التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 12

التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 12

الدرس في التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مشهد الإحسان في الصلاة وأثره على أعمال القلوب

يشرح المحور مشهد الإحسان في الصلاة، وهو عبادة الله كأنك تراه مراقبةً واستشعاراً لعظمته، وهذا المشهد أصل أعمال القلوب من إجلال وخشية ومحبة. ويترتب عليه تفاوت الصلاة بين الناس بقدر حظهم من الإحسان والخشوع، حتى يكون الفرق بين صلاتين كما بين السماء والأرض.

المنة الإلهية في التوفيق للصلاة ودفع العجب

يبيّن المحور أن توفيق العبد للصلاة والقيام بين يدي الله منة إلهية خالصة، مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال الصحابة، وأن الاعتراف بذلك يحول دون العجب بالعمل. ورؤية العبد أن كل توفيق وعمل صالح منة من الله تزيل العجب وتمنعه من نسبة الحمد لنفسه، فيصير الحمد كله لله، وهذا من تمام التوحيد الذي يثمر محبة الله والأنس به.

ختام الدرس والإشارة إلى النعيم في الدنيا

يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى حديث الإمام ابن القيم عن نعيم الدنيا، معلناً الاكتفاء بهذا القدر على أن يستكمل الموضوع في درس قادم. ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر كجزء من ختام الجلسة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: المشهد الرابع، مشهد الإحسان، إحسان العبادة لله عز وجل، والمراد بإحسان الصلاة. قال: وهو مشهد المراقبة، هو أن يعبد الله كأنه يراه. وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته مستوياً على عرشه، يتكلم بأمره ونهيه، ويدبر أمر الخليقة، فينزل الأمر من عنده ويصعد إليه، وتعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه، فهو يراقب الله عز وجل في صلاته فيحسنها ويتقنها. ولهذا سُمّي هذا إحساناً: أن تعبد الله كأنك تراه، أي تحسن وتتقن العبادة. إن الله يحب العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه، في رواية: يحسنه. قال: فيشهد ذلك كله بقلبه، ويشهد أسماءه وصفاته، ويشهد قيومًا حيًا سميعًا بصيرًا عزيزًا حكيماً آمراً ناهياً، أن هذا كله يكون في قلبه، يتذكر هذه ويستشعر هذه المعاني. قال: يحب ويبغض، ويرضى ويغضب، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو فوق عرشه، لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، ولا أقوالهم، ولا بواطنهم، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. قال: فمشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها. مشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها؛ فإنه يوجب الحياة والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل والخضوع لله والذل له، ويقطع الوساوس وحديث النفس، ويجمع القلب والهم على الله. وهذا بين، إذا كان استشعر المؤمن في صلاته هذه المعاني العظيمة، فيعظم الله عز وجل ويخشاه، وأيضاً يحبه ويحب أن يرجع إليه، ويأنيب إليه، ويتوب إليه. فهذه المعاني كذلك مع الخضوع والذل تجعل العبد خاشعاً في صلاته، منيباً إلى الله، همه وقلبه لله عز وجل. قال: فحظ العبد من القرب من الله على قدر حظه من مقام الإحسان، وبحسبه تتفاوت الصلاة. قال: تتفاوت الصلاة هنا بحسب إحسانه وإتقانه للصلاة، وأيضاً خشوعه فيها، حتى يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض، وقيامهما وركوعهما وسجودهما واحد، وهما في صلاة واحدة، يقفان في الصف، وما بين صلاتهما ما بين السماء والأرض. هذا خاضع لله، وذاك بعيد عن الصلاة، يفكر في أمور بعيدة. فصل: المشهد الخامس، مشهد المنة. قال: وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه لكونه أقامه في هذا المقام وأهله له. من معاني يشكر العبد منة الله عز وجل أن وفقه لهذه الصلاة، ووفقه للقيام بين يديه سبحانه وتعالى. قال: وفقه لقيام قلبي وبدني في خدمته، فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك، كما كان الصحابة يخوضون بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام فيقولون: والله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا. قال الله عز وجل: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17]. فالله سبحانه هو الذي جعل المسلم مسلماً، والمصلي مصلياً، كما قال الخليل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ [البقرة: 128]. فالمنة لله جل وعلا، والتوفيق من الله سبحانه وتعالى. وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 40]. أن الإنسان يدعو الله عز وجل أن يجعله على إقامة لهذه الصلاة، يقيمها بأركانها وشروطها وخشوعها، وكل ما تلزم هذه الصلاة، لأن إقامة الصلاة اعتدالها، فليس إقامة الصلاة تضيع شيئاً من أمورها، ليس هذا من الإقامة. قال: فالمنة لله وحده في أن جعل عبده قائماً بطاعته، وكان هذا من أعظم نعمه عليه، أنه يثبتك على طاعته سبحانه وتعالى، ويوفقك إلى هذه الطاعة، فالتوفيق من الله، فالمنة له جل وعلا. وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. وقالت سبحانه وتعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]. قال: وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلما كان العبد أعظم توحيداً كان حظه من هذا المشهد أتم؛ لأنه يشكر نعمة الله عز وجل عليه، يعرف هذه النعمة ويشكرها، يعرفها بقلبه ويشكرها بقلبه وجوارحه. قالوا: فيه من الفوائد أنه يحول بين القلب وبين العجب بالعمل ورؤيته، إذا وقع في نفسه منة الله ونعمة الله، وأن هذا توفيق من الله، ذهب عنه العجب أن يعجب بعبادته، وأنه يفعل ويفعل، وأنه قد وفقه الله لهذه ولن يوفق غيره، فيعجب بعمله. لكن إذا صدق قلبه لله، وعرف أن المنة لله سبحانه وتعالى، ليس بذكائه، وليس بحنكته، وليس أيضاً أنه مثلاً تعلم أو كذا، لا، كل ذلك من الله، فالمنة لله سبحانه وتعالى. قال: فإنه إذا شهد أن الله سبحانه هو المان به، والموفق له، الهادي إليه، شغله شهود ذلك عن رؤيته والعجب به، وأن يصول به على الناس، فيرفعوه من قلبه فلا يعجب به، ومن لسانه فلا يمن به، ولا يتكثر به، وهذا شأن العمل المرفوع. ولهذا قال طاوس لابنه لما قام في ذات ليلة، قام مع أبيه يصلي والناس نيام، كانوا في تعب أو في كذا فناموا، فقال ابنه: ما بال الناس نيام ولم يقوموا للصلاة؟ فقال: يا بني، لسكوتك عن هذا أفضل من صلاتك. لو سكت عن هذا أفضل، أنك تعيب الناس لأنك أنت فعلت، فهذا يدخل العجب في القلب. فلذلك إذا عرف أن هذا منة من الله وتوفيق من الله له، والنعمة لله جل وعلا أعطاك إياها، ذهب ذلك العجب من قلبك. قال: ومن فوائده أنه يضيف الحمد إلى وليه مستحقه، فلا يشهد لنفسه حمداً، بل يشهده كله لله. ومعنى: فلا يشهد لنفسه حمداً، أي لا يمدح نفسه، وأنه هو الذي بالذكاء، وأنه لأنه يحب الهداية، ولأنه يحب الصلاة، ولأنه كذا، فيدخل في قلبه الشيطان، يدخل في قلب هذه المعاني، وهي حمد لنفسه. لكنه إذا جعل ذلك المشهد العظيم، وهو أن المنة لله والتوفيق من الله، ذهب هذا الأمر، فلا يضيف الحمد إلى نفسه. قال: بل يشهده كله لله، كما يشهد النعمة كلها منه، فالفضل كله له، والخير كله في يديه، وهذا من تمام التوحيد، فلا تستقر قدمه في مقام التوحيد إلا بعلم ذلك وشهوده. فإذا علمه ورسخ فيه صار له مشهداً، وإذا صار لقلبه مشهداً أثمر له من المحبة والأنس بالله، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته، ما لا نسبة بينه وبين أعلى نعيم الدنيا أبداً. وما للمرء خير في حياته إذا كان قلبه عن هذا مصدوداً، أي مصدود عن أنه يثني على نفسه ويفعل ويفعل أو يريد. وما للمرء خير في حياته إذا كان قلبه عن هذا مصدوداً، أي عن أن الأنس بالله ولقائه والشوق إليه. قال: وطريق الوصول إليه عنه مسدود، بل هو كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3]. أي تلهيهم الأماني والأمل عن ما هو أعظم، وهو الأنس بالله ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته. فهذا هو النعيم في الدنيا، والآخر نعيم الدنيا هذا، وجنة الدنيا، كما قد ذكر الإمام ابن القيم في أول الرسالة. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكمل في درس لاحق. ترجمة نانسي قنقر.