الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع اختلاف العلماء في تسمية حادثة الحديبية بين غزوة وصلح وعمرة. ويوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً لكن استعد للقتال إن عُورض، ثم وقع الصلح بعد أن أسر المسلمون من صدهم وأطلقهم النبي عفواً، ونزلت آية كف الأيدي تأكيداً لذلك.
يوضح المقطع سبب تسمية الحدث بصلح الحديبية رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج للعمرة، ويحدد موقع الحديبية بمنطقة الشميسي قرب مكة مع اختلاف العلماء في كونها في الحرم أو الحل. ويذكر مسجد الرضوان ومكان بيعة الشجرة التي لم يعرف الصحابة موضعها الدقيق، وقطع عمر رضي الله عنه الشجرة سدًا للذريعة ومنعًا للغلو في تعظيم الأماكن.
كان سبب خروج النبي صلى الله عليه وسلم لعمرة الحديبية رؤيا رآها بأنه يدخل مكة ويطوف بالبيت مع أصحابه محلقين ومقصرين، وقد صدق الله رؤياه في الآية الكريمة وتحققت في عمرة القضاء بالعام التالي. وقعت غزوة الحديبية في السنة السادسة للهجرة في شهر ذي القعدة يوم الاثنين، وليس في رمضان أو شوال كما ذهبت بعض الروايات الضعيفة.
يؤكد المتحدث أن غزوة الحديبية وقعت في السنة السادسة للهجرة بشهر ذي القعدة يوم الاثنين بإجماع المؤرخين. ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال ذكر تفاصيل مهمة أخرى في الدروس القادمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الذي مضى، أو استكملنا قراءة قصة الحديبية وما حصل فيها، في الحديث الذي ذكره عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، فذكروا تفاصيل ما حصل في الحديبية من الصلح وغيره. وهنا في هذه الليلة نأخذ بعض الأشياء التي تهمنا في معرفة هذا الصلح، وكذلك بعض المهمات التي تتطلب منا أن نعرفها. فأولًا: هذا الذي حصل في الحديبية، من العلماء من كان يسميه صلحًا، ومن العلماء من يسميه غزوة، ومن العلماء من يسميه أمر الحديبية، وغير ذلك من التسميات. وأكثر التسميات هي التسمية بغزوة، والتسمية بصلح. هل هي غزوة أم أنه صلح؟ فالظاهر، والجمع بين هذه الأقوال، أن أولها كانت غزوة؛ النبي عليه الصلاة والسلام خرج غازيًا. صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليعتمر، لكن لما تشاور أصحابه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: «نحن ما جئنا لقتال أحد، لكن من عارضنا قاتلنا»، وجاء في الرواية: «من تصد لنا قاتلنا»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، وأيد كلام أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه». فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليعتمر، خرج ليعتمر، ولهذا يسميها بعض العلماء عمرة الحديبية. لكن قال: «من عارضنا قاتلنا»، الذي يريد القتال نقاتل، وإلا نحن خرجنا لأجل العمرة. ولهذا لما جاء عروة بن مسعود الثقفي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن ما جئنا لنقاتل أحد، وإن قريشًا قد وهنتهم الحرب». فلكن عرض بعد ذلك له خطة الصلح، وقال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسألون خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يخرج لأجل الحرب، فلهذا فالأولى أن يسمى هذا صلحًا؛ لأنه هو الحقيقة التي حصلت، هو الحقيقة التي حصلت، وهو أنه صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا على وقف الحرب. وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام عزموا على أن من عارضهم قاتلوا، وقريشًا قد وهنتهم الحرب، أضعفتهم. ولهذا لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو وأصحابه سيأتون إلى مكة، جمعوا أوباش الناس، وجمعوا من الأحباش، وكذا الذين كانوا في مكة، وجعلوهم يصدون النبي عليه الصلاة والسلام. فخرجوا قرب الحديبية، فلما علم بهم النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، خرجوا إليهم وحاصروهم وأسروهم جميعًا. معنى أسروهم: بدون حرب، حاصروهم فاستسلموا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وعفى عنهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَن أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، فالنبي صلى الله عليه وسلم عفا عنهم وأطلقهم. فهذا يدلك على أن قريشًا لم تكن تقوم على النبي عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد. فلهذا فالأولى أن تسمى صلحًا؛ لأن هذا حقيقة خروج النبي عليه الصلاة والسلام، أي ما حصل بعد ذلك هو الصلح. صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج لأجل الصلح وإنما لأجل العمرة، لكن الذي حصل هو الصلح، فلهذا سماه كثير من أهل العلم صلح الحديبية. وأما الحديبية: فالحديبية يقال بالتخفيف وهو الأشهر، ويقال بالتشديد: الحديبية، يقال حُديبية ويقال حَديبية. وهذه المنطقة هي قرب مكة، قيل إن بعضها في الحرم وبعضها في الحل، كما قاله الإمام الشافعي رحمه الله، وقال مالك: أنها كلها في الحرم، وقال أحمد وغيره: أنها في الحل. وذكر ابن القيم في زاد المعاد أن الحديبية ليس فيها شيء من الحرم إلا إن كان أطرافها، أطراف الحديبية، وإلا قال بإجماع الناس أن الحديبية في الحل. والحديبية هذا مكان متسع في غرب شمال مكة، وأكثر أهل العلم قديمًا وحديثًا يقولون أن مكانها الآن ما يسمى بالشميسي، المكان الذي فيه نقطة الشميسي، هذا المكان هو مكان الحديبية. وفيه مسجد الرضوان، مسجد الرضوان أسسه بعض الملوك، والله أعلم من متى، على أن ذلك المكان الذي كانت فيه بيعة الرضوان عند الشجرة. لكن هل هو في مكان الشجرة؟ فالظاهر أنه من باب التقريب فقط؛ لأن مكان الشجرة لم يعرفه حتى الصحابة، كما ذكر سعيد بن المسيب عن أبيه أنه حضر الصلح، قال: «ثم لما رجعنا أردنا مكان الشجرة فلم نعرفها». هؤلاء الصحابة، ولما قيل لعمر: هذه الشجرة التي بايع عليها النبي صلى الله عليه وسلم، قام وقطعها عمر رضي الله عنه. ولهذا لم يعرف مكان الشجرة، وقطع عمر لأجل أن لا تتخذ ذريعة لتعظيم مكان، قد يحصل بعد ذلك الغلو في ذلك المكان، كما يحصل الآن من كثير من الناس يتمسحون بالغار، سواء كان غار ثور أو غار حراء أو غيرها من هذه الأماكن، يظنون أن هذا يفيدهم شيئًا. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على هذه المسألة، مسألة التبرك وغيره أيضًا. كذلك فكما قلنا: الحديبية هو المكان الذي يسمى بالشميسي، وقربه مكان الشرائع. والشميسي هي قرب مكة، أقرب من جدة، معنى أقرب: الشميسي أقرب إلى مكة. لأن كما ذكر الإمام الشافعي أن بعضها في الحرم، معنى: أطراف هذه المنطقة قرب الحرم أو في الحرم، فلهذا فهي محاذية لمكة، محاذية لمكة. يُقال: إن بينها وبين الكعبة ٢٢ كيلو من الشميسي إلى الكعبة، وهذا محتمل. طيب، فلهذا فهي أقرب إلى مكة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى عسفان، ثم لما حصل ما حصل من قريش وأنهم صدوه عن البيت، رجع إلى الحديبية. وأما أيضًا من الأمور المهمة: هل لهذا الصلح، أو لهذه الغزوة، أو لهذه العمرة، هناك سبب الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج في ذلك الوقت؟ فليس هناك سبب صريح جاء في هذه الغزوة، إلا أن بعض أهل المغازي ذكروا أن سبب هذه الغزوة هي رؤية رآها النبي عليه الصلاة والسلام، رؤية رآها النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيدخل مكة، وأنه يطوف بالبيت، وأنه هو وأصحابه يحلقون ويقصرون. فرأى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرؤية، لكن الأحاديث التي جاءت في هذا اختلفت، فمنهم من قال: أي الصحابة، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى هذه الرؤية في المدينة ثم خرج، ومنهم من قال: أن هذه الرؤية رآها في الحديبية، رآها في الحديبية. ولهذا كما قرأنا في الحديث أن عمر قال: يا رسول الله، ألم تقل أننا سنطوف بالبيت؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أقلت لك العام؟ قلت لك أننا سنطوف هذه السنة؟» فالنبي عليه الصلاة والسلام بشر أصحابه، وهذا صحيح، أنه سيطوف بالبيت ومن معه، ويحلقون ويقصرون. وهذا أيضًا جاء مصداقه في الآية، لما قال الله عز وجل: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. فربنا جل وعلا بعد ذلك جعل الفتح. فهذه الآية نزلت في الحديبية، هذه الآية نزلت في الحديبية. فكأن النبي صلى الله عليه وسلم، أو الله عز وجل، ذكر أن النبي رأى رؤيا، وهذا مصداقها: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، أي منكم من يحلق رأسه، ومنكم من يقصر رأسه. فحصل ذلك في قضية العمرة في السنة الثانية، في السابعة، السنة السابعة، دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وطاف هو وأصحابه، ومنهم من حلق ومنهم من قصر. أيضًا هذه الغزوة حصلت، وعلى قول أكثر أهل العلم، بل بعضهم ذكره إجماعًا، أنها حصلت في السنة السادسة. هذه كانت في السنة السادسة، في بداية ذي القعدة. لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم كان في بداية ذي القعدة، ذي القعدة، وأكثر أهل المغازي يذكرون أنه خرج يوم الاثنين، خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين في ذي القعدة، وجاء ووصل إلى الحديبية أيضًا في يوم الاثنين، وكانت في ذي القعدة في أوله، وقيل في وسطه، في وسط ذي القعدة. المهم أنها كانت في ذي القعدة. وقد جاء عن أنس وابن عمر وجماعة من الصحابة أنها كانت في ذي القعدة. وأما من قال كما جاء عن عروة، وجاء عن غيرهم أنها في شوال، ومعظمهم من قال أنها في رمضان فهو ليس صحيحًا. الحديبية كانت في السنة السادسة في ذي القعدة، وهذا الذي جاء في الصحيحين عن أنس، وكذلك جاء عند أحمد عن ابن عمر وعن غيره أنها كانت في ذي القعدة. فلهذا حصلت هذه الغزوة في السنة السادسة بهذا الإجماع، وأيضا حصلت في ذي القعدة، كانت يوم الاثنين. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام. إن شاء الله تعالى نذكر أيضًا بعض المهمات في الدروس الأخرى، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.