الدرس في تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
سورة الفجر تُقسم بالفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل، وهذه الأقسام موجهة لذوي العقول. يُذكر فيها نماذج من الأمم السابقة التي طغت وبغت مثل عاد وثمود وفرعون وعاقبهم الله تعالى.
الله يبتلي العباد بالنعم وضيق الرزق، والإنسان يفشل إذا ظن الإكرام دليل استحقاق أو الضيق ظلم. الابتلاء الحقيقي في الإيمان والأعمال، والناس يفشلون بسبب عدم إكرام اليتيم وعدم التحريض على طعام المسكين وإسرافهم في أكل الميراث وحبهم للمال.
يوم القيامة عظيم، يأتي الله والملائكة صفًا، وتجاء بجهنم، ويتذكر الإنسان أفعاله، ويرجع المؤمنون راضين مرضيين. العذاب يومئذ شديد، والكافرون يوثقون بالسلاسل والأغلال، بينما يُدخل المؤمنين الله جنته راضين مرضيين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا المقام إخواني في الله، سيكون فيه الاستذكار لما مضى من تفسير سورة الفجر. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: سورة الفجر ذكرنا أن هذا اسمها بالاتفاق، قال سبحانه وتعالى: ﴿والفجر﴾ قلنا: هذا أسلوب قسم، أقسم ربنا عز وجل بالفجر. قيل: إن الفجر هي صلاة الفجر أقسم الله بها، والصحيح أن الله أقسم بوقت الفجر؛ لأنه آية من آيات الله العظام. ﴿وليال عشر﴾ القسم الثاني أقسم ربنا عز وجل بهذه الليالي، قلنا: على القول الصحيح، وهو قول كثير من العلماء: أنها الأيام العشر من ذي الحجة. قال: ﴿والشفع والوتر﴾ أقسم ربنا عز وجل بالشفع والوتر، واختلف العلماء فيما معنى الشفع والوتر؟ قيل: الشفع هي يوم النحر، والوتر يوم عرفة. وقيل: الشفع هم الخلق، والوتر هو الله عز وجل. وقيل: إن الله أقسم بما هو كل شفع، ولكل هو وتر، أقسم بالكل كما رجح ذلك الطبري وجماعة. قال: ﴿والليل إذا يسر﴾ هذا قسم آخر، أقسم ربنا عز وجل بالليل في حركته ذهابًا وإيابًا، إقبالًا وإدبارًا. قال: ﴿هل في ذلك قسم﴾ أي في هذا القسم، قسم ﴿لذي حجر﴾ أي صاحب عقل، وسمي العقل حجرًا؛ لأنه يحجر - يمنع صاحبه عن سفاسف الأمور. ثم قال سبحانه: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد﴾ وهم العاد الأول، قوم هود ﴿إرم ذات العماد﴾ إرم على القول الصحيح أي مملكة إرم، قوم عاد سكنوا في مملكة إرم ذات العماد، هذا وصف لقوم عاد، واختلف العلماء في هذا الوصف. ﴿ذات العماد﴾ أي ذات الطول، هذا الطول يعود إلى ماذا؟ قيل: إلى أجسامهم وأجسادهم، فالله عز وجل أعطاهم بسطة في الجسم. وقيل: ذات العماد أي في منازلهم وفي أبنيتهم. قيل: هذا وقيل ذاك. ﴿التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾ أي أن الله عز وجل لم يجعل لهم نظراء في عظيم خلقتهم، بل قالوا ذلك عن أنفسهم: ﴿من أشد منا قوة﴾ من أشد؟ لما يروا من عظيم ما أعطاهم الله من القوة، وكذلك من العظمة. قال: ﴿وثمود الذين جابوا الصخر بالواد﴾ أي تقدير الكلام: ألم تعلم أيضًا يا محمد كيف فعلنا بثمود، وهم قوم صالح ﴿الذين جابوا الصخرة﴾ جابوا - قطعوا، شقوا الصخرة، أي الصخور ﴿بالواد﴾ أي بوادي القرى، إذ كانوا ينحتون من الجبال بيوتًا، يأتون إلى الجبال فينحتونها نحتًا، بيوتًا وقصورًا، وذلل من قوة ما أعطاهم الله من هذه القدرة على نحت الجبال. ﴿وفرعون ذي الأوتاد﴾ وهذا النموذج الثالث، أي ألم تعلم يا محمد كيف فعلنا بفرعون؟ قال سبحانه: ﴿ذي الأوتاد﴾ أي صاحب الأوتاد، وما معنى ذي الأوتاد؟ قيل: أي ذي الجنود، أي عنده من الجنود ومن الجيوش ما يأتمرون بأمره. وقيل: ذي الأوتاد أي عنده أوتاد كان يتخذها لكي ينكل بالمخالفين وبالمستضعفين وبكل من خرج عن طوعه وعن عبادته. قال سبحانه: ﴿الذين طغوا في البلاد﴾ الذين يعود إلى من مضى، إلى قوم ثمود وإلى قوم عاد وإلى قوم فرعون، هؤلاء هذه نماذج عن أناس طغوا وبغوا، والطغيان مجاوزة الحد في الفساد. قال: ﴿فأكثروا فيها الفساد﴾ قال: القتل وغيره، أي أفسدوا، وأعظم الإفساد ما كان من شركهم بالله جل في علاه. قال: ﴿فصب عليهم ربك سوط عذاب﴾ سوط أي نوع عذاب، كل هذه النماذج السالفة لما بلغوا من الفساد مبلغًا، حينها استحقوا أن الله عز وجل يعاقبهم، وعقاب الله أن أنزل الله عز وجل عليهم أنواع العذاب، فذاك بالريح، وذاك بالصيحة، وذاك بالإغراق، فكلًا أخذنا بذنبه. عقبهم الله سبحانه وتعالى: ﴿فصب عليهم ربك سوط عذاب﴾. هل هذه العقوبات لهم؟ قال سبحانه: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ فهذه النماذج إنما هي عبر لمن يأتي بعدهم، فالله عز وجل أمام كل فاسد ومفسد له بالمرصاد، فالله عز وجل سينتقم منه. ثم قال سبحانه: ﴿فأما الإنسان إذا مبتلاه ربه﴾ فالإنسان في هذه الدنيا هو عرضه للابتلاء والاختبار. قال: ﴿فأكرمه ونعمه﴾ وهذا فيه تنبيه على أن من صور الابتلاء الذي يغفل عنها الناس: أن الله يبتل العباد بالنعم، يبتليهم بالأرزاق، يبتليهم بالخيرات والأموال، حتى إن بعض الناس يفتتن فيقول ماذا؟ كما قال ربنا: ﴿فيقول ربي أكرمن﴾ أي ربي أكرمني، لماذا أكرمني؟ لأني مستحق، أنا وضعي وحالي يستحق أن أعطى، فوقع في البلية ووقع في الفتنة. ثم قال سبحانه: ﴿وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه﴾ بمعنى التضييق، وهذا نوع ثاني من أنواع الابتلاء، وأن الله عز وجل قد يبتلي بعضًا من الناس بضيق المعيشة، بقلة الأموال، بقلة الأرزاق، بشدة في المؤونة، بضعف في المعيشة، فهؤلاء يبتليهم ربنا عز وجل، لكن يفشلون في الاختبار. ووجه الفشل كما قال ربنا عنهم: ﴿فيقول ربي أهان﴾ أي ظلمني ربي، ظلمني بما كان من تقديره وتضييقه عليه. ثم قال سبحانه: ﴿كلا﴾ ليس الأمر كذلك، لا مع الأول الذي أعطيناه فظن أنه بإعطائنا أنه مستحق للإكرام، ولا الذي ضيقنا عليه فظن أننا ظلمناه، لا ليس الإعطاء إشارة للإكرام، ولا المنع إشارة إلى الظلم والهضم، لا ليس الأمر كذلك، وإنما الأمر يعود إلى الإيمان وإلى الأعمال، هنا البلية والابتلاء. ثم قال سبحانه: ﴿كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين﴾ قلنا: هذه الآيات والأفعال التي ستأتي معنا تأتي بالياء وتأتي بالتاء، ﴿بل لا يكرمون﴾ ﴿بل لا تكرمون﴾ بهذا وبذاك، هنا على قراءة المؤلف أنها بالياء. قال: ﴿بل لا يكرمون اليتيم ولا يحاضون على طعام المسكين﴾ أي هذا من صفات الكافر، ومن قل دينه: أنه ضن بأرزاقه، فما أخرجها للمستحقين، فلا تجده يكفل ويحسن لليتامى، ولا تجده كذلك يطعم الفقراء والمساكين. ﴿وتأكلون التراث أكلا لما﴾ أي تأكلون الميراث أكلا شديدًا، وهذا على ما كان عليه أهل الجاهلية، ولا زال الناس - أي بعض الناس - على هذه الأخلاق الدنية، من أنهم يأكلون ميراث الضعفاء، فتجد أن الأقوياء لربما وضعوا أيديهم على حصة الأنثى وعلى حصة الصغير بحجة عدم التدبير، فيضعون الأيدي على هذه الأموال فيأخذونها ويأكلونها أكلا لما - أي شديدًا - فيلصقون أموال هؤلاء بأموالهم. ﴿وتحبون المال حبا جما﴾ على قراءتين، يحبون المال حبًا كثيرًا، يظهر ذلك في جمعهم للمال، في جمعهم للمال من حله ومن حرامه. قلنا: وفي هذه الآية إشارة أدبية تربوية على أن المرء إذا كانت عنده أموال، فينبغي أن يصرفها إلى مستحقيها، وليبخل بها. وبالمقابل من لا مال عنده فلا يتصلف أو يتشرف على مال غيره. وهنا جاء القسم الذي به ذكر ربنا عز وجل أن الإنسان يبتلى بالإكرام ويبتلى بالإنعام، فإذا ابتلاك الله عز وجل بالإكرام وعطاك، أعطاك المال، وأردت أن تفوز في هذا الاختبار، أنفق مالك، أنفقه لليتامى والفقراء والمساكين وكل محتاج. ويا من ابتلاك الله بالضيق في مالك وأرزاقك، فلا تتشرف لمال غيرك، لا بأكل الميراث من الضعفاء، ولأنك تأخذ المال من حله وحرامه، كل ذلك منهي عنه. ثم قال سبحانه: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكًا دكًا﴾ قلنا: وفائدة ذكر القيامة بعد تلكم الآيات إشارة وتنبيه لهذا الإنسان الذي انغمس في هذه الدنيا، فأصبحت عنده الموازين والمعايير هي الدنيا فقط، هي الدنيا في تعامله مع ربه: إن أعطاني أكرمني، وإن لم يعطني ظلمني. أو في تعامله مع خلق الله: لا يعطي من ينبغي أن يعطى، ولأنه كذلك يكتفي بالذي عنده، بل يستولى على مال غيره، كل هؤلاء الذين يردعهم تذكر، تذكر أن ما أنتم عليه ومتاع زائل، ستذكر، ستفهم هذا إذا دكت الأرض دكًا دكًا، حين سيتزهل كل هذه الأفهام وهذه المعايير، وحين ستعلم يا عبد الله أنك كنت تعيش في أوهام. قال: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ أي هذا يوم القيامة، وهذا المجيء حقيقي، فالله عز وجل أضاف المجيء إلى نفسه الشريفة، فهو يأتي مجيئًا يليق بجلاله وعظمته، وهكذا الملائكة تأتي صفًا صفًا، أي صفوفًا متوالية أو صفًا واحدًا متراصًا. ﴿وجيء يومئذ بجهنم﴾ أي مما يؤتى به يوم القيامة، في هذا اليوم العصيب أن يؤتى بجهنم، وقد جاءت في السنة النبوية كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري في صفة مجيء جهنم إلى ساحة الحشر يوم القيامة: أنها تجر بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها. ﴿يومئذ يتذكر الإنسان﴾ ﴿وأن له الذكرى﴾ حينها سيعلم الإنسان الواقع، وهذا هو المصير الذي كان يهرب منه، وهذا هو الأمر الحتمي الذي من أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، أن حذروا من هذا اليوم، الكل ما من أمة إلا جاءها نذير، الكل والرسائل والشرائع اتفقت على التحذير من هذا اليوم، هو اليوم الآخر، اليوم الأخير، يوم القيامة، البعث والنشور، هذا اليوم ستلاقيه. طبعًا الناس في غفلة، متى سيتنبه وتزول عنه الغفلة؟ إذا أصبح أمام الأمر الواقع حين يتذكر، لكن يبقى السؤال: هل تنفعه الذكرى؟ ﴿أن له الذكرى﴾ ما ستنفعه، قد فات الأوان للتذكر، يقول: ﴿يا ليتني قدمت لحياتي﴾ قلنا: ﴿لحياتي﴾ على قولين اثنين، إما ﴿لحياتي﴾ اللام هنا ظرفية، أي قدمت في حياتي، فالحياة بمعنى الحياة الماضية. يا ليتني جعلت في حياتي الماضية من الأعمال الصالحة. أو ﴿لحياتي﴾ أن اللام هنا اللام التعليل، أي قدمت لأجل حياتي، فالحياة هنا الحياة الأخروية، أي قدمت لها ما أجده أمامي عند ربي. على قولين اثنين، والمعنى يمكن لهذا ولذاك، أكثر العلماء على المعنى الثاني. ﴿فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد﴾ هذه على قراءتين، على قراءتنا بالكسر: ﴿يعذب يوثق﴾ بمعنى: أي ما هناك أحد أشد تعذيبًا من الله لمستحقه، لمستحق العذاب، فالله عز وجل يعذبهم يوم القيامة العذاب الأكبر، سبحانه العذاب الأكبر شدة الغضب والعذاب، سيصلطها الله عز وجل لكل مجرم ولكل من غفل عن هذا اليوم. هذا إذا قلنا: ﴿يعذب ويوثق﴾ وعلى القراءة الثانية: ﴿يعذب ويوثق﴾ يكون الضمير إلى الكافر، أن الكافر سيجد أنه ما هناك أحد سيعذب كعذابه، ولن يجد الكافر أحدًا يوثق كوثاقه بالسلاسل والأغلال وبالأنجاد، ما هناك أحدًا مثله لعظيم مخالفته. هذا على القراءتين. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ هي نفس المؤمن، وصفت بهذا الوصف الإطمئنان؛ لأن الغالب على قول من أقوال المفسرين: أن الغالب في حال النفس المؤمنة أنها مطمئنة في هذه الدنيا، لا يعكر عليها شيء، فهي إن أصابتها سراء شكرت، فكان خيرًا لها، وإن أصابتها ضراء صبرت، فكان خيرًا لها، فما عندها تصخب، ولا عندها تذمر، إلا من كان ممن ضعف إيمانه. ﴿ارجعي إلى ربك﴾ قل: أي إلى الله سبحانه وتعالى، هذا هو القول الشهير، ومنهم من قال: ﴿ارجعي إلى ربك﴾ أي إلى يا أيتها الروح ارجعي إلى جسد صاحبك، نعم نقل هذا القول عن بعض، لكنه قول غريب وبعيد كما قال المفسرون، والقول الصحيح: ﴿ارجعي إلى ربك﴾ أي يا أيتها الروح ارجعي إلى ما عند الله سبحانه وتعالى. ﴿وأنت راضية مرضية﴾ على حالتين اثنتين: ﴿أنت راضية﴾ أي بما تجدين من الثواب على ما كان من الإيمان والأعمال، فمن كان لله مصليًا تقيًا خائفًا من الله عز وجل، فإنه ما يجد عند الله عز وجل إلا كل خير، كل خير، فهي ستكون راضية بما تجده عند الله، وتكون مرضية أي أن الله يرضى عنها. ﴿فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ قلنا: على قولين، الأول ما أشار إليه المؤلف: ﴿فادخلي في جملة عبادي الصالحين﴾ وعلى القول الثاني: أن ﴿في﴾ بمعنى مع، أي فادخلي مع عبادي، والمعنى هنا وهنا واحد. ﴿جنتي﴾ جنة الخلد، أضافها الله جل في علاه إلى نفسه، يسمي العلماء ذلكم إضافة تشريف. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.