تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 56

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 56

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 56، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

منهج التحذير من المبتدعين والكفار دون ذكر محاسنهم

يشرح العلامة السعدي أن الآيات تبين حال المستقيمين من أهل الكتاب، ويناقش منهج التحذير من أهل البدع والكفر مؤكداً أن ذكر محاسنهم عند التحذير خطأ شرعي. يستدل بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي حذر فيها من أشخاص دون ذكر حسناتهم، وينتقد طريقة بعض الحزبيين في تمجيد مشايخهم ثم ذكر أخطائهم مخففة.

تحذير الإمام أحمد من كتاب الكرابيسي «المدلسين» ومنهج الدفاع عن المبتدعين

يروي المقطع كيف ألف الحسين بن علي الكرابيسي كتاب «المدلسين» للدفاع عن شيخه الحسن بن صالح بن حي الذي كان يقول بالخروج على أئمة الظلمة. أنكر الإمام أحمد الكتاب بشدة وحذر منه قائلًا إنه جمع لأهل البدع ما لم يجمعه، وربط المتحدث هذا المنهج بمنهج أبي الحسن الأشعري لاحقًا في الدفاع عن سيد قطب محذرًا من خطورته.

منهج أهل السنة في التحذير والتراجم وثناء القرآن على المستقيمين من أهل الكتاب

يوضح المقطع الفرق بين منهج التحذير من المبتدعين ومنهج التقويم في التراجم كما فعل الذهبي، ثم يفسر آيات الثناء على المستقيمين من أهل الكتاب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. هؤلاء آمنوا بالله واليوم الآخر، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وسارعوا في الخيرات، والله لا يضيع أجرهم كما في قصة سلمان الفارسي.

جزاء المحسنين والعاملين عند الله وحفظ أجرهم

الله لا يضيع أجر المحسنين والعاملين بل يحفظه ويجازيهم به يوم القيامة، وهو الكريم الذي يجزي عباده بأعظم مما عملوا. هذا الجزاء يشمل المستقيمين من أهل الكتاب وغيرهم من العاملين الصالحين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 113-115]. قال رحمه الله: لما ذكر الله المنحرفين من أهل الكتاب، بيّن حالة المستقيمين منهم، وأن منهم أمة مقيمين لأصول الدين وفروعه. وهذا من ذكر ما عندهم من الخير، وليس هذا كما يزعم بعضهم أنك لا تذكر رجلًا تحذر منه إلا وتذكر حسناته. هذا خطأ، وإنما هذا إذا أردت أن تقوم شخصًا بحسناته وسيئاته، عنده حسنات وعنده سيئات، ممكن تذكر حسناته وسيئاته. أما تأتي تحذر من الرجل من أهل الكفر أو أهل البدع أو غيرهم من هؤلاء، أو أنه يحدث في دين الله ما ليس منه، أو يخرب في دين الله، فأردت أن تحذر منه، أن تذكر محاسنه، هذا خطأ. إلا إن كان من أهل الخير وأهل السنة وزلت قدمه في شيء، فتذكره بالخير. وأما إن كان من أهل البدع وأهل الكفر والفسوق وغيرهم، وأردت أن تحذر منه، فذكر محاسنه خطأ. ذكر محاسنه خطأ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أناسًا كثيرًا ولم يذكر لهم حسنات، وأراد التحذير. فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «إن فلانًا وفلانًا لا يعرفان من ديننا شيئًا». هذا الحديث في الصحيحين: «لا يعرفان من ديننا شيئًا». قال الليث: وكان رجلين، وكان من المنافقين. وأيضًا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان». في حديث ابن عباس، في حديث عبد الله بن عمر: «يدخل عليكم رجل لعين»، فدخل فلان، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر له حسنات، مع أنه مسلم. وكذلك أيضًا أحاديث كثيرة: النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن تلك المرأة التي كانت تقوم الليل وتصوم النهار، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: «لا خير فيها». قال: «لا خير فيها». فلم يعتد النبي صلى الله عليه وسلم حتى بالحسنات. فلهذا فليس من الإنصاف كما يقولون، وليس أيضًا من المنهج الشرعي أن الإنسان إذا أراد أن يحذر من رجل مبتدع أو غيره أنه يذكر محاسنه بعد أن يذكر سيئاته. هذا كلام غير صحيح. فما فائدة التحذير إذن إذا كان سيذكر مثل ما يفعل بعض الحزبيين؟ فيقول مثلاً: فلان هذا كذا وكذا وكذا، يذكر له ترجمة كبيرة، لكنه أخطأ. يريدون أن يلمعوا مشايخهم الذين هم على منهجهم. فمثلاً يأتي إلى سيد قطب: سيد قطب جاهد وفعل وفعل، ثم قال: هذه أخطأ عنده. آخر شيء يقول: هذه أخطأ، يخطأ فيها كثير من الناس، أخطأ فلان وأخطأ فلان، ويريد أن يلمع أصحابه، أو أن يريد أن يعتذر لصاحبه. وهذه الطريقة خاطئة، وقد كانت هذه الطريقة عند أهل البدع في زمن قديم. عند الكرابيسي، الحسين بن علي الكرابيسي، ألف كتابًا سماه «كتاب المدلسين»، ودافع فيه عن شيخه الحسن بن صالح بن حي. فلما جاء عند بدعة الخروج، وكان يقول بها الحسن بن صالح، قال: «إن كان الحسن بن صالح يقول بالخروج على أئمة الظلمة، فما يضيره؟ فقد قال فلان كذا، قال قتادة بالقدر، قال الأعمش بالتشيع، قال فلان بكذا». قام يسرد بعض من وقع من أهل البدع، أو وقع من أهل السنة في بعض البدع. كل ذلك يريد أن يدافع عن شيخه، حتى يظهر شيخه بأن هذه البدع التي عنده لا تضر. فذكروا للكرابيسي أنه ينبغي أن يتراجع عن هذا الكتاب. فقال أبو عبد الله المروزي: فذهبنا للكرابيسي وقلنا له: إما أن تتراجع عن هذا الكتاب، وإما أن نخبر أبا عبد الله بهذا، أي الإمام أحمد. فقال: «أبو عبد الله رجل صالح مثله يوفق إلى الحق». قال: فقرأنا عليه، على أبي عبد الله، هذا الكتاب الذي ألفه الكرابيسي، فلم نذكر له اسمه، فذكرنا له ما قاله في هذا الكتاب. فقال: «هذا كتاب سوء، حذروا من هذا الكتاب، جمع لأهل البدع ما لم يجمعه». قال: «جمع لأهل البدع ما لم يجمعه، جمع كلامه، أي جمع لمن أراد أن يستدل من هذه البدع، فيقول: فلان كان عنده كذا، فلان عنده كذا، فيذهب بعد ذلك تحذير العلم عن المبتدع وعن غيرهم، وتهون البدع، ويهون المخالفات. حذروا من هذا المبتدع». فلهذا قال: «حذروا منه»، مع أنه لم يعلم اسمه. ثم ذكروا له اسمه، قال: «ذاك، فعل الله به وفعل، أن له أشياء أيضًا خاطئة، وله أشياء تنتقد عليه». فلهذا فهذا المنهج قديم منذ ذلك الزمان، وحذر منه الإمام أحمد رحمه الله. فجاء أولئك وأجددوا هذا المذهب، وجاء أبو الحسن أيضًا وجدد هذا المذهب. فأبو الحسن كان ممن ينكر هذا المذهب، فعل أشياء في إنكاره، ثم بعد ذلك كان ممن يقول به، وأراد أن يدافع عن مشايخ الإخوان المسلمين، والذي كان يتابع ما حصل بينه وبين الشيخ ربيع في سيد قطب سيعلم ذلك. أراد أن يدافع عن سيد قطب بكل ما أوتي، لكن الشيخ ربيع كان مطلعًا على كتب سيد قطب، فذكر له أنه يقول بوحدة الوجود شعرًا ونثرًا، بل وقرره، ونسبه إلى أهل التصوف عما يدل على أنه يعرف هذا، نسبه إلى أهل التصوف، ثم يقول بذلك. يقول: أنه ليس هناك شيء إلا الله جل وعلا، على قول أهل وحدة الوجود. وهذا قول كفر، وكفر العلماء أصحابه، من يقول به من أهل الاتحاد والحلول. وحدة الوجود، أهل الاتحاد والحلول، معنى أن الذين يقولون أن الله... أن فلان حل منهم، من يكون خاصًا يقول: فلان الولي حل فيه الله. ومنهم من يقول: أن كل شيء هو الله. وهذا هو أهل وحدة الوجود. معنى أهل الاتحاد والحلول على قسمين: منهم من يكون يرون ذلك في أوليائهم، مثل الرافضة، وكذلك أيضًا بعض الجهمية. ومنهم من يرى أن ذلك في كل أحد، ليس هناك أحد إلا الله، ليس هناك أحد إلا الله. فالله عز وجل يحل في كل شيء، تعالى الله عز وجل عن ذلك علوًا كبيرًا. فلهذا فهؤلاء أرادوا أن يدافعوا عن البدع، حتى يتسنى لمناهجهم أن تمشي على منهج أهل السنة، وكذلك ينحرف الناس إلى مثل هذه المذاهب، مذاهب التكفير والتفجير وغيرها من هذه التي شوهت الإسلام، والتي صدت عن الدعوة إلى الله جل وعلا. فلهذا فأهل العلم والعلماء الربانيون هم أعرف الناس بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فخلاصة ما يذكر في هذا: أنه ليس من المنهج الصحيح، ولا من منهج السنة، أن الإنسان إذا أراد أن يحذر يذكر محاسن الشخص. وإنما هذا في مسألة التقويم، إذا أراد أن يذكر ما له وما عليه، مثل التراجم. لهذا بعضهم يقول: انظر إلى الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، قال فيه كذا وكذا. الذهبي يقوم يذكر ما له وما عليه، ليس هو الآن في باب التحذير. لكن إذا وجد فرصة حذر من هذا الشخص إذا كان ضرره عظيم. لكن الكتاب ألفه للتراجم، يعني يذكر ما للشخص وما عليه. قال رحمه الله تعالى: لما ذكر الله المنحرفين من أهل الكتاب، بيّن حالة المستقيمين منهم، وأن منهم أمة مقيمين لأصول الدين وفروعه. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو الخير كله، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وهو جميع الشر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159]. معنى ﴿مِن قَوْمِ مُوسَىٰ﴾ أي من أمة اليهود. قال: ﴿قَوْمِ مُوسَىٰ﴾، ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. فذكر الله عز وجل أن من أهل الكتاب، أي قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. هذا موجود فيهم، ولا يساوون هؤلاء الظالمين من اليهود والنصارى وغيرهم، ممن كانوا يقتلون الأنبياء. فلما ذكر الله عز وجل قتلهم الأنبياء، وكذلك كفرهم، وغيرها من هذه الأمور، ذكر أن منهم، أي قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم من كان قائمًا آناء الليل ويتلو كتاب الله جل وعلا، وهو التوراة والإنجيل، أي التوراة عند اليهود والإنجيل عند النصارى، وكذلك يصلي، وأيضًا يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويسارع في الخيرات. ويسارع في الخيرات، أو لا موجود هذا النوع في اليهود وفي النصارى؟ وقصة سلمان الفارسي دليل على هذا، على أن هناك أناسًا من النصارى على خير وعلى هدى وعلى طريقة صحيحة. فذكر الله عز وجل لهم ذلك. قال: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾، والمسارع إلى الخيرات قدر زائد على مجرد فعلها، يعني ليس فقط أنه يفعل الخيرات، بل يسارع فيها. فقال: المسارع إلى الخيرات قدر زائد على مجرد فعلها، فهو وصف لهم بفعل الخيرات والمبادرة إليها وتكميلها بكل ما تتم به من واجب ومستحب. قال: ثم بيّن تعالى أن كل ما فعلوه من خير، قليل أو كثير، فإن الله تعالى سيقبله، حيث كان صادرًا عن إيمانه وإخلاص. ولهذا قال: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾، نكر «خير»، أي كل خير فعلوه، فالله عز وجل سيؤجرهم على ذلك، ﴿فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾ أي لن يضيع حقهم، ولن يضيع عملهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. قال: وهم الذين قاموا بالخيرات وتركوا المحرمات لقصد رضا الله وطلب ثوابه. فربنا جل وعلا لا يضيع أجر المحسنين وأجر العاملين، بل يحفظه لهم ويأجرهم به، وكذلك يجازيهم يوم القيامة بذلك، وهو الكريم سبحانه وتعالى الذي يأجر عباده بأعظم مما عملوا. هذا ما يذكر الله تعالى عنه. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.