الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 62، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المزاح والمداعبة مباحة في الإسلام إذا كانت بحق ولا تخالف الشرع. يُشترط أن يكون المزاح في أمر مباح ولا يشتمل على كذب أو غيبة.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يمزح مع أصحابه ويتعامل معهم بلطف، كما كان أصحابه يتبادلون المزاح فيما بينهم دون إنكار من النبي. كان النبي يمزح مع عائشة وغيرها من أصحابه.
حسن الخلق له أهمية كبيرة في الإسلام، حيث يُعد أثقل شيء في الميزان يوم القيامة. كما أن النبي كان يمزح مع الأطفال ويتعامل معهم بلطف، مما يدل على أهمية حسن الخلق في التعامل مع جميع الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا عبد الله بن صالح، هو كاتب الليث، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن عجلان، عن أبيه، أو سعيد، عن أبي هريرة، قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقًا. الحديث صححه شيخ الألباني رحمه الله، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمازح أصحابه ويداعبهم، فقالوا: إنك تداعبنا -يعني تمازحنا- فقال عليه الصلاة والسلام: إني لا أقول إلا حقًا -يعني لا أتكلم إلا بحق-. وفي هذا بيان أنه يجوز المزاح والمداعبة إذا كانت بحق، يعني ليس فيها شيء مما يخالف الشرع، ليس فيها كذب، ولا كذلك أيضًا غيبة، كان يحاكي حركة غيره، فإن ذلك من الغيبة ونحو ذلك، فإن كان في أمر مباح فهي جائزة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يداعب ويمازح أصحابه ولا يقول إلا حقًا. وما ورد عند الترمذي من حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تمارِ أخاك ولا تمازحه»، فهذا الحديث على فرض صحته، وإلا فإن الإمام الترمذي حين رواه قال: هذا حديث غريب، وغالبًا لا يطلق ذلك إلا ويريد به التضعيف. وإذا كان صحيحًا فإنه يحمل على المزاح المذموم، المزاح المذموم الذي فيه شيء يخالف الشرع، ككذب ونحو ذلك، أو كذلك أيضًا الإكثار منه، إذا كان يكثر من المزاح، فإن ذلك مما يذم؛ لأنه مشغلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى، والسبب لقسوة القلب، وربما أشغل الإنسان عما هو أهم. وأما إذا كان المزاح في شيء مباح، وليس فيه مخالف للشرع، فهو جائز، وإذا كان فيه تطييب لنفس الممازح، فإنه ربما يصل إلى حد الاستحباب، كما قال الحافظ رحمه الله، وبهذا يجمع بين الحديثين. فالحاصل: النبي عليه الصلاة والسلام كان يمازح ولا يقول إلا حقًا، أي لا يقول إلا صدقًا عليه الصلاة والسلام، فلا بأس أن يمازح الإنسان أهله أو بعض أقاربه بشيء ليس فيه مخالف للشرع. قال: حدثنا صدقة، قال: أخبرنا معتمر، عن حبيب أبي محمد، عن بكر بن عبد الله، قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال. والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة، ومعنى يتبادحون: أن يتراموا بالبطيخ، والبطيخ هو الفاكهة التي لا ساق لها، فيدخل فيه البطيخ المعروف، وهكذا ما كان بمعناه مما ليس له ساق. فكان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يتبادحون بالبطيخ -يعني يترامون بالبطيخ- يتمازحون ويلهون برمي البطيخ، يرمي كل واحد البطيخ على آخر، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال -يعني إذا وقعت الشدائد التي ينبغي أن يقوم فيها الإنسان بالحزم- كانوا هم الرجال، قاموا بها، فلا ينافي ذلك ما يحصل بينهم من مزاح ولعب، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينكر عليهم، فلا بأس بذلك أن يلعب مثلًا أحد ويمازح أخاه بشيء من الأطعمة، لكن لا يكون ذلك بالإسراف والتبذير. قال: حدثنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، قال: مزحت عائشة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أمها: يا رسول الله، بعض دعابات هذا الحي من كنانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل بعض مزحنا هذا الحي». وهذا الحديث مرسل؛ لأن ابن أبي مليكة تابعي، ثم ذكر هذه القصة عن عائشة رضي الله تعالى عنها وما حصل فيها من مداعبة، ولم يدركها، فتكون مرسلة. قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله -يعني يطلب منه أن يحمله معه براحلته يهيئها له في ركوبها- فقال: أنا حاملك على ولد ناقة -يعني قال له النبي عليه الصلاة والسلام: أنا حاملك على ولد ناقة- فقال: يا رسول الله، وما أصنع بولد ناقة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وهل تلد الإبل إلا النوق. والحديث صحيح، وفيه مزاح النبي عليه الصلاة والسلام مع هذا الرجل، فهو طلب منه أن يستحمله -يعني أن يهيئ له مركبًا- فقال عليه الصلاة والسلام: أنا حاملك على ولد ناقة، وكان ولد ناقة يطلق عندهم على الصغير من ولدها، فلهذا قال: وما أصنع بولد ناقة -يعني الصغير من ولد ناقة ما يتحمل الركوب- فقال: وما أصنع بولد ناقة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: وهل تلد الإبل إلا النوق -يعني أن ولد الناقة الكبير هو أيضًا ولد ناقة، الإبل الكبير هو ولد ناقة- فهل تلد الإبل؟ قال: باب المزاح مع الصبي، قال: حدثنا آدم، وهم أبي إياس، قال: حدثنا شعبة أبو الحجاج، قال: حدثنا أبو التياح، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير. والحديث صحيح، وهو في الصحيحين، وفيه ما ضُرب عليه الإمام البخاري رحمه الله: باب المزاح مع الصبي، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يمازح أخًا لأنس بن مالك، ويقول له: يا أبا عمير، ما فعل النغير، وهذا يدل على جواز ممازحة الصبي، والنغير هو طائر صغير، كان النبي عليه الصلاة والسلام يمازحه فيقول له: يا أبا عمير، ما فعل النغير. قال: حدثنا ابن سلام، قال: حدثنا وكيع، عن معاوية بن أبي مزرد، عن أبيه، عن أبي هريرة: قذف النبي صلى الله عليه وسلم بيد الحسن أو الحسين رضي الله عنهما، ثم وضع قدميه على قدميه، ثم قال: ترقى. والحديث مرسل، وأنه ضعيف لا يصح. قال: باب حسن الخلق، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن القاسم بن أبي برزة، قال: سمعت عطاء الخراساني، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق». والحديث صحيح، أخرجه صراحة الشيخ الألباني رحمه الله، وشيخنا كذلك في الصحيح المسند، وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن ما من شيء أثقل في الميزان -يعني يوم القيامة- من حسن الخلق، فحسن الخلق سبب لتثقيل الموازين، وفيه كذلك إثبات الميزان، وأن هناك ميزان يوم القيامة توزن فيه أعمال العباد، وليس المراد به العدل كما يقول المعتزلة أو غيرهم من أهل البدع والضلال، بل هو ميزان حقيقي له كفتان توزن فيه أعمال العباد يوم القيامة.