الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن الإحسان للوالدين الوارد في قوله تعالى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يشمل القول الكريم والفعل الجميل والطاعة والإنفاق، وينهى عن أدنى صور العقوق كقول "أف" والنهر. ويؤكد أن مخاطبة الوالدين يجب أن تكون بالقول الكريم اللائق.
يبين المقطع آداب التعامل مع الوالدين كخفض الصوت واختيار الكلام الكريم، ويفسر آيات الإحسان بالتواضع والدعاء لهما. ويشير إلى أن الإحسان يشمل كل ما يسرّهما من معاملة طيبة وإنفاق، وأن حقهما مقدم على غيره.
يوضح المقطع أن الإحسان ليس مجرد تجنب الإساءة أو إعطاء الحقوق المادية، بل يشمل الرفق والرحمة وإدخال السرور عليهما. ويؤكد أن مجرد ترك ما يسرّ الوالدين يعد من عدم الإحسان المذموم شرعاً، وأن للإحسان ضدين: الإساءة وعدم الإحسان.
يشير العلماء إلى أن الإحسان إلى الوالدين واجب، وأن الوالدين هما أوسط أبواب الجنة كما ورد في سنن الترمذي عن أبي هريرة. لذا يُنهى عن التقصير في برهما ويُكتفى بهذا الدليل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد ذكرنا تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. وهذه الآية تسمى أيضًا بآية الحقوق العشر أو الوصايا العشر. ذكرنا أولًا حق الله جل وعلا، وهو عبادته سبحانه وتعالى وعدم الشرك به. ثم قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، أي: أحسن إليهما بالقول الكريم، والخطاب اللطيف، والفعل الجميل، بطاعة أمرهما واجتناب نهيهما، والإنفاق عليهما، وإكرامهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما. وللإحسان ضدان: الإساءة، وعدم الإحسان، وكلاهما منهي عنه. فحق الوالدين من أعظم الحقوق بعد حق الله جل وعلا. وأيضًا الإحسان إلى الوالدين أعظم إحسان إلى الخلق، أن يحسن الرجل إلى والديه. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. يعني: يكبر ويصير شيخًا كبيرًا، فلا تقل لهما "أف"، هذه الكلمة التي قد تكون كلمة بسيطة جدًا، وقد تخرج من الشخص يتأفف على شيء من كلام والديه إذا ما عجبه. فلا تقل لهما "أف"، ولا تنهرهما؛ والنهر معناه: زجرهما بالكلام ورفع الصوت عليهما. فـ"الأف" منهي عنه، فمن باب أولى ما هو أعظم من هذا. فكيف بمن يتكبر على أبيه، أو يظن أنه أفضل من أبيه في معرفة الكلام، فيسكت أباه ويقول له: "أنت لا تفهم"، أو غير هذه الكلمات العظيمة التي تُقال للوالد أو للوالدة؟ فهذا لا يجوز، وهو من العقوق. فقال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، أي: قولًا تختار الألفاظ الجميلة، واللائقة بهما بوالديك. ولهذا كان بعض السلف لا يستطيع أحدهم أن يرفع صوته عند أمه أو عند أبيه، ويكلمهم كأخ السرار، أن يكلمهم بصوت منخفض حتى لا يعلو صوته صوتهما، فيكون من العقوق، كما قال ابن سيرين وغيره. وإنما يختار المرء عند كلام والديه الكلمات اللطيفة، ويختار الكلمات التي فيها إكرام لهما. فلا تقل لهما "أفٍّ"، ولا تنهرهما، وقل لهما قولًا كريمًا، أي: مما القول الذي يكرمهما. ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، أي: تواضع معهما، وحاول أن تستخدم التواضع، وأيضًا جانب الرحمة، تخضع لهما بالرحمة. أي أن الرحمة أعظم رحمة تكون لوالديك، لا تجعل الرحمة لغيرهما أكثر. ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. عن هذا الجزاء أنك تدعو لهما، تدعو لهما في صلاتك، في خلواتك، في دعائك، في غيرها من هذه المواضع التي تدعو الله عز وجل، فلا تنسَ أن تدعو لوالديك، ولو في الصلوات الخمس. طيب، قال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، إلى آخر الآيات التي فيها الإحسان إلى الوالدين. وقد كرر ربنا جل وعلا الإحسان إلى الوالدين، ولم يذكر تفصيلًا فيه، أي: ما جاء في الشرع التفصيل في الإحسان إلى الوالدين. ومعنى ذلك: أن كل ما يؤدي إلى سرور الوالدين، وإلى ما يكرمهما، فهو من الإحسان، سواء كان بالمعاملة الطيبة الحسنة، سواء كان أيضًا بإعطائهما المال، أو بإعطائهما شيء من أمور الدنيا مما يحبونه من الطعام والشراب؛ يأتي لهما بالطعام الذي يحبانه، يأتي لهما أيضًا بالشراب الذي يحبانه، وهكذا. فهذه أيضًا من الإحسان. تجد كثيرًا من الناس يحسن إلى زوجته أكثر مما يحسن إلى أمه أو إلى أبيه، فيختار الطعام الذي يفرح زوجته أكثر مما يختار الطعام الذي يفرح أمه، وكذلك الشراب، أو كذلك اللباس، وغيرهما مما يكون فيه الإحسان. فأولى بالإحسان هما الوالدان. قال: «وللإحسان ضدان». انظر إلى فقه الشيخ رحمه الله: الله عز وجل أمر بالإحسان، والإحسان له ضدان: الإساءة، وعدم الإحسان. ليس فقط أن عدم الإحسان إلى الوالدين أنك تسي إليهما، لا، بل إذا لم تحسن إليهما فأنت أيضًا مسيء، فأنت أيضًا معاتب، وكذلك أيضًا تعتبر نوعًا من العقوق إذا لم تحسن إلى الوالدين؛ لأن الله عز وجل أمر بالإحسان إليهما. لو أن الإنسان ما أساء إليهما، ما أساء إليهما في كلام، ولا أساء إليهما في معاملة، ولا أساء إليهما مثلًا في عدم إعطائهما المال، بل يعطيهم مالًا، لكنه لا يراهما ويبتعد عنهما كثيرًا وينشغل عنهما، فهذا ليس من الإحسان، هذا ليس من الإحسان، وإن لم تكن هناك إساءة لهما، لكنه ليس من الإحسان إليهما. وكذلك أيضًا عدم الرفق إليهما، ورحمة الابن لوالديه أيضًا تعتبر من عدم الإحسان، وإن كان أعطاهما حقهما. بعض الناس يقول: "أنا أعطيهم حقهم من المال، وأعطيهم من الطاعة"، لكن تجد أنه مقصر في ناحية الرحمة، لا يرحم والده، بل يكلفه ما لا يطيق، ولا يرحم والدته، ويعاملها كأنها لها حق عليه أنها مثلًا تخدمه، أو أنها تقرب له الطعام والشراب، أو غير ذلك من الأمور التي يظنها أنها على والديه، وهي في الأصل أنها ليست كذلك. بل يحاول أن لا يكلفهما ما لا يطيقان، أو يكلفهما أشياء بالنسبة إليه، بل يجعل الإحسان منه والمعاملة منه أكثر مما تكون من والديه. أحيانًا الوالد أو الوالدة تجد أنهما يحبان أن يحسن إلى أولادهما ويخدمانهما، لكن هذا لا يدل على أن الإنسان يتكل على مثل هذه الأمور، فقد يكون هذا أيضًا من عدم الإحسان والرحمة إلى الوالدين. فلذلك قال المؤلف رحمه الله: «للإحسان ضدان: الإساءة وعدم الإحسان». عدم الإحسان أيضًا يعتبر مذمومًا بالنسبة للوالدين، وكما قلنا: لأن الله عز وجل لم يحدد إحسانًا معينًا، فلذلك فترك سرورهما، أو ترك ما يسرهما، هو من عدم الإحسان، وإن لم يسيء إليهما، لكن ترك ما يسرهما هو من عدم الإحسان. نسأل الله عز وجل العافية. قالوا: «كلاهما منهي عنه»، لأنه، لأن الإحسان واجب، لأن الإحسان إلى الوالدين واجب، والوالدان هما أوسط أبواب الجنة، كما جاء في سنن الترمذي بحديث أبي هريرة وغيره. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.