ولم أدري ما حسابي، يا ليتها كانت القاضية، أنا مت ولم أقم بعدها، ما أغنى عني ماليه، ذلك الأموال كلها ما أغنت عني الآن، هلك عني سلطاني، أيضًا لم ينفعني هذا السلطان الذي كان معي في الدنيا، بل ضرني. فلهذا فهذه الآيات هي عبرة يجعلها الله عز وجل لكل معتبر، فقال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾. قال: فإذا عرف العبد أنه ساعٍ إلى ربه، وكادح في هذه الحياة، وأنه لا بد أن يلاقي ربه ويلاقي سعيه، أوجب له أخذ الحذر والتوقي من الأعمال التي توجب الفضيحة والعقوبة، لأن في ذلك الوقت يفتضح العبد، في ذلك اليوم يفضح الله عز وجل أهل المخالفات، بل بعضهم كما جاء في بعض الأحاديث في الذين يغدرون، تكون له لواء تحت استه، يعني من خلفه، يجلس عنده اللواء: «هذه غدرة فلان»، أمام الخلائق، ويرون هذه الغدرة التي غدر بها، سواء كان غدرًا بحاكم أو غدرًا بمسلم أو غيرها من هذه الأشياء، من الغدر، لكل غادر لواء يوم القيامة تحت استه، يقال: هذه غدرة فلان، هذا فقط في الغدر، فمبالك في ما هو أعظم من ذلك، فتكون فضيحة على العبد. وقوله جل وعلا: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾، وهذا من رحمته جل وعلا، شفقة على عباده سبحانه وتعالى أنه يحذرهم، قال: وذلك بما يبدي لكم من أوصاف عظمته وكمال عدله وشدة نكاله، ومع شدة عقابه فإنه رؤوف رحيم، ومن رأفته ورحمته أنه خوف العباد وزجرهم عن الغي والفساد، كما قال تعالى لما ذكر العقوبات: ﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾، وهذا أيضًا من باب التلطف، ربنا جل وعلا يتلطف بعباده ويدعوهم بهذا الاسم الذي يكون لهم فيه مشاركة، أي لهم عبودية لله جل وعلا، فيقول: ﴿ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾، فرأفته ورحمته سهلت لهم الطرق التي ينالون بها الخيرات، ورأفته ورحمته حذرتهم من الطرق التي تفضي بهم إلى المكرهات، فربنا جل وعلا ما يريد أن يسيء بالإنسان، بل يريد أن يكرمه وأن ينعمه، لكن الإنسان على نفسه بصير، فإن أراد الخير سلك طريق الخير، وإن أراد الشر فأيضًا سلك تلك الطريق، كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»، فربنا جل وعلا سخر لنا الخير، وسخر لنا ما في هذه الدنيا، وما أيضًا يقيم به عباده ليسلكوا هذه الطريق الصحيحة والصراط المستقيم الذي رسمه الله عز وجل، وأنزل كتبه، وأرسل الرسل لأجل أن يري عباده الطريق الصحيحة. قال: فنسأله تعالى أن يتمم علينا إحسانه بسلوك الصراط المستقيم، والسلامة من الطرق التي تفضي بسالكها إلى الجحيم، آمين، إن شاء الله نكتبه هذا.