تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 18

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 18

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

اصطفاء الله لآدم ونوح وفضلهما على العالمين

يشرح المقطع كيف اصطفى الله آدم عليه السلام بخلقه بيده وتسخير الملائكة له وتعليمه الأسماء، وجعله أبا للبشرية. ثم يذكر نوحا عليه السلام كأول الرسل وصبره في الدعوة وإغراق الله قومه بالطوفان، وأن كل من بقي في الأرض بعد الطوفان هم من ذرية نوح.

أنساب الأنبياء من نوح إلى محمد عليهما الصلاة والسلام

يبيّن المقطع أن البشرية بعد الطوفان انحصرت في ذرية نوح، ثم اصطفى الله آل إبراهيم فجعل النبوة في ذريته. تفرع الأنبياء بين إسماعيل وإسحاق، فكان أكثر أنبياء بني إسرائيل من ذرية يعقوب، وختمهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل فكنانة فقريش فبني هاشم.

فضل آل عمران وقصة نذر امرأة عمران بمريم

يفسر المقطع قوله تعالى ﴿وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ مبيناً أن المراد آل عمران أبي مريم لا أبي موسى، ويوضح فضل هذه العائلة المباركة التي وهبت مريم العابدة وولدت عيسى عليه السلام بغير أب. كما يسرد قصة نذر امرأة عمران ما في بطنها محرّراً لخدمة بيت المقدس ودعاءها بالقبول.

خاتمة الدرس ونسب الترجمة

يختتم المقطع الشرح بالاكتفاء بما ورد حول الآيات، ويشير إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر. بذلك تُختتم الجلسة ببيان مصدر الترجمة المستخدمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾، ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾، وأورد هذه الآيات إلى قوله جل وعلا: ﴿ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾. قال رحمه الله تعالى: «مِنْ عِبَادِهِ الْأَصْفِيَاءِ يَصْطَفِيهِمْ وَيَخْتَارُهُمْ وَيَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِالْفَضَائِلِ الْعَالِيَةِ وَالنُّعُوتِ السَّامِيَةِ وَالْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْخَصَائِصِ الْمُتَنَوِّعَةِ». فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من رجال حازوا أوصاف الكمال. إن ذكر الله عز وجل هذه البيوت العظيمة التي منها أصل بني آدم أو أكثرهم، فآدم هو أبو البشر، اصطفاه الله عز وجل بأن خلقه بيده، وأسجد له الملائكة، وعلمه أسماء كل شيء، وغيرها من الفضائل العظيمة التي اختصها الله عز وجل لآدم، وهو أبو البشر أجمعين، فلذلك فله الاختصاص العظيم أن الناس يرجعون إليه، أن البشر كلهم يرجعون إليه. وذكر بعد ذلك نوحا الذي هو أول الرسل، أرسله الله عز وجل بعد أن انتشر الشرك في الناس، فأرسله الله عز وجل، وكان صابرا محتسبا شاكرا لله عز وجل، دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم ما آمن معه إلا قليل، فغضب الله عز وجل لنبيه نوح حتى أغرق أهل الأرض جميعا، أي من كان في ذلك الوقت، فأغرقهم الله عز وجل بذلك الطوفان، ونجى من كان في السفينة، فارتفع الماء حتى صار كالجبال، فهي تجري بهم في موج كالجبال، ونادى نوح ابنه وكان في معزل: «يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ». فالذي لا يصعد السفينة فهو مع الكافرين، والذي صعد السفينة فهو مع أهل الإسلام. فاصطفى الله عز وجل هذا النبي الكريم الذي ترجع إليه أيضا كل الناس، ولهذا قال الله عز وجل في نوح: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴾، أي كل الناس من ذرية نوح، ومن لم يكن من ذرية نوح فقد أغرقه الله وأهلكه، فما بقي بعد ذلك في الأرض إلا من كان من ذرية نوح، فنوح أيضا يعتبر أبا للبشر بعد الطوفان. وإن هناك أناسا كما قال حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما: أن بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد، فبينهما عشرة قرون، ألف سنة، وجد أناس في ذلك الوقت لهم آباء ولهم فصائل، لكن لما جاء الطوفان أهلكهم جميعا، فما بقي إلا من ذرية نوح، ما بقي الناس الذين بقوا كلهم من ذرية نوح، ولهذا تجد علماء الأنساب يقولون: إن نوحا له ثلاثة أولاد، منهم من يقول أكثر، ثم يفرعون الناس على هؤلاء الثلاثة، فلهذا فصار الناس من ذرية نوح. ثم ذكر ربنا جل وعلا أبا الأنبياء وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال: ﴿ وَآلَ إِبْرَاهِيمَ ﴾، أي ممن اصطفى الله عز وجل من ذرية الناس ومن قبائلهم ما كان من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فنسله أكثرهم أنبياء، سواء كان في العرب أو في بني إسرائيل، وهم أكثر، أي الذين في بني إسرائيل الأنبياء غالبهم من ذرية إبراهيم. فإبراهيم كما هو معلوم اصطفاه الله عز وجل، وجعل له ابنين: إسماعيل وإسحاق، فإسماعيل أبو العرب، وإسحاق ولد له يعقوب، وهو الذي خلفت ذريته هم بني إسرائيل، فإسرائيل هو يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم، وكان أكثر الأنبياء الذين جاءوا في بني إسرائيل من ذرية يعقوب، من أبناء يعقوب وأحفاده، وأولهم يوسف عليه الصلاة والسلام، ثم جاء الأنبياء في بني إسرائيل وكثروا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ آخَرُ»، بل أحيانا يكونون أنبياء في وقت واحد، مثل ما حصل في يسوع ودانيال وغيرهم كانوا في وقت واحد، وأيضا كذلك يحيى بن زكريا وعيسى، هم من أنبياء الله عز وجل ورسله، وكانوا في وقت واحد. فاصطفى الله عز وجل آل إبراهيم، ومن آل إبراهيم نبينا الكريم الجليل عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله، كان أيضا من آل إبراهيم، كان يقول كما جاء في الصحيحين: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ»، فالولد للرجل أي ذريته، ومن كان من أحفاده، ومنهم نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا من أفضل العرب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اصْطَفَانِي اللَّهُ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ هَاشِمًا، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». ثم قال: ﴿ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾، أن هؤلاء اصطفاهم الله عز وجل على العالمين، ومن القبائل العظيمة التي اصطفاها الله عز وجل من قبائل بني إسرائيل، أن هذه أعظم القبائل: أولا آدم أبو البشر، ثم نوح الذي تكون ذريات الناس كلهم إليه، ثم إبراهيم هو أبو الأنبياء ومقدم أهل التوحيد وإمامهم، ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾، فإبراهيم ذريته كما قلنا صاروا هم الأنبياء، ومن أعظم وأفضل من في ذرية إبراهيم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر أيضا هناك قبيلة أو عائلة عظيمة من عوائل بني إسرائيل صار فيهم الخير وصارت فيهم البركة العظيمة، وهم آل عمران، وعمران هذا ليس أبو موسى، موسى بن عمران النبي الكريم، ليس هو، وموسى بن عمران هو أيضا من بني يعقوب، ومعنى نسبه إلى يعقوب نبي الله، لكنه ليس المقصود هنا موسى بن عمران، أي أنه أبوه، وإنما المراد عمران هنا والد مريم، مريم بنت عمران، ومريم كانت قانتة لله جل وعلا، وقد نذرتها أمها كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الآيات، نذرتها أمها لبيت المقدس أنها تخدم بيت المقدس، عابدة تكون في بيت المقدس، فاصطفى الله عز وجل هذه العائلة العظيمة حتى جعل مريم تلد من دون زوج، ولم يأتيها أحد، ولم يمسسها بشر، فولدت عيسى بن مريم ذلك النبي المطهر الذي اصطفاه الله عز وجل في بني إسرائيل، وهكذا صارت هذه العائلة عائلة عظيمة مباركة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على الآيات. ثم قال: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾، أي تشبه بعضها بعضا في الصلاح وفي الاستقامة، وكذلك في القدوة وفي غيرها من الفضائل، ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾، فهذه الآية فيها أن الله سميع عليم، يعلم من يستحق الفضل والتفضيل، فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت، وذكر قصة مريم وابنها عيسى عليهما الصلاة والسلام، وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهم الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها، متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته: ﴿ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا وَإِيَّاهَا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾، إن شاء الله تعالى الكلام على هذه الآيات، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر