شرح العقيدة الواسطية 1

شرح العقيدة الواسطية 1

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

افتتاح الدورة العلمية وشرح مقدمة العقيدة الواسطية

يُعلن عن بدء الدورة العلمية في جامع عثمان بن عفان ويُشرع في شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية مع بيان سبب تأليفها. ثم يُفصل معاني البسملة والحمدلة والشهادتين مبينًا أركان التوحيد من نفي وإثبات.

معنى الشهادة للنبي بالعبودية والرسالة وتعريف الفرقة الناجية

يُبين أن وصف النبي بالعبودية ينفي ألوهيته وبالرسالة ينفي كذبه، ويفسر الصلاة عليه وآله وصحبه. كما يعرف الفرقة الناجية المنصورة بأنها أهل السنة والجماعة المتمسكون بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح.

أركان الإيمان الستة ومنهج أهل السنة في الاعتقاد

يستعرض أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرسل، والبعث، والقدر مع تفصيل كل ركن. ويوضح منهج أهل السنة في إثبات صفات الله بلا تمثيل ولا تعطيل، وشروط الإيمان بالملائكة والكتب والرسل.

الإيمان بالرسل والبعث والقدر ومنهج إثبات الصفات

يؤكد أن تكذيب رسول واحد يعد تكذيباً لجميع الرسل وأن رسالة النبي محمد ناسخة لما قبلها. ثم يشرح الركن الخامس (البعث) والسادس (القدر خيره وشره) ويختم بمنهج أهل السنة في إثبات الصفات كما وردت دون تحريف ولا تعطيل.

نفي التكييف والتمثيل في صفات الله وموقف أهل السنة

يقرر أهل السنة إثبات صفات الله بلا تحريف ولا تعطيل وينفون عنها التكييف والتمثيل مستدلين بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ويذكر قول الإمام مالك في الاستواء: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبتدئ إن شاء الله القراءة في الكتب المقررة في هذه الدورة العلمية الثانية في هذا الجامع المبارك، جامع عثمان بن عفان. وكما قد أُعلن، أنه سيكون في مثل هذا الوقت القراءة في كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى قريب المغرب، ثم بعد المغرب في كتاب الحج من كتاب التمام من أدلة الأحكام، ثم بعد أذان العشاء إلى الإقامة في كتاب وصول السنة للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. وهذه العقيدة المسماة بالعقيدة الواسطية، سُميت بذلك كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في بعض كتبه، وهو مذكور في مجموع الفتاوى: أن ابن القاسم في فتاوى شيخ الإسلام رحمه الله، أنه أتاه رجل من أهل واسط، يخبره بما عليه الناس من الجهل والبعد عن الدين، والظلم، ودروس العلم، فسأله أن يكتب له عقيدة يعلمها الناس وينشرها بينهم. فقال رحمه الله: «فكتبتها وأنا قاعد بعد العصر». هذه الرسالة وهذا المعتقد، كتبه شيخ الإسلام رحمه الله في وقت العصر، ألف هذه الرسالة المباركة التي يدرسها طلاب العلم اليوم في هذا الزمن، في أشهر، تدرس وتشرح في أشهر، وكتبها رحمه الله في وقت يسير، ما بين العصر إلى المغرب. وهذا يدلنا على ما كان عليه رحمه الله من فهم ثاقب، وقوة علمية عظيمة، وكذلك حافظة قوية. وهكذا تجد سائر مؤلفاته رحمه الله تنبئك وتعلمك بغزارة علمه، وشدة فقهه، وعظيم فهمه. قال رحمه الله: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا. أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة». ابتدأ رحمه الله هذه الرسالة بذكر البسملة، اقتداءً بكتاب الله جل وعلا، فهو مبدوء بالبسملة، واقتداءً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ رسائله بذكر البسملة. وقولك: «بسم الله»، الباء للاستعانة، والتقدير: «أبدأ ببسم الله»، أو «بسم الله أبدأ»، أو «بسم الله أقرأ»، أو «بسم الله أكتب»، على حسب المراد فعله. فأنت تستعين بالله سبحانه وتعالى على إقدامك على هذا العمل، أن يعينك الله، وأن يسر لك هذا الأمر، وكذلك أن يسهل لك الوصول إلى ما تريد وتطلب. «بسم الله»، و«الله» لفظ الجلالة، بمعنى المألوه المعبود، وهو من أسماء الله عز وجل الخاصة التي لا تطلق إلا على الله سبحانه وتعالى. و«الرحمن الرحيم» اسمان من أسماء الله سبحانه وتعالى، دالان على صفة الرحمة. فالرحمن تدل على صفة الرحمة اللازمة لله سبحانه وتعالى، والرحيم مجمل على صفة الرحمة المتعدية إلى الخلق، المتعدية إلى الخلق، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، ما قال «رحمانًا». بهذا يفرق بين الرحمن والرحيم: أن الرحمن صفة لازمة خاصة بالله سبحانه وتعالى، والرحيم يجمل على الصفة المتعدية، الصفة المتعدية إلى الخلق. ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، والحمد هو الثناء على الله سبحانه وتعالى مع المحبة والتعظيم، الثناء على الله عز وجل مع المحبة والتعظيم. وإذا خلا الحمد عن المحبة فهو المدح، فهو المدح؛ لأن المدح ثناء، لكن قد يكون من غير محبة، كمن يمدح أميرًا أو وزيرًا أو مسؤولًا وهو لا يحبه، لكن يريد شيئًا من عطاء الدنيا، كحال الشعراء الذين كانوا يمدحون الملوك من أجل نيل شيء مما عندهم من أموال. هذا ما يسمى حمدًا، وإنما يسمى مدحًا. لكن الحمد يقتضي المحبة والتعظيم، فالحمد هو وصف الله جل وعلا بصفات الكمال، فهو عز وجل الذي يحمد لكماله سبحانه وتعالى في ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي أقواله وأفعاله، وهكذا أيضًا في أسمائه وصفاته، وهو الذي كذلك يحمد لعظيم فضله وإنعامه، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، الحمد لله. واللام في لفظ الجلالة «لله» للاختصاص والاستحقاق، أي: الذي يستحق الحمد هو الله، الذي يستحق الحمد هو الله، ﴿الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، فهذا مما يحمد به الله سبحانه وتعالى من عظيم فضله وإنعامه، أن أرسل إلينا رسوله، أي محمدًا عليه الصلاة والسلام، بالهدى ودين الحق. الهدى: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، أي: ليكون دينه هو الدين الظاهر، والدين العالي، والباقي. وهذا الذي وعد الله عز وجل به، وقد حصل ذلك، وسيبقى هذا الدين هو الدين الظاهر على وجه هذه الأرض حتى يقبض الله عز وجل من عليها. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، أي: كفى بالله شهيدًا على ذلك، على إرساله للرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى إظهاره لدينه على سائر الأديان، وعلى سائر الملل. ﴿وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِقْرَارًا بِهِ وَتَوْحِيدًا﴾. «أشهد» بمعنى: أقول بلساني معتقدًا بقلبي أنه لا إله إلا الله. فهذه الشهادة هي إقرار اللسان مع اعتقاد القلب، ولا تكون إلا بعلم، ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فقولك «أشهد» بمعنى: أقول بلساني معتقدًا بقلبي أنه لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله. «وحده» تأكيد للإثبات، «لا شريك له» تأكيد للنفي. لأن «لا إله إلا الله» تشتمل على ركنين عظيمين، وهما: الإثبات والنفي. فلا إله: نفي، وإلا الله: إثبات. ولا يتحقق التوحيد إلا بتحقيق هذين الركنين. فمن نفى من غير إثبات، ما كان موحدًا لله، إذا قال: «لا إله» وسكت، هذا نفى الألوهية كلها، حتى عن الله سبحانه وتعالى. وإذا أثبت من غير نفي، فكذلك لم يكن موحدًا في ذلك، لأن هناك من المعبودات والمألوهات قد عُبدت من دون الله سبحانه وتعالى. فلا يتحقق التوحيد إلا بتحقيق النفي والإثبات. فقولك «وحده» هذا تأكيد للإثبات، أنه جل وعلا المعبود وحده، الذي يستحق أن يعبد دون من سواه. و«لا شريك له» تأكيد للنفي، أنه ليس له شريك سبحانه وتعالى في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته. قال: «إقرارًا به وتوحيدًا»، يعني: أشهد شهادة إقرار، شهادة إقرار أقولها بلساني ومقرًا بها في قلبي ومصدقًا بها، و«توحيدًا» تأكيد لمعنى هذه الشهادة. ﴿وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَّزِيدًا﴾. ثم ثنّى بعد حمد الله جل وعلا، وشهادة أن لا إله إلا الله، بشهادة أن محمدًا عبده ورسوله، إذ لا يتحقق التوحيد والإيمان إلا بشهادة لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله. قالوا: «أشهد أن محمدًا عبده ورسوله»، «أشهد أن» يقول بلساني معتقدًا بقلبي أن محمدًا عبده ورسوله، أي: أرسله الله جل وعلا، وفضله بالرسالة على سائر الخلق، وهو عبد من عباد الله، وبشر من البشر، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾. فقوله «عبده ورسوله»: «عبده» هذا يقتضي أنه لا يعبد، لأنه عبد من عباد الله، وقوله «ورسوله» يقتضي أن لا يكذب، بل يجب الإيمان به والتصديق به واتباعه. فبذلك يتحقق المقام الحق والعدل في شهادة نبينا عليه الصلاة والسلام: أنه عبد الله ورسوله، عبد فلا يعبد، ورسول فلا يكذب. فقولنا «عبده» فيه رد على من غلا في النبي عليه الصلاة والسلام حتى جعله في منزلة الخالق سبحانه وتعالى، ك بعض المتصوفة ومن سار على طريقتهم. وقوله «ورسوله» فيها رد لمن كذب برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، ك بعض الفلاسفة والملاحدة والعقلانيين. والحق أنه عليه الصلاة والسلام عبد فلا يعبد، ورسول فلا يكذب. ﴿صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، أي: أثنى الله عز وجل عليه في الملأ الأعلى، صلاة الله على عبده: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. ﴿وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ﴾، وآل النبي عليه الصلاة والسلام يطلق ويراد به أهل بيته، عليه الصلاة والسلام، يطلق ويراد به أهل بيته ممن تحرم عليهم الصدقة، وأيضًا يدخل فيه أزواجه عليه الصلاة والسلام. لكن المراد هنا بالآل: مطلق الأتباع، أي: أتباع النبي عليه الصلاة والسلام، حتى يشمل ذلك كل من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم من آل بيته وغيره، آل بيته. ولهذا كما قال القائل: آل النبي هم أتباع ملته ** من كان منهم من عرب ومن عجم لو لم يكن آله إلا قرابته ** صلى المصلي على الطاغي أبي لهب لو خُص الآل بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لكانت الصلاة تشمل أبا لهب، هو عم النبي صلى الله عليه وسلم، هو من أهل النار. لكن المراد بالآل: هم أتباع ملة النبي عليه الصلاة والسلام من أهل الإيمان، ويدخل في ذلك دخولًا أوليًا آل النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم كذلك من الأتباع الصحابة رضي الله عنهم. لكن خُصوا في الذكر في الصلاة عليه لبيان فضلهم وعظيم منزلتهم، والرد على أهل البدع والأهواء كالرافضة الذين طعنوا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقوله «وعلى آله وصحبه»، فعطف الصحب على الآل من عطف الخاص على العام، من عطف الخاص على العام. يعني: قوله «على آله» يدخل كذلك الصحابة، لكن خُصوا بالذكر وعُطفوا بهذا العطف لدلالة، أو الدلالة على فضلهم وعظيم منزلتهم، رضي الله تعالى عنهم. ﴿وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَّزِيدًا﴾، أي: فوق الصلاة، مع الصلاة التسليم، ليكمل الثناء على النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: «أما بعد»، وهذه الجملة يؤتى بها للانتقال من الثناء والحمد إلى ذكر الموضوع، الانتقال من الثناء والحمد إلى ذكر الموضوع. قال: «فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة». هذا اسم إشارة لما سيذكره في هذه الرسالة من هذه العقيدة التي ذكرها رحمه الله، وهي ما أخذوه من كتاب الله، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومما أجمع عليه سلف الأمة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن بعدهم. فهو اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، ويشير إلى حديث معاوية رضي الله عنه في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»، هذه الطائفة هي أهل السنة والجماعة، كما قال الإمام البخاري: «إن لم يكونوا أهل الحديث، فلا أدري من هم». إذا قال: «إن لم يكونوا أهل الحديث، فلا أدري من هم». وهكذا أيضًا جاء الإمام الثوري، الإمام أحمد، وغير واحد من الأئمة، أنهم قالوا: إن هذه الطائفة المنصورة والفرقة الناجية هم أهل الحديث. والمراد بأهل الحديث: كل من كان متمسكًا بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، من كان متمسكًا بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، فهو من أهل الحديث، وهو من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. «الفرقة الناجية»: يعني: من الضلال، والناجية من الهلاك. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ستفترق، افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، افترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة». وفي رواية: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». إذا: النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها هالكة، معنى هالكة: أنها تمشي على طريق يوصلها إلى النار، عياذًا بالله، إلا فرقة واحدة. قال الصحابة: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة»، أي: الجماعة المجتمعون على الحق، والحق هو كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وفي الرواية الأخرى قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، يعني: من كان على الحق والإيمان والهدى، عقيدة وعبادة ومنهجًا وسلوكًا إلى آخره. من كان على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهو من الفرقة الناجية. «والمنصورة»: يعني: التي ينصرها الله سبحانه وتعالى إلى قيام الساعة. قال: «أهل السنة والجماعة»، أي: هذه الفرقة هم أهل السنة والجماعة. سُموا بأهل السنة لتمسكهم بالسنة، سُموا بأهل السنة لتمسكهم بالسنة، فهم لا يميلون عن السنة أبدًا. إذا صحت عندهم سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنهم لا يقدمون عليها قول أحد من الخلق، كائنًا من كان، ويحرصون على العمل بها وتطبيقها والدفاع عنها والدعوة إليها. فلهذا سُموا بأهل السنة. «والجماعة»: لأنهم مجتمعون عليها، فسموا بأهل السنة والجماعة. وربما قيل لهم كذلك: السلفيون. لأن بعض أهل الأهواء يقول: «نحن أيضًا على... يعني: نحن من أهل السنة والجماعة، نحن كذلك من أهل السنة والجماعة، ونستدل بالقرآن والسنة». فيقال لهم: على أي فهم تفهمون القرآن والسنة؟ على أي فهم؟ هل على فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أو على فهمكم أنتم، أو فهم من تتبعون؟ فهنا الفارق، هنا الفارق. فلهذا نقول: أهل السنة والجماعة السلفيون، بمعنى: الذين يتمسكون بالكتاب والسنة على فهم السلف رضوان الله تعالى عنهم، أي: الصحابة رضي الله عنهم، ومن سار على طريقتهم من أئمة التابعين. فاختصارًا يقال لهم: السلفيون. معنى السلفي: المتمسك بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، المتمسك بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة. فهنا سيذكر رحمه الله معتقد أهل السنة والجماعة الذي يعتقدونه ويدينون الله جل وعلا به. قال: «وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره». ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه العزيز، وبما وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. بل يؤمنون بأن الله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه. انتهت النسخة... بكرا إن شاء الله، بإذن الله، إن شاء الله، الذي ما وجد نسخة، إن شاء الله في الغد، بإذن الله. قال: «فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه، لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفأ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى، فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه. ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون. ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب. وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسما به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فذكر رحمه الله من معتقد أهل السنة والجماعة: الإيمان بأركان، أركان الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره. كما ثبت ذلك في الصحيحين في حديث جبريل المشهور، لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». فلا يصح إيمان العبد حتى يؤمن بهذه الأركان، الأركان الستة. الإيمان بالله، ويتضمن أربعة أمور: أولها: الإيمان بوجود الله، أن تؤمن بأن الله عز وجل حي موجود، وهو عز وجل الحي الذي لا يموت سبحانه وتعالى، فمن أنكر ذلك فهو كافر. والأمر الثاني: الإيمان بربوبية الله، وهو أن تؤمن بأن الله عز وجل هو المتفرد بالخلق والملك والتدبير، والإحياء والإماتة، وسائر أمور الربوبية. فمن أنكر ذلك، أو اعتقد أن هناك ربًا مع الله، فهذا كافر، أن هناك ربًا مع الله يتصرف في هذا الكون، فهو كافر. الأمر الثالث: الإيمان بألوهية الله، الإيمان بألوهية الله، وأن الله عز وجل هو المتفرد جل وعلا بالألوهية، المستحق للعبادة وحده، فلا يستحق أحد من الخلق شيئًا من العبادات إلا الله سبحانه وتعالى. وهذا معنى «لا إله إلا الله». فمن اعتقد أن هناك من يستحق أن يعبد مع الله، فهو كافر، فهو كافر بالله جل وعلا. الأمر الرابع: الإيمان بأسماء الله وصفاته، أن الله عز وجل سمى نفسه بأسماء حسنى، ووصف نفسه بصفات عليا، فنحن نثبتها لله سبحانه وتعالى كما أثبتها جل وعلا لنفسه، وكما أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ثم الركن الثاني من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة. والملائكة خلق من خلق الله، خلقهم الله جل وعلا من نور، وأسكنهم الله جل وعلا سماواته، ووكلهم بكثير من الأعمال، وكذلك الأفعال. فنؤمن بهم جملة وتفصيل. نؤمن بهم جملة وتفصيل: جملة نؤمن بجميع الملائكة، أن هناك ملائكة خلقهم الله سبحانه وتعالى لعبادته وطاعته، ووكلهم الله ببعض الأعمال. نؤمن بمن علمنا ومن لم نعلم. والإيمان التفصيلي: بمن أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم، كجبريل عليه السلام الموكل بالوحي، وميكائيل الموكل بالقطر، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح، ومالك خازن النار، وغيرهم من الملائكة الذين أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم. فمن أنكر وجود الملائكة وجحد ذلك، فهو كافر، فهو كافر. كذلك أيضًا الإيمان... طبعًا هناك من الفلاسفة من ينكر ذلك، من الفلاسفة من ينكر وجود الملائكة ويجحد ذلك. كذلك أيضًا الإيمان بالكتب، وهذا الركن الثالث من أركان الإيمان. والمراد بالكتب: أي الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسله. فالله جل وعلا أنزل كتبًا على رسله، فنؤمن بهذه الكتب جملة: نؤمن أن الله عز وجل أنزل كتبًا على رسله تصديقًا لهم، وكذلك تأييدًا لصدق نبوتهم ورسالتهم. ونؤمن تفصيلًا بالكتب التي أخبرنا الله سبحانه وتعالى عنها: كالزبور المنزل على داود، والتوراة المنزل على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، وصحف إبراهيم وموسى، والقرآن المنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو ناسخ الكتب السابقة والمهيمن عليها، كما أخبر الله سبحانه وتعالى. فمن أنكر شيئًا من ذلك، من أنكر كتابًا من هذه الكتب، فهو كافر، فهو كافر. وفرّق بين الإنكار والجحود، وبين عدم العمل بالكتب السابقة. نحن نؤمن أن الله عز وجل أنزل التوراة والإنجيل، لكن هل يجوز أن نعمل بها اليوم؟ الجواب: لا، هي منسوخة بالقرآن، مع ما حصل لها من تحريف وتغيير وتبديل، والواجب هو العمل بالقرآن الكريم فقط. ثم الركن الرابع: وهو الإيمان بالرسل. والرسول هو: كل ذكر أوحى الله عز وجل إليه بشريعة وأمره بتبليغها. كل ذكر أوحى الله عز وجل إليه بشريعة وأمره بتبليغها. والرسل لا يكون إلا ذكورًا، الرسل لا يكون إلا ذكورًا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ﴾. فليس هناك من النساء رسل. وأخطأ من قال بأن هناك من النساء رسل، كابن حزم رحمه الله، هذه زلة، زلة فيها، قال: بأن مريم نبية، وهذا خطأ. والصواب أنه ليس هناك من النساء رسل، بل جميع الرسل ذكورًا رجالًا. فكذلك أيضًا نؤمن بالرسل جملة وتفصيل: جملة بأن الله عز وجل أرسل رسلًا، فنؤمن بهم جميعًا، نؤمن بهم جميعًا، من علمنا ومن لم نعلم. وليس جميع الرسل قد أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم، قد قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. والتفصيل: نؤمن بالرسل الذين أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم في كتابه، أو أخبر بهم النبي صلى الله عليه وسلم في سنته. وقد ذكر الله جل وعلا في كتابه خمسة وعشرين رسولًا، خمسة وعشرين رسولًا، وجمعوا في قول القائل: في تلك حجتنا ** منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة ** وهم إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا هؤلاء خمسة وعشرين رسولًا ذكرهم الله جل وعلا في القرآن، فنحن نؤمن بهم جميعًا. ومن أنكر رسالة رسول واحد، فهو منكر لجميع الرسل، هو مكذب بجميع الرسل، كما قال الله جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، كذبت قوم نوح المرسلين، مع أن قوم نوح الذي أرسل إليهم هو نوح عليه السلام واحد، فلما كذبوا بنوح أصبحوا مكذبين بجميع الرسل. فمن كذب رسولًا فهو مكذب للرسل كلهم. ولا يتحقق الإيمان إلا بالإيمان بجميع الرسل، الإيمان بجميع الرسل. لكن كما ذكرنا في فيما يتعلق في الكتب، كذلك يقال في الرسل: ليس معنى أننا نؤمن بجميع الرسل أنه يجب علينا اتباع من مضى من الرسل. الواجب هو الإيمان بالرسول عليه الصلاة السلام، نبينا عليه الصلاة السلام، لأن رسالته خاتمة للرسل السابقة، وناسخة للأديان التي قبله، فيجب الإيمان به عليه الصلاة السلام واتباعه واتباع دينه وشريعته. وقد أخذ الله عز وجل الميثاق على الأنبياء جميعًا، لو بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم لآمنوا به وصدقوه واتبعوه. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي». وعيسى عليه السلام لما يخرج آخر الزمان، يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، لأنها الشريعة الباقية المستمرة إلى قيام الساعة. وأما بقية الشرائع فهي منسوخة بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم. ثم الركن الخامس: وهو البعث بعد الموت. البعث بعد الموت، والمراد بالبعث بعد الموت: يعني إحياء الله عز وجل الموتى وإخراجهم من قبورهم أحياء يوم القيامة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾، من الأجداث: أي من القبور. والبعث بعد الموت هو أحد أمور اليوم الآخر التي يجب الإيمان بها، التي يجب الإيمان بها. وقد جاء ذكر البعث بعد الموت في إحدى روايات حديث جبريل، وإلى الرواية المشهورة التي فيها: «واليوم الآخر». واليوم الآخر يشمل جميع ما يكون في يوم القيامة، جميع ما يكون في يوم القيامة من عذاب القبر ونعيمه، والبعث بعد الموت، والوقوف على الله، والصراط، والميزان، والجنة والنار، لآخر ذلك. نعم. لكن اقتصر المصنف رحمه الله على الرواية التي جاءت في ذكر البعث بعد الموت. ولعل تخصيص أمر البعث من أمور اليوم الآخر، لأن من أنكر البعث أنكر جميع أمور الآخرة، أنكر جميع أمور الآخرة، ومن أثبته فيلزم أن يثبت كل ما يتعلق باليوم الآخر. على كل: فالبعث كما سمعتم هو إخراج الموتى من قبورهم أحياء يوم القيامة لفصل القضاء بينهم، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وكذلك البعث أنكره، أنكره المشركون الكافرون، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾. وبعض الفلاسفة كذلك أنكروا البعث، بعث الأجساد، أنكروا بعث الأجساد كالمشركين. ومنهم من أقر ببعث الأجساد وأنكر... يعني: بعث الأرواح، يعني: جعلوا الأرواح تبعث لكن في غير أجسادها، أن الأرواح تبعث في غير أجسادها. أما بعث الأجساد فجحدوه وأنكروه. هذا قول بعض الفلاسفة، ومن قال بذلك فهو مبتدع ضال، هذا مبتدع ضال. ومن أنكر البعث عمومًا، وأن الأجساد لا تبعث ولا تحيا بعد موتها، فهذا كافر كفرًا أكبر، لأنه مكذب للقرآن والسنة وإجماع سلف الأمة. ثم الركن السادس: وهو الإيمان بالقدر خيره وشره. أن تؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه ما يقع شيء في هذا الكون إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى، وبإرادة الله عز وجل، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾. فلا يتحقق إيمان العبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، أن الخير والشر كله بتقدير الله، كله بتقدير الله سبحانه وتعالى. فهذه الأركان الإيمان الستة التي يجب على المسلم أن يؤمن بها، وهي من معتقد أهل السنة والجماعة، فهم يؤمنون بهذه الأركان الستة كلها. قال: «بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، الإِيمَانِ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ». نعم، الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه العزيز. الله عز وجل وصف نفسه بصفات عظيمة في كتابه جل وعلا، بالصفات الحسنة، المجتمعة على كمال الحسن وكمال الوصف الجميل. فنحن نثبت لله عز وجل هذه الصفات كما أثبتها الله عز وجل لنفسه. والله عز وجل أعلم بنفسه من خلقه، الله عز وجل أعلم بنفسه من خلقه. فإذا وصف الله عز وجل نفسه بصفة، الواجب علينا أن نؤمن بهذه الصفة، وأن نثبتها لله سبحانه وتعالى، ولا ننكرها أو نجحدها. وهكذا أيضًا وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام بصفات، والرسول عليه الصلاة والسلام أعلم الخلق بربه، أعلم الخلق بربه. فإذا كذلك ما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم ربنا عز وجل، فإننا نصف الله عز وجل به. فلا يتحقق إيمان العبد إلا بذلك: أننا نصف الله عز وجل بما وصف به نفسه، ومما وصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام. وهذا الوصف يكون من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. من غير التحريف: التحريف إما يكون بجحود الصفة، إما يكون بجحود الصفة، أنك تجحد هذه الصفة وتنكرها. الله عز وجل يخبر عن نفسه أنه يجيء: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، تقول: لا، الله ما يجيء. هذا جحود وإنكار. وإما يكون بتحريف هذه الصفة على غير ظاهرها والمراد منها، على غير ظاهرها والمراد منها. فالله عز وجل مثلًا يخبر عن نفسه بأنه يرحم عباده وأنه رحيم بهم، فتقول: لا، أنا ما أثبت لله صفة الرحمة، وإنما الرحمة بمعنى الثواب أو إرادة الثواب، كما يقول أهل التعطيل. هذا تحريف، أنت الآن لم تثبت الصفة لله، وحرفتها عن ظاهرها إلى معنى آخر تزعم أنك تنزه الله عز وجل بهذا. هذا من التحريف. طيب، فالواجب أنك تثبت الصفة من غير تحريف ولا تعطيل. التعطيل: بمعنى، أصل التعطيل هو ما أخوذ من الخلو، يقال: بئر معطلة، بمعنى: خالية، خاوية، قد تركها أهلها ورحلوا عنها. فالتعطيل: أنك تعطل الصفة عما دلت عليه، أنك تعطل الصفة عما دلت عليه. الله عز وجل يقول: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، يثبت جل وعلا لنفسه الاستواء، والاستواء كما سيأتي معنى: بمعنى العلو والارتفاع. تقول: لا، الله عز وجل لم يستوِ، أو أن الاستواء مراد به الاستيلاء. هذا من التحريف والتعطيل، أنك تحرف الصفة عما دلت عليه، أو تعطلها عما دلت عليه من معنى صحيح، من معنى صحيح. كذلك أيضًا: من غير تكييف ولا تمثيل. من غير تكييف: التكييف أنك تعتقد أن صفة الله عز وجل على كيفية، ليست لها مثيل في الواقع، على هيئة وكيفية ليست لها مثيل في الواقع، هذا هو التكييف. وأما التمثيل: أنك تعتقد أن صفة الله كمثل صفة المخلوق، أن صفة الله كمثل صفة المخلوق. وكلا الأمرين منتفي، كلا الأمرين منتفي عن الله سبحانه وتعالى. فأهل السنة والجماعة يثبتون لله عز وجل الصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. لا يقولون إن صفة الله كصفة المخلوق، ولا كذلك أيضًا يمثلون صفة الله ويكيفونها في أذهانهم على هيئة معينة ليست لها مثيل في الواقع، وهذا هو التكييف. بل يثبتون الصفات: إثباتًا بلا تعطيل، بلا تمثيل، إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. الله عز وجل أخبرنا عن صفاته، ولم يخبرنا عن كيفية صفاته، ولهذا لا يسأل في باب الصفات بـ «كيف»، كما أنه لا يسأل في باب القدر بـ «لماذا». ما تقول: لماذا فعل الله كذا؟ لماذا جعل هذا غنيًا ولماذا جعل هذا فقيرًا؟ لماذا جعل هذا أسودًا ولماذا جعل هذا أبيضًا؟ لا، ما تسأل، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. كذلك في باب الصفات لا تسأل: كيف؟ كيف صفة الله؟ الإمام مالك رحمه الله في الأثر المشهور، لما دخل عليه رجل فقال: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، كيف استوى؟ كيف استوى؟ أطرق الإمام مالك رحمه الله رأسه حتى تصبب منه العرق، ثم رفع رأسه فقال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا». فأمر بإخراجه. وأخذ أهل العلم من كلام الإمام مالك هذا قاعدة: أنه يجب إثبات الصفات والإيمان بها وما دلت عليه من معانٍ، ولا نسأل عن الكيفية، لأن الله عز وجل ما أخبرنا بها، وإنما أخبرنا عن صفته، فنحن نثبت الص