الدرس في ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله، محاضرة بمسجد الحق بغيل باوزير للشيخ عبدالله والأخ وليد مقرم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدعوة إلى الله تعالى من أعظم العبادات وأجلها، وهي سبب لخيرية الأمة ونجاة الأفراد. تجري حسناتها على العبد حتى بعد موته إذا كانت نابعة من علم نافع.
الدعوة إلى الله تحتاج إلى علم صحيح وسليم، والعلم هو الأساس الذي يبنى عليه العمل والدعوة. الدعوة السليمة تترتب عليها فضائل وثمرات عظيمة.
الدعوة إلى الله يجب أن تكون على بصيرة وعلم، مع الإخلاص ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالية من العصبية والحزبية. يجب التحلي بالحكمة والرفق في الدعوة.
الدين الإسلامي مبني على الرحمة والتراحم بين الناس، والدعوة إلى الله يجب أن تكون برفق ولين. الرحمة هي أساس رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فجزى الله خيرًا أخانا الفاضل أبا عبد الله محمد باجعمان على هذه المقدمة الطيبة والكلمة النافعة التي ذكر بها، فجزاه الله خيرًا. ونسأل الله جل وعلا أن يجعل ذلك في ميزان حسناته، وأن يحصل الانتفاع بهذه الكلمة. أيها الإخوة في الله، إن الدعوة إلى الله جل وعلا من أجل العبادات، بل خيرية هذه الأمة إنما كانت لأجل قيامها بالدعوة إلى الله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فخيرية هذه الأمة لأجل قيامها بهذا الأمر العظيم، ألا وهو الدعوة إلى الله جل وعلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة. بل وظيفة الرسل كانت الدعوة إلى الله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. سبيل الأنبياء والرسل وأتباع الأنبياء والرسل الدعوة إلى الله جل وعلا. وهذا يدلنا دلالة واضحة على عظم هذه العبادة وعظم هذه الوظيفة وعظم هذه المنزلة، ألا وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. بل ربنا جل وعلا نفى في كتابه الكريم وتحدى أن يكون هناك عمل أو قول هو أحسن من قول الداعية إلى الله جل وعلا وأحسن من عمل الداعية إلى الله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أي لا أحد قوله أحسن من قوله الداعية إلى الله جل وعلا، ومن أحسن، وهذا فيه تحدي نفي جاء على صيغة الاستفهام وفيه معنى التحدي. أي لا أحد، إن كان هناك أحد فأتوا به. لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله جل وعلا. أجاب الله في دعوته، ودعى الناس إلى ما أجاب الله في دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال إنني من المسلمين». والله سبحانه وتعالى قد أمر بالدعوة إليه سبحانه وتعالى في آيات كثيرة. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. أمر من الله جل وعلا بأن يكون في الأمة دعاة إلى الله جل وعلا، يدعون الناس إلى الخير، يعلمون الناس دين الله، كتاب الله، سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وينصحون للناس. لابد من أن يكون في الأمة هؤلاء الدعاة. والله جل وعلا قد ذكر لنا في كتابه الكريم دعوات الأنبياء والرسل. أرسل الله جل وعلا رسلًا وأنزل كتبًا ليدعو هؤلاء الرسل وهؤلاء الأنبياء ومن سلك نهجهم إلى الله سبحانه وتعالى وإلى الدين الذي أمر الله جل وعلا به. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. وذكر الله جل وعلا دعوة نوح عليه الصلاة والسلام في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾. ودعوة هود عليه الصلاة والسلام لقومه عاد، ودعوة صالح عليه الصلاة والسلام لقومه ثمود، ودعوة شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه مدين. وإلى عاد أخاهم هودًا، فقال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وهكذا في صالح: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. ذكر دعوة عيسى عليه الصلاة والسلام لقومه، ذكر دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه، ذكر دعوة إل ياس، دعوة موسى. دعوات الأنبياء والرسل لأقوامهم مذكورة في كتاب الله جل وعلا. وفي سور القرآن من نظر فيها رأى كيف كانت دعوات هؤلاء الأنبياء والرسل، فعلم بذلك أن الله جل وعلا إنما أرسل هؤلاء الرسل والأنبياء للقيام بهذه المهمة العظيمة، ألا وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. حتى جاء نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخاتم هؤلاء الأنبياء والرسل، فدعا إلى الله جل وعلا وإلى دين الله سبحانه وتعالى. مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى توحيد الله سبحانه وتعالى. وهكذا دعا بعد ذلك إلى الفرائض، ودعا إلى أحكام هذا الدين. فقضى حياته عليه الصلاة والسلام كلها دعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وبيانًا لدين الله جل وعلا. حتى في آخر لحظات حياته عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الفضائل الكثيرة، وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد ذكر بسنته المطهرة فضائل القيام بهذه المهمة العظيمة، وهي الدعوة إلى الله جل وعلا. وقد تقدم ذكر شيء من هذه النصوص، مثل قوله جل وعلا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فالدعاة إلى الله جل وعلا هم المفلحون الذين حققوا الفلاح في الدنيا وفي الآخرة. وذلك لقيامهم بهذه المهمة العظيمة، وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. الإنسان بهذه الدنيا لا نجاة له من الخسارة إلا إذا أخذ بأسباب النجاة منها. ومن أعظم أسباب النجاة من الخسارة في الدنيا والآخرة، أو قيام بهذه المهمة، وهي الدعوة إلى الله عز وجل. قال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. التواصي بالحق، التواصي بالصبر، هو من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء نجوا من هذه الخسارة في الدنيا والآخرة لقيامهم بهذه الأمور العظيمة. تعلموا دين الله جل وعلا، وعملوا به، ثم كذلك دعوا إليه، ثم بعد ذلك تناصحوا على الصبر على هذا الدين والثبات على هذا الدين. فسلموا من الخسارة، وحققوا النجاة في الدنيا والآخرة. الدعوة إلى الله عز وجل فضائلها وحسناتها تجري على العبد حتى بعد موته. فإن الإنسان في هذه الدنيا إذا مات، إن قف عمله كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به». والعلم هذا الذي ينتفع به، إما أن يكون مكتوبًا قد كتبه في كتب، أو يكون هذا العلم مما نشره في الناس، فانتفعوا به انتفاعًا عظيمًا، فصار يتناقله الناس جيلًا بعد جيل. فكل من تعلم هذا العلم الذي دعا إليه، والذي قد انتقل من الدنيا، فيجد ماذا الحسنات العظيمة التي تأتيه بعد موته. لأنه كان من الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى. فلذلك يحرص الإنسان أن يكون من الدعاة إلى الله جل وعلا، بما تعلم من دين الله جل وعلا، وبما تعلم من دين الله سبحانه وتعالى. لأن بالدعوة إلى الله جل وعلا ونشرها، تتحقق للناس مصالح عظيمة. فينتشر فيهم الأمن والأمان، وينتشر كذلك الخير، وكذلك يرتفع الفساد، وتقل المنكرات، وكذلك تذهب البدع والخرافات، وكذلك يقضى على الشرك. وهكذا مصالح عظيمة جدًا جدًا، إنما تتحقق بالقيام بهذه الهمة العظيمة، ألا وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا من الفضائل والثمرات ما جاء في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». فالذي يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، يدعو إلى الهدى، يدعو إلى الحق، يدعو إلى الصواب. فيجني الأجر العظيم. فمن أخذ بهذه الدعوة، وبهذه النصائح، فأجره وله كذلك أي لهذا الداعية أجر من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. وقد جاء في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». وإحياء السنن إنما يكون بالدعوة إليها. من دعا إلى الله جل وعلا ونشر في الناس سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإحياء هذه السنن، ما يتأتى ذلك إلا بالدعوة إلى الله جل وعلا، عن طريق المحاضرات، وعن طريق الخطب، وعن طريق كذلك التأليفات، وعن طريق النصائح، إلى آخر ذلك. وكل ذلك من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وعلى الداعية إلى الله سبحانه وتعالى أن ينتبه لأمور لا بد منها في دعوته إلى الله جل وعلا، حتى تكون دعوته دعوة سليمة، ودعوة يؤجر عليها، وتترتب عليها الفضائل والثمرات. كل الفضائل وكل الثمرات التي رتبها الشرع في حق القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا في حق الناصحين الذين ينصحون في دين الله. كلها ثمرات للداعية إلى الله جل وعلا. لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة إلى الله، ولأن النصيحة في دين الله جل وعلا دعوة إلى الله. وهكذا الدروس والمحاضرات والخطب والمؤلفات، كل ذلك يترتب عليه هذه الفضائل. لكن لا تترتب تلك الفضائل إلا إذا كانت هذه الدعوة سليمة، وكانت هذه الدعوة الدعوة مستقيمة، تواثق كتاب الله جل وعلا، وتوافر سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. أما إذا كانت هذه الدعوة تخالف كتاب الله وتخالف سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتخالف سبيل النبي عليه الصلاة والسلام، فأصحابها لا يتعجلون على هذه الثمرات وهذه الفضائل. وإنما يترتب في حقهم الأوزار والعياذ بالله. وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فلابد بالدعوة لله جل وعلا أن تكون على منهج الكتاب والسنة، وعلى فهم سلف الأمة. وهذا أمر لا بد منه في هذه الدعوة. نقول هذا لأن كثيرًا من الناس يحكمون أنفسهم دعاة إلى الله جل وعلا، ويظنون أنفسهم من القائمين بهذه المنزلة العظيمة، وليس كذلك. والسبب أن طريقتهم في الدعوة إلى الله جل وعلا ليست على طريقة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية مسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». فالعمل إذا لم يكن موافقًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مردود على صاحبه. ومن ذلك العمل الدعوة إلى الله جل وعلا، إذا كانت الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى تخالف نهج رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذه الدعوة مردودة على أصحابها. لا بد للداعية لله جل وعلا أولًا من العلم كيف يدعو إلى الله جل وعلا، وكيف يتحصل على هذه الثمرات العظيمة والمضائل التي رتبها الشرع. وهو جاهل لم يتعلم دين الله جل وعلا، ولم يتعلم سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. يدعو إلى ماذا؟ فاقد الشيء لا يعطيه. فالإنسان إذا كان جاهلًا بالشيء، كيف يدعو الناس إلى الحق وهو لا يعلم الحق؟ فلا بد من العلم أولًا. ولذلك قال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. فلا بد من العلم أولًا. لا بد من العلم، ثم العمل به، ثم الدعوة إلى هذا العلم، ثم التواصي على الصبر على هذا العلم، والصبر على الأذى فيه. والشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، رسالة عظيمة وهي الوصايا الثلاث، قرر فيها هذا، وبين فيها هذا. وأنه لا بد للمسلم أولًا أن يتعلم دين الله جل وعلا، وأن يعمل به، ثم يدعو الناس إليه، ثم يصبر على الأذى فيه. وذكر سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. والله جل وعلا قد قال في كتابه الكريم: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. انظروا في هذه الآيات. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾. خلق الإنسان، علمه البيان. فقدّم الله جل وعلا هذه المنة العظيمة، وهي تعليم القرآن، قبل البيان. ومن البيان الدعوة إلى الله جل وعلا، وبيان هذه الدعوة للناس، وتعليم الناس دين الله جل وعلا. وربنا سبحانه وتعالى أول ما أنزل على رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. هذا أول ما أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الأمر بالتعليم، بالقراءة. ثم بعد ذلك جاء الأمر بالدعوة إلى هذا الدين، وإلى هذا العلم، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. فالدعوة إلى الله جل وعلا لا تتأتى إلا بعد العلم بدين الله جل وعلا. ثم بعد ذلك يدعو الناس هذا الداعي الذي تعلم دين الله جل وعلا، ما علم من دين الله يبلغه. لكن يبلغه بطريقة صحيحة، وطريقة سليمة. كثير من الناس يقومون ويدعون إلى الله عز وجل، ويستدلون بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية». فيقول: لا يضر أن أتعلم كثيرًا من العلم أو كذا أو كذا. إذا تعلمنا آية من كتاب الله جل وعلا، وعلمنا تفسيرها كما فهمها أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، بلغها. لكن بلغها بطريقة توافر طريقة النبي عليه الصلاة والسلام. لا تبلغ بطريقة مخالفة، أو بمنهج تستحدثه في دعوتك إلى الله جل وعلا. فيه كذا وفيه كذا، إلى آخر ذلك. كما هو حال كثير من يدعو إلى الله عز وجل، يظن نفسه كذلك، وهو على طريقة في تبليغ هذا الدين، وآيات الله، وحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، على طريقة بدعية. فهذه الطريقة مردودة على أصحابها، وإن كانوا يدعون إلى الله، يقولون: قال الله، وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام. لكنهم كما ترون، يدعون إلى الكتاب والسنة بطريقة محددة، وبمنهج مخالف لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ولما كان عليه الصلاة والسلام. فهذا مردود عليهم. وأيضًا يقال: إن الاستفادة العظيمة إنما تكون بتحصيل العلم الكثير. فكل ما استفاد الإنسان علمًا، كانت دعوته لله جل وعلا على بصيرة، وعلى كذلك نور من ربه. فالإنسان يحرص ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، أن يتعلم من دين الله جل وعلا، من كتاب الله، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، شيئًا كثيرًا. حتى يبلغ دين الله جل وعلا، ويحصّل الخير العظيم، والخير كذلك الكثير الذي رتب الشرع على ذلك. فلابد أولًا من العلم. وهكذا كذلك لابد من الإخلاص في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. الإخلاص في هذه الدعوة. فقد قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. الدعوة إلى الله من أعظم العبادات. ولابد بالعبادة أن تكون على إخلاص، وأن تكون على متابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. الدعوة لابد بها من الإخلاص، والدعوة إلى الله عز وجل لابد فيها من المتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. قد قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. فلابد للإخلاص في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. الإنسان دعا إلى الله جل وعلا ولم يخلص في دعوته، فهو آثم، ومأزور، غير مأجور. بل والعياذ بالله هو ممن تتحقق به ذلك الوعيد، المذكور في نصوص كثيرة. ومن أعظم هذه النصوص، نصوص الوعيد، ما جاء في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم وغيره: «في أول من تسعر بهم النار يوم القيامة». ومنهم قارئ بالقرآن، ولكن هذا القارئ لم يتعلم هذا القرآن ابتغاء وجه الله عز وجل، وما أخلص في تعلمه لكتاب الله سبحانه وتعالى. فكان أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. عياذًا بالله. ولذلك يجب الحرص على الإخلاص، أن يجاهد الإنسان نفسه على الإخلاص في دعوته إلى الله سبحانه وتعالى. أن تكون هذه الدعوة لنيل ثواب الله عز وجل، ولنيل مرضاة الله جل وعلا. ولرفع الجهل من أوساط المسلمين، ولتفقيه المسلمين، ولتعليم المسلمين دينهم. أن تكون النوايا خالصة، وصالحة، وحسنة. لا يدعو الإنسان لأجل تحصيل مطلب دنيوي، أو لتحصيل وجاهة، أو رياء، أو كبر، أو ليصرف وجوه الناس إليه، إلى آخر ذلك. والعياذ بالله من المقاصد السيئة. بل يحرص الإنسان أن تكون دعوته إلى الله جل وعلا على إخلاص. يدعو إلى رب العالمين: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. يدعو إلى الله، إخلاص، على بصيرة، علم. لابد من الإخلاص. وربنا الله لا تدع يا عبد الله إلى عصبية، لا تدع إلى حزبية، لا تدع إلى عشائرية، لا تدع كذلك إلى نعرات جاهلية. فهذه ليست من الدعوة إلى الله جل وعلا، وليست من الدعوة التي كان عليها النبي عليه الصلاة والسلام. بل هي من الدعوات التي تبرأ منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، متفق عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». ودعوى الجاهلية هي الدعوة إلى العصبية، وهي الدعوة إلى الحزبية. وهي الدعوة كذلك إلى العشائرية، وإلى النعرات الجاهلية. وكل هذا من دعوات الجاهلية التي تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من فاعليها، والقائمين بها. فلابد يا عباد الله أن تكون الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، إلى دين الله جل وعلا، إلى كتاب الله، إلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. إلى منهج السلف الصالح. لا تكون لأجل أغراض، ولا لأجل كذا وكذا. ولسنا بالشديد أننا نجد في مجتمعات المسلمين اليوم، دعوات قائمة إلى الدعوات إلى الحزبية، والدعوات إلى العصبية، والدعوات إلى القبلية، وإلى آخر ذلك. فليعلم أصحاب هذه الدعوات أنهم ليسوا في الدعوة إلى الله جل وعلا من شيء. وإنما هم والعياذ بالله على دعوات جاهلية، وعلى دعوات عصبية، وعلى دعوات حزبية. الدعوة إلى الله، ودين الله عز وجل، إنما هي دعوة إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإلى تعليم الناس هذين الوحيين، وتبصير الناس بما كان عليه السلف الصالح، رحمة الله تعالى عليهم، ورضي الله تعالى عنهم. لابد من الإخلاص يا عباد الله، وأن تكون الدعوة سليمة من الشوائب، من شوائب الدنيا، والعياذ بالله. ومن شوائب تحصيل المطالب، والوجاهات، وغير ذلك من هذه الأمور. وهكذا يا عباد الله، من الأمور التي لابد منها في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أن يكون الداعي لله عز وجل رحيمًا بالناس، رفيقًا بالناس، حكيمًا كذلك. فالدعوة إلى الله جل وعلا من وصفها الرحمة، ومن وصفها الرفق، ومن وصفها كذلك الحكمة. جاء الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فهذا أصل في الدعوة لله جل وعلا، الحكمة. والحكمة أيها الناس هي وضع الشيء في محله. الرفق في موضع الرفق، والشدة في موضع الشدة. النبي عليه الصلاة والسلام عامل أصحابه بالرفق في مواضع كثيرة، وعامل كذلك عليه الصلاة والسلام أصحابه بالزجر والشدة في مواضع أخرى. وخاصة العوام، عوام الناس، هؤلاء يترفق بهم. عوام الناس، المعاملة معهم، والدعوة معهم، تختلف عن غيرهم من قد ماذا قد تعلم. النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل ذلك الأعرابي وبال في المسجد، ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام معه؟ أراد الصحابة أن يسطوا عليه، وأن يقوموا عليه، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام. ومعاذ بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه كذلك لما أخطأ وتكلم في الصلاة جاهلًا، رفق به النبي عليه الصلاة والسلام. وقال لمعاذ عليه الصلاة والسلام: «أفتان أنت؟ أفتان أنت؟ أفتان أنت؟». وقال لكعب بن مالك: «إنك امرؤ فيك جاهلية». فلكل مقام المقال. وانظر إلى هذا المدعو الذي أنت تدعوه، والذي تعلمه. فالأمر ليس هو بالهوى، وإنما الأمر لابد به من الحكمة. لابد من الحكمة. لابد من الحكمة يا عباد الله في الدعوة إلى الله جل وعلا. ولابد كذلك من الرفق. قال جل وعلا في كتابه الكريم، لنبيه موسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. نعم. لماذا؟ لأن الرفق كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة الصحيح: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». فلذلك يا عباد الله ارفقوا بالناس، وارحموا الناس. هذا الدين، وهذه الدعوة لله عز وجل، إنما هي رحمة. رسالة النبي عليه الصلاة والسلام إنما هي رحمة للعالمين، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. فلا بد من الرحمة. أصل هذه الدعوة، وأصل هذا الدين، إنما هو رحمة بالناس. نعم أيها الناس. ولذلك كان يسمى دعوته رحمة. قد قال جل وعلا في نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. فعلى أهل الإسلام، وعلى الدعاة لله جل وعلا، أن يتراحموا فيما بينهم. أن يتراحموا فيما بينهم. فأهل السنة هم أولى الناس، وحق الناس، بالتراحم معهم. لأنهم أهل إيمان. والنبي عليه الصلاة والسلام كان بالمؤمنين رحيمًا. فهذه رحمة خاصة من النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الإيمان. وهناك الرحمة العامة للعالمين. لأن هذا الدين الذي أرسل به النبي عليه الصلاة والسلام، رحمة لكل من على هذه الأرض. إذا أخذ بهذه الشريعة، وأخذ بهذا الهدى الذي أرسل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. فنتراحم يا عباد الله. أهل العلم، وأهل السنة، والسلف الصالح. حين كانوا يدعون إلى الله جل وعلا، حين كانوا يدعون، ويعلمون الناس. أول ما يبدأون في تعليمهم الناس، حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو حديث مسلسل بالأولية، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». أول ما يأتي طالب العلم، طالب العلم يريد أن يتعلم دين الله، ويريد أن يتفقه في دين الله جل وعلا. يحفظون هذا الحديث، ويعلمون هذا الحديث. لماذا؟ ليعلموا هذا الطالب، ويغرسوا في نفس هذا الطالب، أن هذا الدين، وأن هذا العلم الذي سيتعلمه، إنما هو مبني على التراحم. الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. فإذا علم الطالب، والمقبل على دين الله، والمتعلم لرسالة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الأمر، علم أن هذا الدين إنما هو دين رحمة، ودين تراحم. كثير من الناس اليوم، ربما أعرضوا عن دين الله عز وجل، وعن تعلم شرع الله، وعن الكتاب والسنة. وذلك لما يجدون من أمور، يعني يرونها بأعينهم، في واقعهم الذي يعيشونه، من التنازع، ومن التشاجر، ومن كذلك البغضاء، والشحناء الكثيرة. يقولون: كيف هذا الدين، وهذه الدعوة؟ ما دخل فيها أحد إلا ماذا إلا انقلب. كان تخلقه ربما حسنة، ثم صارت سيئة. فلا ينتبه الإنسان. وينتبه الإنسان. وهذا خلل، والله. ثم والله. أن من دخل في دين الله، ومن دخل في دعوة أهل السنة والجماعة، فهي دعوة رحمة، هي دعوة رحمة. لكن الرحمة المدعو بها شرعًا، الرحمة الصحيحة، الرحمة الصحيحة التي كان عليها النبي عليه الصلاة والسلام، الرحمة الصحيحة التي كان عليها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأرضاهم. هذه الرحمة الحقيقية التي كان عليها رسول الله، وعليها كذلك أصحابه. رضي الله تعالى عنهم، وأرضاهم، وأتباع الأنبياء، وأتباع كذلك الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، إلى يومنا هذا. أما من يشنع من الناس، فهذا لا عبرة