الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 52، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تفسر الآية آلية التحكيم عند خوف الشقاق، مؤكدة حرص الشرع على تماسك الأسرة ووقايتها من التفريق. الإصلاح الداخلي بالوعظ والهجر مقدم على اللجوء للحكام مع النهي عن تعجيل الطلاق.
يبيّن المقطع مراحل علاج الشقاق بدءاً بالإصلاح الداخلي ثم الاستعانة بمصلح ثم بعث حكمين. يشترط في الحكمين البلوغ والإسلام والعدالة والعقل والقدرة على الجمع أو التفريق.
يشرح شروط الحكمين حيث ينظران في الشكاوى ويسعيان للإصلاح فإن تعذر أصلحا بالتفريق وقرارهما نافذ. يستدل بقصة ابن عباس ومعاوية ويؤكد أن التوفيق من الله.
يشرح معنى اسمي الله العليم والخبير مبيناً أن الله مطلع على الظواهر والبواطن والنوايا. ويختتم المؤلف بأن هذا خلاصة تفسيره للآية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ [النساء: 35]. قال رحمه الله: إن خفتم الشقاق بين الزوجين، والمباعدة والمجانبة حتى يكون كل منهما في شق، فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها. هذه الآية فيها بيان محافظة الإسلام على الأسرة، وأنها لها شأن عظيم في ديننا، فالأسرة المسلمة هي قوام هذا المجتمع، فكلما صلحت الأسرة والأسر صلح هذا المجتمع. فلذلك حرس الشرع على عدم الفراق بين الزوجين. كما أن الشيطان، كما تقدم معنا في دروس الإقبال على الله، أن الشيطان من أهدافه أن يفرق بين الزوجين، أن يفرق بين الزوجين بشتى الوسائل والطرق. ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر أن الشيطان ينصب عرشه على الماء، أو جاء في رواية على البحر، ثم يبعث سراياه، أي جنوده، يبعثهم لإضلال الناس وغوايتهم. فيأتي هذا فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: أحسنت. ويقول الآخر: فعلت كذا وكذا، فيقول: أحسنت. فيأتيه الثالث أو غيره فيقول: لم أزل به حتى فرقت بينه وبين زوجته. قال: فيقول: لم أزل به حتى فرقت بينه وبين زوجته. قال: فيضمه الشيطان ويعتنقه ويقول: أنت، أنت، أي أنت الذي أصبت، الذي أردت، الذي فرق بين الرجل وزوجته. فلذلك فالشيطان حريص على التفريق، فربنا جل وعلا ذكر أمورا، وجاء في الشرع أيضا أمورا عظيمة في الحفاظ على هذه الأسرة، وهذا موضوعه طويل. لكن هنا الذي خصنا في هذه الآية أن الله عز وجل من المحافظة على هذه الأسرة بيّن إذا حصل الخلاف والشقاق بين الزوج وزوجته، ولم يستطيعا الصلح فيما بينهما، عن الأفضل والأولى أن يكون الصلح بينهما. فالله عز وجل قال: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128]. معنى ذلك: إذا خافت المرأة أن الرجل يفارقها ويطلقها ويتزوج أخرى عليها، فإنه يصلح بينهما، يحاول أن يصلح، أن تصلح المرأة ما السبب الذي يجعل الزوج أن يفارقها، تصلح هذا الشيء. وكذلك الرجل يحرص على الأمر الذي لا يفرق بينه وبين زوجته. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وأعوج ما فيه أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وكسره طلاقها». أي إذا أردت أن تقيم هذا العوج ما تستطيع أن تقيمه إلا بطلاقها، فلذلك تركه، أترك المرأة على عوجها. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي آخر». ما ستكون المرأة فيها أخلاق فقط مثلا رديئة فقط، ليس فيها خلق يعجب هذا الرجل؟ أكيد ستكون هناك لها أخلاق رديئة ولها أخلاق حسنة، فلا يفرك مؤمن مؤمنة، أي لا يتركها لأجل خلق رآه منها ما عجبه، فقد يكون هذا الذي لا يعجبه أيضا يأتي خلق آخر يعجبه. لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي آخر. فلذلك فالقيام أولا يكون بالإصلاح بينهما، لا ينبغي أن يخرج ما يكون من الأسرة أو ما يكون من الشقاق خارج الأسرة إلا إذا اضطر لذلك. إذا لم يجد الزوج علاجا لهذه المرأة، على أن يحاول يعظها، مثل ما تقدم في الآية قبلها، فالآية قبلها فيها علاج داخل داخلي في الأسرة، معنى بين الرجل وزوجته. فإذا حصل منها شيء أو حتى حصل منه شيء، فإن الوعظ أو الهجر، معنى كذلك، قد يكون الهجر. ولهذا أجاز بعض العلماء أن المرأة تهجر فراش زوجها في بعض الأحوال، وبعضهم يمنع ذلك بتاتا لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، باتت الملائكة تلعنها حتى تصبح». لكن بعض العلماء قالوا: من أحاديث الزجر بالهجر وغيرها مما جاءت، فيجوز المرأة أنها تهجر، لكن لا تهجر الفراش. إذا أرادت تهجر لا تهجر الفراش، وإنما مثلا تهجر أشياء، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «إني أعلم متى تغضبين ومتى لا تغضبين». فقال: «إذا قلت: ورب موسى، فهذا في غضبك، وإذا قلت: رب محمد، فهذا في فرحك» أو كذا أو سرورك أو في عدم غضبك. فقالت، أو بمعنى الحديث، قالت عائشة رضي الله عنها: «إنما أهجر اسمك». فهذا إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا أن المرأة لها تهجر، لكن لا تهجر الفراش، لا تهجر الرجل في فراش، لكن تهجر أمور، مثلا لا تكلمه، لا مثلا تحاول أنها تفعل أشياء لأجل أنه يرجع إلى عقل. أحيانا مثلا تجد الزوج يخل بالصلاة، أو مثلا يترك الزوجة بدون طعام هي وأولادها، ويذهب ويبذر بهذا المال في إجارة أو في غيره، فلذلك تحتاج إلى مثل هذا. لكن الأصل أن هذه الأشياء يؤدب بها الرجل المرأة. فهذه الآية الأولى فيها إصلاح الرجل مع زوجته فيما بينهما، لا يخرجون هذه الأشياء خارج البيت. المرأة كل شيء تحكيه للناس أنه قال كذا وقال وفعل وفعل، خاصة غالبا تجد المرأة تحكي لأمها أو لأقاربها، وهذا خطأ، وهذا مما يزيد الفجوة، لأن تلك تعطيها رأي وهذه تعطيها رأي، ويزيد الشقاق والخلاف. لكن لو حسمت المرأة هذه الأشياء في بيتها، فغالبا ما تذهب هذه المشاكل أدراج الرياح. فلذلك فالواجب الذي ينبغي على الرجل ومرأته أنهم لا يخرجون مشاكلهم خارج بيتهم، وإنما يصلحون فيما بينهم. لكن إذا تفاقم الأمر، ولم يستطع الزوج أو كذلك الزوجة أن يصلح الأمر، فلا بأس أن تستعين بمن يصلح ذلك الأمر، فيكون صلحا بينهما، يعني يأتي إنسان يصلح بينهما. إن لم يستطع، تطبق هذه الآية: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾. هذه الطريقة ممكن تقول الطريقة الثالثة: أولا الإصلاح داخل الأسرة، إذا لم يكن كذلك يدخلون من يصلح بينهما، إذا تفاقم الأمر واشتد الخلاف، وخشي الزوج الفراق أو أنه يطلق امرأته ويفارقها، فيدخل من يأتي من أهلها، رجل يكون من أهلها له عقل، له قوام، له كذا، ويأتي رجل من أهله، ينظرون في هذه المشكلة، ينظرون في هذه المشكلة. فقال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾. هذا كما قلنا إذا لم يستطيعا أن يحل المشكلة بينهما، أو يدخل وسيطا يحلها. قال: أي رجلين مكلفين، مسلمين، عدلين، عاقلين، لأن هذه المشكلة تحتاج إلى عقل، تحتاج إلى فقه، لا تحتاج إلى إنسان يغضب من نفسه ويأتي بكلمات هكذا. بعض النساء أو الرجال يأتي بمن لا يستطيع أن يملك نفسه في المخاطبة وفي كذا، هذا ما يصلح، ما يصلح أن يصلح بين الناس، يعني يأتي فقط ويخرب عليهم. فبعض الناس تجد طبعه الغضب، عنده غضب شديد، يغضب بسرعة، وهذا خلق غير طيب. النبي عليه الصلاة والسلام قال لذاك الرجل: «لا تغضب». أوصني يا رسول الله، قال: «لا تغضب». فردد مرارا، قال: «لا تغضب». فالغضب جماع الشر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». إذا غضب أملك نفسه، أما الذي لا يستطيع أن يملك نفسه هذا ما يستطيع أن يصلح بين الناس. فمثل هذا لا يأتي به إذا كان من هذا النوع. فلذلك قال المؤلف رحمه الله: رجلين مكلفين، مسلمين، عدلين، عاقلين، يعرفان ما بين الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق، أن متى يصلح أن يجمع بينهما، متى يصلح أن يفرق بينهما. أحيانا تستدعي الطرق ما يستطاع أن يجمع بينهما، معناها قد يكون من الرجل، أو قد يكون من المرأة، أو أنه مثلا قد جرب وقد أعطي له فرص لكنه لم يتغير، أي هذا الزوج أو المرأة، وأعطيت لها فرص لكنها لم تتغير، فيرى هذان المصلحان أن الأفضل أن يفرق بين الزوج وزوجته. ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾. قال رحمه الله: قال وهذا مستفاد من لفظ الحكم، لأنه لا يصلح حكما إلا من اتصف بتلك الصفات، أنه يكون عدل، مسلم، عاقل، مكلف، لأن هذا حكم يحكم إما بالصلح وإما بالتفريق. قال: فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه، أي: إيش عندك على هذه المرأة، ويقال للمرأة: ما عندك على هذا الرجل؟ معناه: يلمّان بالقضية. فإذا ألما بالقضية تشاوروا بينهما، ورأوا الأصلح. فإن رأى، معناه الأصلح، أصلح. وإن رأى الفراق فرق. وإن اختلفوا فيما بينهم، فيرى الله عز وجل ما هو أصلح. ولهذا ما يذكر في عن السلف أن رجلا من قريش، من بني مخزوم، أو من غيرهم من القبائل، أو امرأة من بني مخزوم تزوجت رجلا من بني هاشم، فكانت دائما تمدح عباءها، وتمدح شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة، وتقول: فأين هم هؤلاء؟ فكان الزوج يقول: هم على يسارك في النار، أنظر على يسارك في النار ستجديهم. فالمهم حصل الشقاق والخلاف بين هذا الرجل والمرأة. فالهاشمي أو الهاشمية هذا جاء بابن عباس، وهذه المخزومية أو الأموية جاءت بمعاوية. فأراد أن يصلح بينهم، فتفاهم القضية، فرأى ابن عباس أنه يفرق بينهم، ومعاوية قال: لا بد أن نصلح بينهم، والله لا أفرق بين الزوجين، ما أريد الفراق بينهما، بل نصلح بينهم. قال: فلما جاء، رأى الباب قد سد، وقد أصلح بينهما البين، معنى اصطلح الزوج وزوجته، وسدوا بابهم، ولم يحتاجوا إلى أحد أن يصلح بينهما. فهذا الأولى، لكن إذا تفاقم الأمر فلا بد من الإصلاح. قال: فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه، ثم يلزمان كل منهما ما يجب، فإن لم يستطع أحدهما ذلك، قنع الزوج الآخر بالرضى بما تيسر من الرزق والخلق. ومهما أمكنهما الجمع والإصلاح، معناه الله عز وجل لم يذكر الفراق، وإنما ذكر الإصلاح: ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا ﴾، فلذلك فلا بد أن يجتهد على الإصلاح بشتى الأمور بالوسائل. لكن إذا ما وجدوا، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾، ومعنى ذلك: إن كان ليس هناك إصلاح، فيكون الفراق. قال: فيقنع الزوج أنه يرضى بما تيسر، وترضى المرأة بما تيسر من الرزق، وكذلك من الخلق. قالوا: مهما أمكنهما الجمع والإصلاح فلا يعدلا عنه. فإن وصلت الحال إلى أن لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما إلا على وجه المعاداة والمقاطعة ومعصية الله، ورأى أن التفريق بينهما أصلح، فرق بينهما. ولا يشترط رضا الزوج، كما يدل عليه أن الله سماهما الحكمين. عن بعد ذلك إذا جاء الحكم أو الحكمين، إذا جاء الحكمان ورأى أنه يفرق بينهما، يعني ما يقول الزوج: لا، إلا برضاي، لا، ما يقال هذا، خلاص هؤلاء يحكمون، يقولون رأوا أن الفراق، أو لا، يعني هذا الرجل يضرب امرأته، يعذبها، يفعل ويفعل، يجوعها، فلم تستطع المرأة أن تصلح، فجاء من يصلح، هذا يقول: لا، الزوج أنا ما سأرض. فرأى الحكمان الفراق بينهما، فهنا يعتبر هذا الحكم حكم طلاق، يعتبر حكمهما حكم طلاق، وهذا هو قول جمهور العلماء. قال: ولا يشترط رضا الزوج، كما يدل عليه أن الله سماهما الحكمين، والحكم يحكم وإن لم يرضَ المحكوم عليه. ولهذا قال: ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾. أكثر المفسرين قالوا: أن الآية الضمير يعود فيها إلى الحكمين، إلى الحكمين، ومنهم من قال: إلى الزوجين، لكن المراد به الإصلاح، سواء كان يريد إصلاحا أي الزوج والزوجة، أو كذلك أيضا يريد إصلاحا أي الذين يحكمان بينهما، فمن أراد الإصلاح فالتوفيق من عند الله، يوفقه ما لهذا الإصلاح. قال: بسبب الرأي الميمون، والكلام الذي يجذب القلوب، ويؤلف بين القرينين. هذا الذي يريد أن يصلح يحاول أنه ينمق الكلام، يزين الكلام، يعظهم بشيء مما يقرب بينهما. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾، أي عالما بجميع الظواهر والبواطن، عالم بمن يريد الإصلاح ومن لا يريده، مطلعا على خفايا الأمور وأسرارها، فمن علمه وخبره أن شرع لكم هذه الأحكام الجليلة والشرائع الجميلة. فهذا خلاصة ما ذكره المؤلف هنا في تفسير هذه الآية، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.