الدرس في جواهر البلاغة 30، الدرس الثلاثون:من( المبحث الثالث:في تقسيم الخبر إلى جملة فعلية وجملة اسمية ... نروح ونغدو لحاجاتنا*وحاجة من عاش لا تنقضي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الجملة الفعلية تتكون من فعل وفاعل وتفيد التجدد والحدوث في زمن معين. الفعل يدل على حدث متجدد بحسب زمنه.
الجملة الفعلية تفيد التجدد وقد تفيد الاستمرار بقرينة، بينما الجملة الاسمية تفيد الثبوت وقد تفيد الاستمرار أيضا بقرينة لفظية أو معنوية.
الجملة الاسمية قد تخرج عن أصلها بقرينة وتفيد التجدد خاصة في مقام المدح أو الذم، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
يشرح المقطع بيت شعر ويبين إعراب كلمة "شيبي" ويعلق على الشطر الثاني من البيت، ويُظهر تحليلاً للبيت الشعري وإعراباً لبعض كلماته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المبحث الثالث في تقسيم الخبر إلى جملة فعلية وجملة اسمية. قال: الجملة الفعلية ما تركبت من فعل وفاعل، أو من فعل ونائب فاعل، مثل: جاء زيد، وضُرِبَ زيد. قال: وهي موضوعة لإفادة التجدد والحدوث في زمن معين مع الاختصاص. وقوله: «لإفادة التجدد والحدوث» لأن هذا هو معنى الفعل، معنى الفعل هو الإخبار بحصول حدث، وهذا الحدث الأصل فيه التجدد والحدوث. ولهذا علق فقال: وذلك أن الفعل دال بصيغته على أحد الأزمنة الثلاثة بدون احتياج لقرينة، بخلاف الاسم فإنه يدل على الزمن بقرينة، بقرينة ذكر لفظه أو بقرينة ذكر لفظة، يعني تدل على ذاك المعنى، مثل: الآن، أو أمس، أو غد، فالآن للحاضر، وأمس للماضي، وغد للمستقبل. تقول مثلا: زيد في الدار أمس، أو الآن، أو غدا، فاستفدت الزمان من ماذا؟ هل من الجملة الاسمية أو من القرينة الموجودة معها؟ الجواب: الثاني، من القرينة الموجودة معها، وهي الآن أو أمس أو غد. ثم قال: ولما كان الزمان الذي هو أحد مدلولي الفعل غير قار بالذات، أي: لا تجتمع أجزاؤه في الوجود، كان الفعل مع إفادته التقييد بأحد الأزمنة الثلاثة، مفيدا للتجدد أيضا. ويريد رحمه الله تعالى أن الفعل له مدلول، ومدلوله أنه يدل على زمان معين، فإنما كان كذلك، أي: أصل الفعل يدل على معنى الزمان، ثم هذا الزمان يفهم بحسب نوع الفعل، فأفاد ذلك الحدث، والحدث الأصل فيه يدل على التجدد. ثم قال رحمه الله: نحو يعيش البخيل عيشة الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء. فالشاهد أن هذا الفعل يدل على التجدد والحدوث، يعيش ويحاسب. قال: ونحو أشرقت الشمس، وما معنى يحاسب حساب الأغنياء؟ لأنه في الدنيا شدد على نفسه فعاش مع الفقراء بالتشديد، لأنه بخيل، وفي الآخرة يحاسب حساب الأغنياء، لأنه في الحقيقة غني، سيسأل عن هذا المال. قال: ونحو أشرقت الشمس وقد ولّى الظلام هاربا، أشرقت وولى، فإن الإشراق يدل على التجدد والحدوث، حصول حدث، فعل معين هو الإشراق، وتجدد هذا الإشراق، ولو لفترة من الزمن، لأن الفعل يقع شيئا فشيئا. قال: فلا يستفاد من ذلك إلا ثبوت الإشراق للشمس، وذهاب الظلام في الزمان الماضي. وهل معنى ذلك ثبوت الإشراق من دون تجدد وحدوث؟ الجواب: لا، بتجدد وحدوث، لكن هذا التجدد نسبي، هذا التجدد نسبي، فهو في الفعل الماضي ليس كالفعل المضارع، وليس كفعل الأمر، وهذا يفهم من معنى زمن الفعل. قال: وقد تفيد الجملة الفعلية الاستمرار، التجدد شيئا فشيئا بحسب المقام، وهذا الأصل، الأصل أن الفعل يقع متدرجا، لكنه بالنسبة للماضي لأنه خبر قد مضى، فإن تجدده غائب عنا، فغيابه يجعل هذا التجدد غير ملحوظ، فيكون فيه الإخبار بحصول الحدث، ولكنه في نفسه حصل الحدث متجددا في ذاك الزمن. وهكذا بالنسبة للمستقبل، ومن نسبة للحاضر ينقسم هذا الحدث إلى قسمين: قسم يضارع الفعل، وقسم يتأخر عنه. تقول: يضرب زيد عمرا، فحدث الضرب يضارع كلام المتكلم في إخباره بالضرب، وتقول: سيضرب زيد عمرا، فعل الضرب متأخر عن كلام المتكلم، وهذا بماذا؟ بقرينة دخلت على الفعل المضارع أفادت تأخر الحدث عن زمان التكلم. فالشاهد أن الأصل في كل فعل فيه معنى التجدد والحدوث، ولكنه نسبي في الماضي، وفي المستقبل ليس كوجوده في المضارع. قال: وقد تفيد الجملة الفعلية الاستمرار، التجدد شيئا فشيئا بحسب المقام، وبمعونة القرائن لا بحسب الوضع. ومعنى بمعونة القرائن: يعني ما يلحق بهذه الجملة من القرائن، لا بحسب الوضع، يعني باعتبار أصل الفعل أو أصل تركيب الكلمة. قال: بشرط أن يكون الفعل مضارعا، نحو قول المتنبي: «تدبر شرق الأرض والغرب كفه * وليس لها يوما عن المجد شاغل». تدبر شرق الأرض والغرب كفه، وليس لها يوما عن المجد شاغل. قال: فقريمة المدح تدل على أن تدبير الممالك ديدنه، يعني هذا الآن في سياق المدح، يمدح ملكا من الملوك. قال: وشأنه المستمر الذي لا يحيد عنه، ويتجدد آنا فآنا. فاستفاد معنى زائدا عن الجملة الفعلية، وهو الاستمرار، الأصل أن الفعل لا يفيد الاستمرار، إنما يفيد الحدوث والتجدد لفترة من الزمن، لكن لما كان المقام هنا مقام مدح، فالمدح قرينة تدل على الاستمرار، لأن المدح لأن عدم الاستمرار ليس بمدح، عدم الاستمرار ليس بمدح، فكونه يذكر ذلك في مقام المدح استلزم ذلك معنى الاستمرار، هذا مرادك. فهنا القرينة معنوية، وأحيانا تكون القرينة لفظية. فالخلاصة: استفدنا أن الجملة الفعلية الأصل أنها تفيد التجدد والحدوث، ولا تفيد الاستمرار والثبوت، لكن معنى ثبوت الاستمرار الذي كما سيأتي هو من معاني الجملة الاسمية، قد يرد على الجملة الفعلية بقرينة، وهذه القرينة قد تكون لفظية، وقد تكون معنوية. مثال القرينة المعنوية: المدح، كما مثل رحمه الله، ومثال القرينة اللفظية: اقتران شيء من معاني الجملة الاسمية في لفظ من الألفاظ الذي يقترن بالفعل، فيفيد الثبوت والاستمرار. قال: والجملة الاسمية هي ما تركبت من مبتدأ وخبر، وتفيد بأصل وضعها ثبوت شيء لشيء ليس غير. ومعنى ليس غير: يعني ليس شيء زائد. ولهذا علق فقال: فالجملة الاسمية موضوعة لمجرد ثبوت المسند للمسند إليه، والأصل أن هذا الثبوت يفيد الاستمرار. قال الشيخ عبد القاهر: موضوع الاسم على أن يثبت به الشيء للشيء من غير اقتضاء أنه يتجدد ويحدث شيئا فشيئا، فلا تعرض في نحو: زيد منطلق، لأكثر من إثبات الانطلاق له، فعلا، والأفضل أن نقول له: وصفا، لأن الجملة الاسمية تأتي لثبوت أوصاف، تأتي لثبوت أوصاف. قال: كما في: زيد طويل، وعمر قصير، أي: أن ثبوت الطول والقصر هو بأصل الوضع، وأما استفادة الدوام فمن الملازمة في هذين الوصفين. وحينئذ فالتمثيل للنفي: يعني هل هذا الشيء ملازم أو غير ملازم؟ هذا ينظر بحسب اللفظة، فمن الألفاظ ما هو وصف ملازم، مثل الطول والقصر في الإنسان مثلا، ومن الأوصاف ما هو ليس بملازم، مثل الأوصاف الطارئة، كمنطلق مثلا. ولهذا عبر بقوله: فعلا، وهو في الحقيقة وصف، لكن هذا الوصف طارئ، ليس بثابت، فيكون إثبات هذا الوصف في الجملة الاسمية نسبي، كذلك قد يكون ثبوته مستمرا، وقد يكون ثبوته فيه استمرار نسبي، مثل ما قلنا في مسألة الحدث والتجدد في الجملة الفعلية: أنه كذلك نسبي. قال رحمه الله: وهي تفيد بأصل وضعها ثبوت شيء لشيء ليس غير، بدون نظر إلى تجدد ولا استمرار، نحو: الأرض متحركة، فلا يستفاد منها سوى ثبوت الحركة للأرض، بدون نظر إلى تجدد ذلك ولا حدوثه. قال: وقد تخرج الجملة الاسمية عن هذا الأصل وتفيد الدوام والاستمرار بحسب القرائن. قوله: وقد تخرج الجملة الاسمية عن هذا الأصل، لأن الأصل كما قلنا هو الثبوت، والاستمرار: الشجرة مثمرة، يعني أثبتنا وصف الإثمار للشجرة، وهو مستمر بحسب تعبير الجملة الاسمية في هذا الوضع والوصف، لكن هذا الاستمرار ليس إلى الأبد، لا شك أن له منتهى، فهو نسبي. ومع ذلك الجملة الاسمية كما قلنا في الجملة الفعلية: أنها قد تخرج عن الأصل بقرينة لفظية أو معنوية، فكذلك الجملة الفعلية قد تخرج عن الأصل بقرينة لفظية أو معنوية. قال: وقد تخرج الجملة الاسمية عن هذا الأصل، تفيد الدوام والاستمرار بحسب القرائن، إذا لم يكن في خبرها فعل مضارع، وذلك بأن يكون الحديث في مقام المدح أو معرض الذم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يتجدد هذا الخلق، وهذا التجدد من معاني الجملة الفعلية، من أين أتينا به؟ أتينا به من معنى المدح، فإن معنى المدح يقتضي حصوله على أكمل وصف، ومن ذلك التجدد. قال: فسياق الكلام في معرض المدح دال على إرادة الاستمرار مع الثبوت. ومنه قول الناظم: «لا يألف الدرهم المضروب صرتنا * لكن يمر عليها وهو منطلق». والمراد بالمضروب فيما يظهر: يعني مطلق الدرهم. ويريد أن الدراهم تمر بالصرة وتخرج، ما تجلس لكثرة نفقته وجوده. وقد يكون: لا يألف الدرهم المضروب صرتنا، يعني بسرعة ينكشف كذلك الدرهم المغشوش، لكثرة التعامل بالمال عندنا، بخلاف الذي البخيل يدخل الدرهم المضروب ولا يخرج، لأنه يكنز، فإذا كنز لم يكتشف، لكن عندنا تخرج الدراهم بسرعة، فلذلك الدراهم المضروبة تكتشف بسرعة. وكل المعنيين المقصود من المدح. وقال قبل هذا البيت: «إن إذا اجتمعت يوما دراهمنا * ضلت إلى طرق المعروف تستبق» يعني إذا صار عندنا شيء من الدراهم مجتمعة، كل واحدة من هذه الدراهم تسابق الأخرى في الخروج، ويريد الإخبار بكثرة جوده وإنفاقه. قال: يريد أن دراهمه لا ثبات لها في الصرة، ولا بقاء، فهي دائما تنطلق منها وتمرق مروق السهام من قصيتها، لتوزع على المعوزين وأرباب الحاجات. فالشاهد أن هذه الجملة جملة اسمية، ومع ذلك قرينة المدح أفادت معنى التجدد الذي هو من معاني الجملة الفعلية. قال: واعلم أن الجملة الاسمية لا تفيد الثبوت بأصل وضعها، ولا الاستمرار بالقرائن إلا إذا كان خبرها مفردا، نحو: الوطن عزيز، أو كان خبرها جملة اسمية، نحو: الوطن وسعادتي. يقول: أن الجملة الاسمية لا تفيد الثبوت بأصل وضعها، لأن الجملة الاسمية هي أصلا كما قلنا تفيد الإخبار بذاك الوصف لما وصف به من مبتدأ أو نحوه، وهذا الوصف قد يستفاد منه الثبوت، وقلنا معنى الثبوت هو ثابت، لكن هو نسبي. ويريد أن نتأكد معنى الثبوت يكون في الجملة الاسمية التي خبرها مفرد، لماذا؟ الذي خبرها مفرد، لأن الخبر المفرد يؤكد ثبوت هذا الوصف، بخلاف غيره. وكذلك الخبر الذي يكون جملة اسمية، إذا كان الخبر جملة، لأن الجملة الاسمية فيها معنى الوصفية، بخلاف الجملة الفعلية، فإن الجملة الفعلية فيها معنى التجدد. مثلا لو قلت: زيد يضرب عمرا، الآن زيد خبره ماذا؟ جملة فعلية، فالجملة الفعلية يضرب عمرا هي بذاتها لا تفيد الثبوت، تفيد ماذا؟ التجدد والحدوث، فليس فيه المعنى الذي هو أصل الجملة الاسمية. ومع ذلك هل ينتزع جميع معنى الوصفية؟ الجواب: لا، فيه معنى الوصفية، يكفي أنها جملة اسمية فيها نسبة خبر لمبتدأ، فما دام فيه نسبة خبر لمبتدأ، وفيه معنى الوصفية، ففيه ثبوت هذا المعنى الوصفية، ولو نسبي ضئيل، ولو نسبي ضئيل. لكن يريد أن معنى ثبوت هذا الوصفية يزداد إذا كان الخبر مفردا، أو كان الخبر جملة، لكن جملة اسمية لا فعلية. قال: أما إذا كان خبرها فعلا، فإنها تكون كالجملة الفعلية في إفادة التجدد والحدوث في زمن مقصود، نحو: الموت يسعد بأبنائه، ونحو: «تعيب الغانيات علي شيبي * ومن لي أن أمتع بالمشيبي». والمراد بالغانيات: أي الجميلات. قال: وكقول الآخر: «نروح ونغدو لحاجتنا * وحاجة من عاش لا تنقضي». وإن الشاهد: نعم، أين الشاهد؟ ها الشاهد: «تعيب الغانيات علي شيبي». الجار مجرور متعلق بالفعل، لكن الظاهر للشطر الثاني: «ومن لي أن أمتع بالمشيبي». وهكذا كذلك البيت الثاني. طيب، في شيبي، هذا نحن في لهنا إن شاء الله.