استغلال مراحل العمر

الدرس في استغلال مراحل العمر، محاضرة في منطقة المطار القديم, الجمعة 22 رجب 1429هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل مجالس الذكر واغتنام العمر في طاعة الله

يستهل الخطيب الحديث بفضيلة الجلوس في بيوت الله لتلاوة القرآن ودراسة السنة، مستدلاً بسورة العصر وحديث صحيح مسلم في غشيان الرحمة ونزول السكينة وحفوف الملائكة. ويؤكد أن الإنسان خُلق للعبادة لا للعبث، داعياً إلى اغتنام الأعمار في الطاعة والتواصي بالحق والصبر للنجاة من الخسران.

مرحلة الطفولة: بناء العقيدة الصحيحة وتعليم الصلاة والأدب

يستعرض الخطيب مراحل عمر الإنسان الخمس محذراً من فوات الأوان، ويركز على مرحلة الطفولة وواجب الآباء في تعليم الأبناء العقيدة الصحيحة من توحيد وتوكل وإيمان بالقدر، مستدلاً بوصية النبي لابن عباس. كما يبرز أهمية تربية الأبناء على الصلاة منذ السابعة، والأدب مع الكبار، وحفظ القرآن اقتداءً بهدي النبوي وسيرة السلف الصالح.

مرحلة الشباب: نشأة في بيوت الله واستغلال القوة في الطاعة

يوضح المقطع أن نشأة الولد الصالح تتحقق في بيوت الله بحفظ القرآن وبر الوالدين، مبشراً من يعلم ابنه القرآن بتاج الكرامة يوم القيامة. وينتقل لأهمية مرحلة الشباب كمرحلة قوة يجب استغلالها في الزواج أو الصوم والطاعات، مستشهداً بهدي النبي مع الشاب طالب الزنا ودعائه له، وسابقة الصحابة كعثمان بن عفان في إنفاق المال للجهاد والخير.

دعوة الشباب لطلب العلم النافع والتحذير من الغزو الفكري وإضاعة الوقت

يختتم الخطيب بتحذير الشباب من إضاعة مرحلة القوة في اللهو واللعب ومتابعة الشاشات، حاثاً إياهم على اغتنامها في طلب العلم الشرعي النافع والتفقه في الدين. وينبه إلى خطر الغزو الفكري الغربي الذي يستهدف إفساد العقائد والأخلاق وتصوير الإسلام بالتخلف، داعياً الشباب للوعي والتمسك بدينهم وهويتهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد سمعنا في الصلاة، قد قرأ الإمام جزاه الله خيراً في الركعة الثانية هذه السورة القصيرة، وهي مليئة بالفوائد العظيمة، حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «لو ما أنزل الله عز وجل من القرآن عبرة إلا هذه لكفتهم»، وهي قول الله جل وعلا: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾. فمن التواصي بالحق ومن التواصي بالصبر، عباد الله، هذه المحاضرات وهذا التذكير، فإنه من التواصي بالحق ومن التواصي بالصبر. ويقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾، أي هؤلاء هم أهل العقول السليمة وأهل القلوب الصافية الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأحسن القول هو كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالذي يذكرك بكتاب الله سبحانه وتعالى ويذكرك بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا هو القول الحسن الذي ذكره ربنا سبحانه وتعالى، وهو الذي يأخذ أهل الإيمان ينتفعون به كذلك. ولهذا، عباد الله، هذه المجالس التي نجلسها للتذاكر وكذلك للتعاون وللفوائد، لها أجور عظيمة عند الله سبحانه وتعالى. ولو لم يكن إلا قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله عز وجل فيمن عنده». هذه الجوائز الأربع العظيمة تتحصل عليها يا عبد الله إذا جلست تستمع إلى ما يذكر من كلام الله جل وعلا ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما يتبع ذلك من كلام أهل العلم ومما يفسر ذلك الكلام، فهذا خير عظيم يا عبد الله. وزد على ذلك أن الله عز وجل يغفر ذنوبك، وأيضاً كذلك تستفيد من هذا العلم العظيم وتستفيد مما يلقى عليك حتى تنتفع به في الدنيا والآخرة. ولهذا، عباد الله، فإن شاء الله تعالى ستكون المحاضرة بعد ركعتي السنة. وقبل هذا نشكر من كان في هذا المسجد ومن أعان على إقامة هذه المحاضرة وإتاحتهم لنا، وجزاهم الله خيراً. وكذلك أيضاً أهل هذه البلاد الطيبة، نسأل الله عز وجل أن يحفظهم وأن يبارك فيهم. وإن شاء الله تعالى ستكون المحاضرة بعد أداء ركعتي السنة، وإن شاء الله تعالى سيتكلم بعض طلبة العلم المستفيدين من دار الحديث بالشهر، وهم الأخ عبد الحافظ براهم أبو عبد الرحمن، وكذلك أبو يوسف عبد المجيد الغيل، حفظهم الله تعالى. وإن شاء الله تعالى بعد أداء ركعتي السنة نستمع إلى كلامهما، حفظهم الله، وجزاكم الله خيراً. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، نحمد الله عز وجل أن يسر لنا مثل هذه اللقاءات وهذه الاجتماعات في بيت من بيوت الله جل وعلا، يتلى فيه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذه المجالس، عباد الله، قد حرمها كثير من الناس، هذه المجالس كما سمعتم في مقدمة أخينا، تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة وتنزل على أصحابها السكينة، ويذكرهم الله جل وعلا في ملأ عنده، يذكرهم الله فيمن عنده في الملأ الأعلى. هذه نعم عظيمة من الله سبحانه وتعالى يوفق إليها كل مسلم حريص على مثل هذه المجالس في بيوت الله، يعمر أوقاته بذكر الله سبحانه وتعالى وبطاعته. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم دائماً وأبداً لمثل هذه المجالس المباركة. أيها المسلمون، عباد الله، سمعنا في سورة العصر أن الله سبحانه وتعالى ذكر أن الإنسان في خسارة إلا من اتصف بصفات أربع، ألا وهي: الإيمان بالله، والعمل الصالح، والتواصي بالصبر، والتواصي بالحق. والتواصي بالصبر، هذه صفات أربع إذا اتصف بها الإنسان فإنه يخرج من تلك الخسارة العظيمة التي تلحقه، كل إنسان. لذا ينبغي علينا عباد الله أن نغتنم أوقاتنا فيما أمدنا الله عز وجل به من الأعمار، فإن ثمرة هذا الإنسان عمره، ثمرة هذا الإنسان هو عمره الذي أعطاه الله وكتبه الله عز وجل له، فينبغي على كل مسلم أن يكون حريصاً كل الحرص على أن يغتنم أوقاته في طاعة الله تبارك وتعالى. فإنه ينبغي لكل مسلم أن يعلم أنه ما خلق عبثاً وما ترك سدى، كما في الآيات التي مرت في سورة القيامة: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾. فما دمنا عباد الله نعلم أننا ما تركنا سدى، وأن الله عز وجل ما خلقنا عبثاً، وإنما خلقنا سبحانه وتعالى لعبادته، كما قال جل وعلا: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾، يعني ليوحدون، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾. فالله عز وجل أعطانا وأنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، فما هو واجبنا عباد الله تجاه هذه النعم التي قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾. فانظر يا عبد الله نعم الله الذي أعطانا السمع وأعطانا البصر وأعطانا الفؤاد وأعطانا الجوارح وخلقنا وسوانا وهدانا: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ * كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾. انظر يا عبد الله إلى نعم الله، إلى نعم الله عز وجل التي أنعم بها علينا، ينبغي علينا أن نقوم بشكرها، فإن الله عز وجل طلب من العباد أن يشكروا نعمه وأن لا يكفروها، فقال: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾. عرفنا عباد الله أن الله سبحانه وتعالى خلقنا لعبادته، والإنسان في هذه الحياة يمر بأطوار خمس، وهذا شيء معلوم لا يستطيع إنكاره أي أحد كائناً من كان، فهو يمر بهذه الأطوار الخمس: الطور الأول: منذ أن يخلقه الله عز وجل ويخرجه من بطن أمه إلى أن يبلغ خمسة عشر سنة، هذه مرحلة تسمى مرحلة الطفولة. ثم المرحلة الثانية: من بعد خمسة عشر سنة إلى خمس وثلاثين عاماً، تسمى مرحلة الشباب. ومن بعد خمس وثلاثين عاماً إلى خمسين عاماً، مرحلة ثالثة تسمى مرحلة الكهولة. من بعد خمسين عاماً إلى سبعين عاماً، مرحلة رابعة تسمى الشيخوخة. ومن بعد السبعين إلى ما شاء الله عز وجل، فذلك الهرم. انظروا عباد الله، خمس مراحل يمر بها الإنسان، إن كتب الله عز وجل له أن يمر بتلك المراحل، وإلا فإنه قد يتوفى قبل ذلك إذا شاء الله سبحانه وتعالى. وعلينا عباد الله أن نتأمل في هذه المراحل الخمس التي قد نمر بها كلها وقد لا نمر بها، فأنت الآن في مرحلة منها لا شك ولا ريب، فماذا أنت صانع فيها؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمرك باغتنام الحياة كلها فضلاً عن خصوصها، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك». هذه خمس يمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نستغلها وأن نحرص عليها. فبدأ بالحياة، الحياة تستغل، فما دامت فيك أنفاس وما دامت فيك نفس تلفظ، فعليك أن تستغل الحياة قبل أن يأتيك الموت. المرحلة الأولى يا عبد الله هي ما يمر به ذلك الذي يسمى الطفل، منذ أن يخلقه الله عز وجل إلى أن يبلغ خمسة عشر سنة. ربنا عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. فهل تفطنّا لهذا يا عباد الله، أن الله عز وجل إذ خلقنا من بطون أمهاتنا وأخرجنا لا نعلم شيئاً جهلاً، فجعل لنا الحواس الخمس لكي نفهم ولكي نعقل ولكي نعي ولكي نتعلم بهذه الحواس الخمس ونعلم ماذا يريد ربنا سبحانه وتعالى منا، إذ أنزل الكتاب الكبير العزيز على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فإذا هذه المرحلة لها خاصية ولها مزية، ولهذا تجد أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين أن يهتموا بأطفالهم، أن يهتموا بأولادهم في هذه المرحلة التي لا بد أن يمروا بها. قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾. فأمر سبحانه وتعالى أن نقي أهلينا، وأهلينا يشمل الزوجة ويشمل الأبناء، فالله عز وجل أمر المؤمنين بأن يهتموا بأولادهم لأنهم من جملة أهلهم، فيقونهم عذاب الله كما يقون أنفسهم عذاب الله: ﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾. فالنار عباد الله وقودها الناس ووقودها الحجارة كما أخبر الله عز وجل. في هذه المرحلة كان نبينا عليه الصلاة والسلام يهتم غاية الاهتمام بتربية الأولاد تربية صحيحة سليمة على العقيدة الصافية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كنت رديف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على حمار، فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». انظروا عباد الله، تعليم لغلام صغير لم يتجاوز العاشرة من عمره، فالنبي عليه الصلاة والسلام يعلمه العقيدة الصحيحة، فيقول له: «احفظ الله»، يعني احفظ محارم الله واحفظ حدود الله، لا تنتهكها ولا تتجاوزها. ثم يقول له معلمًا: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله». وهذا تعليم في العقيدة، أنه ينبغي أن نعلم أولادنا العقيدة، إذا أرادوا أن يسألوا شيئاً مما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، أن يسألوا الله ويتوجهوا بالدعاء إلى الله ويرفعوا أيديهم إلى الله، لا يذهبوا إلى القبور أو يدعوا الموتى أو يدعوا ويستغيثوا من دون الله من لا يقدر على شيء، من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا يملك كذلك نفعاً ولا ضراً. ينبغي أن يتوجه الطفل إلى الله سبحانه وتعالى، ويعلمه أبوه أن يدعو الله ويرفع كفه ضراعة إليه، كما علم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس: «إذا استعنت فاستعن بالله». قال: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك». وهذا فيه إيمان بالقضاء والقدر، فيه إيمان بالقضاء والقدر، فاعلم يا عبد الله، علم ولدك على الإيمان بالقضاء والقدر، أن الناس لن يستطيعوا أن ينفعوك بشيء إلا شيئاً قد كتبه الله عز وجل لك، وكذلك لو اجتمعوا من في الأرض جميعاً على أن يضروك والله عز وجل ما كتب لك الضر، فانهم لن يستطيعوا أن يضروك. «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». هكذا يعلم النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال له عليه الصلاة والسلام: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً». فهل نحن عباد الله معلم أولادنا مثل هذه العقيدة الصحيحة التي ينبغي على كل مسلم أن يعتنقها، أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، وأنه جل وعلا هو المستحق للعبادة لا سواه، وأنه هو الذي يدعى، وهو الذي يرجى، وهو الذي يتوكل عليه، وهو الذي يستغاث به، وهو الذي يسأل؟ هكذا ينبغي أن يعتقد كل مسلم عقيدة صحيحة، كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم الصحابة. وهكذا علم النبي عليه الصلاة والسلام الحسن اجتناب الحرام، ينبغي أن تعلم أولادك اجتناب الحرام، أن هذا حرام مما حرمه الله جل وعلا ورسوله عليه الصلاة والسلام، فتعلمه أن يجتنب هذا الحرام ولا يقرب هذا الحرام. الحسن رضي الله تعالى عنه لما أكل تمراً من تمر الصدقة، ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال له: «كخ، وأخرجها من فيه، أما علمت أنه لا تحل لنا الصدقة؟» النبي عليه الصلاة والسلام أخرج التمر من فم الحسن بن علي، ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد سيدي شباب أهل الجنة، هكذا يعلمه أن يجتنب ما حرم الله، فالصدقة لا تحل لآل البيت، فلهذا نهاه النبي عليه الصلاة والسلام أن يأكل هذا التمر من تمر الصدقة. وانظروا إلى تفريط كثير من الآباء في تعليم أولادهم، فربما تركه في الشوارع، تركه في الشوارع لا يبالي به ولا يسأل عنه: هل صلى الصلوات في جماعات؟ هل حافظ عليها هكذا؟ هل غض بصره عن الحرام؟ هل اجتنب أكل الحرام من شمّة وقات ودخان ونحو ذلك مما يضر بصحته ومما هو حرام، عباد الله؟ أم أنه التساهل عند كثير من الآباء إلا من رحم الله جل وعلا؟ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر الآباء أن يهتموا بالأبناء فيعلموهم الصلاة، فيقول كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: قال عليه الصلاة والسلام: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». انظر يا عبد الله كيف نبينا عليه الصلاة والسلام يأمرنا أن نعلم الأطفال إذا كانوا أبناء سبع سنين، ونرشدهم ونوجههم إلى بيوت الله جل وعلا، ولا نتركهم تحت شاشات التلفاز، لا نتركهم يضيعون أوقاتهم، بل يغتنمون الأوقات في بيوت الله جل وعلا. «مروا أولادكم»، هذا أمر للآباء، والآباء يأمرون الأولاد، أمر فيه ندب، أمر استحسان، أنهم إذا تعودوا الصلاة فإنها تسهل عليهم إذا كبروا، وأما إذا لم نأمرهم بالصلاة وتركناهم على قول بعضهم: «هذا ما زال جاهل، هذا ما زال صغير»، فإن هذا يخالف تعاليم الرسول صلى الله عليه وعليه وسلم. فإذا ما كبر هذا الشاب أو هذا الصغير الذي ما ألف تلك الصلاة، فإنه لن يحافظ على الصلاة. خذه يا عبد الله معك إذا خرجت إلى الصلاة وقد بلغ سبع سنين، كما كان النبي صلى الله عليه وعليه وسلم يأمر الآباء أن يعلموا أولادهم الصلاة. فإذا تركها وهو ابن عشر سنين، فإنه يضرب، يضرب ضرباً غير مبرح، ليعلم أنه ترك وفرط في أمر عظيم. فالصلاة عباد الله ركن عظيم من أركان الإسلام وأحد مبانيه الجسام التي ينبغي على كل مسلم أن يحافظ عليها في أوقاتها بشروطها وأركانها وسننها وآدابها، حتى ننال الأجر من الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وعليه وسلم أيضاً من تعليمه أنه علم جارية وسألها سؤالاً، والحديث في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، أنه لما ضرب جارية له صغيرة، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ائتِ بها»، فأتي بها إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، المعلم والمربي للخلق جميعاً، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم. ماذا يقول لها النبي عليه الصلاة والسلام؟ يقول لها: «أين الله؟» قالت: «في السماء». قال: «من أنا؟» قالت: «أنت رسول الله». قال: «يا معاوية، أعتقها، فإنها مؤمنة، أعتقها، فإنها مؤمنة». سؤالان سألها الرسول عليه الصلاة والسلام، تعلمت الجارية، جارية صغيرة لم تبلغ، تعلمت عباد الله، من أين تعلمت العقيدة الصافية والمنهج الصافي الذي كان منتشراً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم بين الصحابة، إذ كانوا يعلمون الأبناء ويوجهون الأبناء، علموهم العقيدة الصحيحة، علموهم الصلاة، علموهم ما يجب تجاه الآباء والكبار والمشايخ، أن يحترموا الكبار، وكذلك أنهم يتأدبوا مع الكبار. أما اليوم، ربما إذا كلمت صغيراً صغيراً أو نهيت صغيراً عن فعل سوء، قال لك: «اذهب»، أو قال لك: «ما لك، خلني، أنت كذا وأنت كذا». ما هكذا الأدب يا عباد الله، وإنما كانوا يتأدبون في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. انظروا عباد الله إلى ابن عمر رضي الله عنهما، لما كان في مجلس من مجالس النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام، الحديث الصحيح: «أخبروني عن شجرة تشبه المؤمن، لا يتحات ورقها، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها». قال ابن عمر: «فوقع في نفسي أنها النخلة، ولكنني لم أتكلم، لأن في القوم أبا بكر وعمر». انظروا يا عباد الله، في القوم أبو بكر وعمر، أبو بكر، الأشايخ الكبار، العلماء في المجالس يحترمون ويوقرون. فماذا قال ابن عمر؟ ما تكلم، مع أنه في نفسه أن يقول: «يا رسول الله، هي النخلة». فماذا بعد ذلك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة». ما أحد أجاب، سكتوا، قال: «هي النخلة». فلما انصرف، قال: «يا أبتِ»، ابن عمر يقول لأبيه: «يا أبتِ، وقع في قلبي أنها النخلة». قال: «فما لك لم تتكلم؟» قال: «في القوم أبو بكر وعمر». قال: «والله لو تكلمت لكان أحب إلي من كذا وكذا، لكان أحب إلي من كذا وكذا». سيفرح الأب إذ يجيب الابن بالجواب السديد، الجواب الصائب، لأنه تعلم ولأنه تفقه. وهكذا ينبغي أن نعتني بأبنائنا. فهذه مرحلة عظيمة، من اعتنى بولده فإنه سيحصل على خير كثير. ولهذا من الاعتناء بالأولاد، عباد الله، أننا نعتني بهم في تحفيظهم القرآن، كلام الله عز وجل، الذي كان السلف يهتمون به غاية الاهتمام، فما ينشأ النشء ابن تسع سنين، عشر سنين، أو إلى البلوغ أقلها، وقد حفظ كتاب الله جل وعلا. انظروا إلى إمام السنة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، في كم حفظ القرآن؟ وهو ابن تسع سنين، مات أبوه وهو ابن صغير، فربته أمه ونشأته نشأة حسنة، دفعته إلى بيوت الله، إلى الكتاتيب التي يسمونها، إلى الكتاب ليتعلم، فحفظ القرآن، وكان غلاماً نبيهاً إذ ذاك، وغلاماً ذكياً. فأنت يا عبد الله إذا أحسست من ابنك الذكاء والفطنة والفهم، فينبغي أن تدله على الخير: «يا بني، هذا القرآن، احفظه». وتسمع له، إذا لم تستطع ذلك، فإنك ترشده إلى بيوت الله حيث حلقات العلم، لا تفرط فيه أبداً يا عبد الله، فإن هذا الولد سينفعك في وقت تحتاج إلى مثل هؤلاء الأولاد الصالحين. ألم تسمع إلى قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»؟ إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، الحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة: «من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». ولد صالح، كيف ينشأ الولد الصالح؟ ما ينشأ في الشارع، ما ينشأ الولد الصالح أمام التلفاز، ما ينشأ في الملاعب أبداً، وإنما ينشأ في بيوت الله، ولد صالح، عرف حق الله وعرف حق آبائه، فإنه سيظل يدعو لهم ويبرهم إذا كانوا أحياء، ويحسن إليهم، فإذا ماتوا قام بالاستغفار وأكثر الدعاء وتصدق لهم، فإن هذا مما ينفعهم في قبورهم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هكذا ينبغي علينا عباد الله أن نهتم في هذه المرحلة العظيمة وهي مرحلة الطفولة. بل إن الوالد الذي يحفظ ولده القرآن، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه يوم القيامة يكسى تاجاً ضوءه مثل ضوء الشمس، وحلة لا تقوم لها الدنيا، حلة عظيمة، وما أدراك ما حلل الآخرة وتيجان الآخرة. فيقول هذا الوالد: «لما هذا؟ أو بما كسيتمون هذا؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيقولون له: بتعليم ولدك القرآن، أو بأخذ ولدك القرآن». الولد صغير لا يعرف مصلحته، من الذي يرشده ومن الذي يوجهه؟ إنه الأب، يقول له: «يا بني، اذهب وصَلِّ، يا بني، اذهب واجلس في بيوت الله، يا بني، اذهب وتعلم»، فإنه إن فعل ذلك أجر أجراً عظيماً يوم القيامة. ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾. المرحلة الثانية، عباد الله، التي أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام باستغلالها والمحافظة عليها حفاظاً شديداً، مرحلة الشباب، وهذه من أعظم المراحل لدى الإنسان، مرحلة القوة ومرحلة الشجاعة والفتوة. ولهذا ينبغي على الشاب أنه يحسن في هذه المرحلة ولا يسيء، فهذه من أعظم المراحل. انظروا إلى الشيوخ الكبار في السن، لا يستطيعون أن يؤدوا ما يؤديه الشباب، بعد أن يبلغوا الستين والسبعين سنة وما فوق، فإنهم لا يكونون مثل الشباب أو الكهول. فهذه من أعظم المراحل. النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب الشباب فيقول: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». مخاطبة للشباب، لأنه مرحلة قوة، والشباب تتوق نفسه إلى النساء وإلى الزواج، فلهذا قال: «من استطاع منكم الباءة»، أي الزواج والمقدرة عليه، فليتزوج، يسارع، ما يجلس هكذا عاطلاً باطلاً ينظر في نساء الناس، وإنما عليه أن يسارع ويحصن فرجه، فقال: «فليتزوج». وما عنده مقدرة للزواج، فأرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى العمل الصالح، يستغل الوقت في العمل الصالح، لأنه إذا لم يستغل الوقت في العمل الصالح، فإن البطالة تأتي، والشيطان يوسوس، فلهذا قال: «فعليه بالصوم، فإنه له وجاء، فإنه له وجاء». لا ينكر عباد الله أن الشاب تأتيه أشياء وخواطر وهواجس، هذا عند كل شاب. ولهذا جاء شاب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ماذا يقول وماذا يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «يا رسول الله، ائذن لي في الزنا». لا إله إلا الله، «ائذن لي في الزنا». فقال الصحابة: «مه»، كلمة زجر، «أيش هذا الكلام؟» يقول للنبي عليه الصلاة والسلام، لأشرف المرسلين: «ائذن لي في هذه القبيحة من القبائح، ائذن لي في الزنا يا رسول الله». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، بعدما قال الصحابة: «مه»: «أدنه»، فدنا من النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون المربي ويكون المعلم، ينبغي أن يكون رحيماً ورفيقاً، يعلمهم ويوجههم إلى الخير، ما كهره ولا نهره ولا زبره ولا زجره في أول مرة، بل قال له معلماً عليه الصلاة والسلام: «أتحبه لأمك؟» قال: «لا، جعلني الله فداك يا رسول الله». قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». قال: «أتحبه لأختك؟» قال: «لا يا رسول الله، جعلني الله فداك». قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: «أتحبه لابنتك؟» قال: «لا يا رسول الله، جعلني الله فداك». قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أتحبه لخالتك؟» قال: «لا يا رسول الله، جعلني الله فداك». قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: «أتحبه لعمتك؟» قال: «لا يا رسول الله، جعلني الله فداك». قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». «من ذا الذي يحب الخبث في أهله؟» ذاك الديوث، مسمى الديوث الذي يقر الخبث في أهله ويرضى بالخبائث والقبائح والعظائم في أهله، ذاك ذيوث، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. أما هذا الفتى، بعد أن علمه النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «يا رسول الله، ادعُ الله لي، ادعُ الله لي». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم طهر قلبه وحصن فرجه، اللهم طهر قلبه وحصن فرجه». إذا طهر القلب، فإنه لن يلتفت إلى الرذائل ولا إلى الخبائث، وإنما يلتفت إلى ذلك أصحاب القلوب المريضة، والعياذ بالله، أما القلوب الطاهرة السليمة، فإنها لا تلتفت إلى هذه القبائح أبداً. ولهذا دع له النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة المباركة: «اللهم طهر قلبه وحصن فرجه». قال: «فما كان ذلك الغلام يلتفت إلى شيء أبداً، ما يلتفت بعد ذلك إلى مثل هذه الأشياء، وما توسوس له نفسه بمثل هذه الأشياء»، لأنه تعلم من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كيف يحصن فرجه وكيف يطهر قلبه، وأن هذه خطيرة على النفوس، والعياذ بالله. فإن الناس لا يرضون، لا يرضون أن تكون الخبائث والقبائح في أهاليهم، وكذلك أنت، ما دمت لا ترضى ذلك في أهلك، فلا ترضاه للناس، إن كنت مسلماً مؤمناً بالله واليوم الآخر. هذه المرحلة العظيمة، مرحلة الشباب، ينبغي أن نستغلها في طاعة الله، لأنها مرحلة قوة. وانظروا عباد الله إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كيف كانوا يسارعون في الخيرات، كيف كانوا يسارعون في الخيرات، وكيف كانوا يسابقون عليها، في الجهاد في سبيل الله، في ابتغاء مرضات الله جل وعلا، فما من شادة ولا فادة ولا واردة، ما تركوا مجالاً للخير إلا وطرقوه ودخلوا فيه بأنفسهم وأموالهم وأهليهم وأبنائهم، حرصاً على الخير، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يجهز جيش العسرة فله الجنة»، فقام عثمان وجهز ذلك الجيش العظيم، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». ولما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يشتري بئر رومة فله الجنة»، فاشتراه عثمان، وجعل دلوه مع المسلمين، مسارعة ومسابقة في الخيرات، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. عمروا الأوقات بالطاعات وبالقربات إلى الله سبحانه وتعالى، لأنهم عرفوا الهدف، لماذا خلقوا؟ «قد هيئوك لأمر لو فطنت له، فارضَ بنفسك أن ترعى مع الهمل». هيئوك لأمر، أنت أيها الشاب اليوم مهيأ لأمر عظيم، مهيأ لنصرة الإسلام والمسلمين، في هذا العمر ينبغي أن تقبل على الطاعة، وينبغي أن تقبل على العلم النافع، تتعلم العلم النافع الذي ينفعك الله عز وجل به، تتعلم التوحيد وأمور العقيدة، تتعلم الفقه في دين الله جل وعلا، تنتفع بذلك في الدنيا والآخرة، وينفع الله بك من شاء من عباده، لأن هذا العلم نور من الله سبحانه وتعالى. ولهذا يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، يفقهه في الدين». تكون من العلماء، تكون من طلاب العلم، تكون من المتفقهين المتنورين المتبصرين، ما تكون غبياً ولا جاهلاً، لا تعرف كيف تصلي، ولا كيف تتوضأ، ولا كيف تغتسل من الجنابة، ما تعرف أمور دينك. عند كثير من الناس أضاعوا هذا، قصب الشباب خاصة، فترى كثير من الشباب عزفوا عن العلم النافع وعن التعلم والتفقه في دين الله، فراح أكثرهم إلى اللهو واللعب، فترى المئات وترى الآلاف، تراهم في المباريات، وتراهم عند تلك الشاشات، ماذا يفعلون؟ إنهم يطعنون أنفسهم، يضيعون الوقت، عباد الله، والوقت هذا نعمة من الله سبحانه وتعالى. يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، الصحة والفراغ، كما في البخاري من حديث ابن عباس. كم يقتل الشباب اليوم الفراغ فيما لا جدوى فيه، وفيما لا فائدة فيه، في نفع أنفسهم في الدنيا أو في الآخرة؟ عمر رضي الله تعالى عنه كان يكره الشاب أن يراه بدون عمل، لا في الدنيا ولا في الآخرة، يكرهه ويبغضه، لماذا؟ لأنه ما عرف الهدف، لماذا وجد؟ أوجد للعب؟ أوجد للهو؟ لا، إنما وجد لأمر عظيم، لعبادة الله، وهذه العبادة تحقيقها ليس بالأمر السهل، وليس بالأمر الهين، ينبغي أن تضاف فيها الجهود وتكرس فيها الجهود لأجل أن تقام شعائر الله ودين الله، ونصرة هذا الدين العظيم الذي قام به رجال مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. انظروا إلى من ذهب من الشباب، عياذاً بالله، إلى السفاهات وإلى التفاهات، إلى تقليد للغرب وتقليد للكافرين، الذين حذرنا الله جل وعلا منهم، وأنهم أعداء لنا، ولن يرضوا لنا بهذا الدين، وإنما يريدون أن نكون معهم في دينهم، الذي هو دين اليهودية أو النصرانية. هكذا عباد الله، ينبغي أن يتفطن الشباب، وما يبذلونه في هذا الزمان من تلك الأشياء، إنما يريدون به إفساد العقائد وإفساد الأعمال وإفساد كذلك الأخلاق والآداب السامية الإسلامية عند كثير من الشباب. لهذا يغزون بالغزو الفكري قبل الغزو الآخر، الغزو الفكري، فإنه بث عن طريق وسائل الإعلام، ولهذا ترى كثير من الشباب متأثراً بحضارات الغرب، ربما رأى أن دين الإسلام دين رجعية ودين تخلف، دين رجعية ودين تخلف، كما قد أشاعوا وكما قد أذاعوا وبثوا هذا في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، إلى غير ذلك، يريدون إفساد عقائدنا. فليس لأجل سواد عيوننا أن يأتوا لنا