‏‏قصة داود وسليمان في القران 6

‏‏قصة داود وسليمان في القران 6

الدرس في ‏‏قصة داود وسليمان في القران 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قصة سليمان عليه السلام ونذره

يتناول هذا الفصل قصة سليمان عليه السلام ونذره لزيارة مئة امرأة ليلاً ليكون أولاده مجاهدين، لكنه نسي أن يقول 'إن شاء الله'. يبين أهمية تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى.

تفسير ابتلاء سليمان عليه السلام

يفسر هذا الفصل آية "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا" بثلاثة أقوال مختلفة، حيث يتناول تفسير الجسد الملقى على كرسي سليمان.

المذاهب في تفسير الجسد وقصة سليمان

يتناول هذا الفصل أربعة مذاهب لتفسير الجسد في قصة سليمان، حيث فسر بعض العلماء الجسد على أنه شيطان، بينما آثر آخرون السكوت عن التفسير لعدم وجود دليل واضح.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مواصلة إخواني في الله في قصة داود وسليمان عليهما السلام، في الدرس الأخير انتهينا عن أهم أحداث نبي الله داود عليه السلام، منذ بعثته إلى مماته، وتتبعنا أهم الأحداث والصفات والكرامات التي أيدها الله لهذا النبي الكريم. لنتقل في هذا المقام ومن هذا اليوم في العروج إلى نبي الله سليمان عليه السلام. وسليمان، كما مضى معنا، هو ابن داود عليه السلام، وقد عاصره في كثير من حوادث القرآن التي جرى ذكرها معنا. وسليمان عليه السلام ذكر سبع عشرة مرة في كتاب الله جل في علاه، وقصصه كثيرة جدًا، أي الوقائع والأحداث التي وقعت في زمنه كثيرة، سيأتي بعضها بإذن الله في هذه السلسلة. وكان سليمان عليه السلام قد سار على ما سار عليه أبوه من الجهاد والقتال بلا كلل ولا ملل عليه السلام. ورث سليمان داود ورثه في النبوة، ورثه في الملك، فكان يجاهد أعداء الدين، يجاهد الكفار في شرق الدنيا وفي غربها، بما آتاه الله. وسيأتي معنا العطايا العظيمة والمنح الجزيلة التي حباه الله لهذا النبي الكريم. وكان من همة سليمان عليه السلام في أمر الجهاد والقتال ما جاء ذكره في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن سليمان عليه السلام قال: «لأطوفن الليلة على مئة من نسائه»، مئة من نسائه يطوف عليهن، قال: «فيلدنا غلمانًا يجاهدون في سبيل الله». تأمل يا عبد الله إلى هذه الهمة. وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان في أموره المباحة وفي أموره العادية يقلبها عبادة، وذلك بالنية الحسنة. فهو سيواقع أهله، وهو مما أحل الله، لكنه حول هذه العادة إلى عبادة، «لأطوفن الليلة على مئة من نساء يلدنا غلمانًا يجاهدون في سبيل الله»، أي وقع هذا في نفسه ونوى وعزم ونطق بأنهن بإذن الله يلدنه. وكل امرأة ترد غلام، ويكونوا في سبيل، أي مئة غلام، مئة مقاتل يجعلهم في جنده. إلا أن سليمان عليه السلام لم يستثن، ولم يقل: «إن شاء الله». نسي أن يقول: «إن شاء الله». وفي ذلك فائدة، إلى أن الإنسان يحرص كما قال ربنا عز وجل: «ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله»، علق الأمر على المشيئة، فالأمور بيد الله سبحانه وتعالى، إذا شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. فنسي سليمان عليه السلام حين نذر هذا النذر أنه يستثني، فلم يقول: «إن شاء الله». فطاف عليه السلام على امرأته، فقال عليه الصلاة والسلام: «أنهن لم يلدن الجميع، ما ولدت إلا واحدة فقط، ولدت نصف إنسان». وفي اللفظة: «شق رجل»، فقط واحدة هي التي استطاعت على أن تحبل وعلى أن تضع، وما الذي وضعت؟ وضعت شق إنسان، جزء إنسان. بمعنى كما يقول الشراح: أي أنه إنسان غير مكتمل الخلقة، أي أن أطرافه مثلاً ناقصة، بمعنى أنه لا يصلح للجهد ولا يصلح للقتال لأنه ناقص الخلقة، ليس بتام. فقال عليه الصلاة والسلام معلقًا على قصة سليمان وما صار وما جرى معه: «لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركًا لحاجته»، لو قال لو قال لو قال تلك الساعة: «لأطوفن على مئة من امرأتي وإن شاء الله يلدنه ويكون غلمانًا يقاتلون»، لحقق الله المراد، لطاف وحبلوا ووضعوا مئة غلام، وكانوا مئة فارس. لكن لما لم يذكر الله عز وجل في هذا العزم، ماذا؟ لم تأتي البركة فيما فعله سليمان عليه السلام. وفي ذلك نكرر: احرص يا عبد الله على أن تذكر الله عز وجل وأن تعلق الأمر بربك، عزمت على أمر على مشروع على هم على قصد، قل: «إن شاء الله». الحاصل أن سليمان عليه السلام رزق بهذا المولود الشطر. لن نذهب بعيدًا، نظل ونبقى مع هذه القصة، هذه القصة ستفيدنا في معنى آية، في معنى آية وهي في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. هذه من أوائل حوادث سيرة سليمان عليه السلام، أن الله ابتلى، «ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا»، ما هو هذا الجسد الذي ابتلي به سليمان عليه السلام؟ فكان على كرسيه، على كرسي حكمه. هنا، وكما أشرت، سأربط هذه الآية بهذه القصة، قصة سليمان حين طاف على مئة من نسائه فلم يضفر إلا بشق إنسان. ذهب جماعة من المفسرين إلى الربط إلى أن هذا الإنسان الذي هو غير مكتمل هو هو الجسد الذي جعل على كرسي سليمان في حكمه عليه السلام. وهذا القول قد ذهب إليه جماعة من أهل العلم ومن المفسرين ومن المحققين، ذهب إلى ذلك الإمام البيضاوي رحمه الله تعالى في تفسيره، وهكذا ذهب إلى ذلك أبو السعود رحمه الله، وهكذا انتصر لهذا القول الإمام الشنقيطي، الإمام الشنقيطي في تفسيره، أشار إلى ذلك ورأى أن بمعنى كلامه أن الله عز وجل جعل الجسد الملقى على كرسي سليمان هو هذا الشق إنسان، هذا الذي هو شق إنسان. فهكذا ذكر، وهؤلاء جماعة من أهل العلم ربطوا هذا بهذا وانتهوا من تفسير الآية، لأن هذه الآية كما ستسمعون من الآيات المشكلة، المشكلة، أي وقع فيها إشكال في تفسيرها. «ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا»، ما هذا الجسد؟ إذن القول الأول ما سمعتموه أنه شق إنسان، هو الذي كان هو الوريث كما عبر بعضهم عن سليمان في كرسيه. هذا القول الأول. القول الثاني: قول من يقول من علمائنا، لأن الآية على ظاهرها، وهو أن سليمان عليه السلام في فترة حكمه، فترة من الفترات، أصبح يحكم من غير إدراك، من غير إدراك، يعني يحكم من غير شعور، من غير إدراك بما يفعله، بما يأمر، بما ينهى، وأخذ على ذلك فترة، فترة. وهذا الذي عناه سبحانه وتعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، أي جسدك أنت، فكنت جسدًا بلا روح، جسدًا بلا روح، أي ذهب عنك الإدراك، ذهب عنك الشعور، ذهب عنك ما هو حولك من الإحساس بما يجري حولك، ابتلاء من الله عز وجل، واستمر هذا فترة من الزمن، ثم عاد إليه. «ولقد فتن سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب»، أي تاب ورجع إلى ما كان عليه. وهذا القول قال به العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، حتى لما ذكر له القول الأول رفضه، رفضه معنى، قال به إما علماء ما لا يصح هذا، وإنما قال: نبقى على ظاهر النص، جسده سليمان، بقي جسدًا بلا روح، هكذا يعبر، بقي جسدًا بلا روح، قال: من الله هذا عز وجل ابتلاء، وكما قال: «فتن سليمان»، هذا القول الثاني. القول الثالث: قول من يقول، وهذا قول كثير من السلف، قول من يقول بأن هذا الجسد الذي جلس على كرسي سليمان عليه السلام هو شيطان، هو هو شيطان من الشياطين، استطاع أن يصل إلى كرسي سليمان، فبقي فيه فترة من الزمن. وهذا القول قد قال به ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ومجاهد، والحسن، وابن جبير، وقتادة، وجماعة من أهل العلم، ذهبوا إلى أن هذا الجسد الذي ابتلي به سليمان أن شيطانًا استطاع أن يتشكل ويجلس على كرسي سليمان، فحكم فترة ثم انتهى أمره وانكشف وفضح، فعاد الأمر إلى سليمان عليه السلام. هذا الذي سمعتموه كما نقلت لكم هو قول كثير من السلف. وبغض النظر عن التفاصيل، لأن هذا الحد هو الذي بلغنا عن سلفنا، لأن هناك تفاصيل جاءت، ونص التعبير، حاشية، جاءت على كلمة: «شيطان هو الجسد»، جاءت حواشي وهي إسرائيليات. في كيفية وصول هذا الجسد الشيطان إلى حكم سليمان، مفادها أذكرها حتى تحذر، وليس تعتبر، أن سليمان عليه السلام، هكذا ذكره، كان يحكم ملكه بخاتم، خاتم، هذا الخاتم، عن طريقه سيأتي معنا، عنده الملك، الطيور، الحيوانات، علمنا منطق الطير، الجان، الشياطين، كل شيء في الكون يحكمه عن طريق خاتمه. وكان هذا الخاتم ما يعطيه أحد إلا امرأة من نسائه كان يثق بها، فيوم من الأيام قيل: إنه أراد أن يدخل لقضاء حاجته، فأخرج الخاتم وأعطاه لهذه الزوجة التي أمنها. فبينما هو كذلك، استطاع الشيطان أن يدخل متشكلاً على هيئة سليمان عليه السلام، فقال لزوجته: «أين الخاتم؟» قال: «خذ». فلما أخذ الخاتم استطاع أن يستولي على الأمور. بل قيل: إنه أخذ الخاتم ورمى به في البحر. خرج سليمان عليه السلام فقال لزوجته: «أين الخاتم؟» قالت: «كيف خاتمك معه؟ لم آخذ شيئًا». قالت: «بلى». فحينها علم سليمان أن هذه مكيدة من الشيطان. أراد سليمان أن يخرج للناس بماذا؟ بأشياء، لكن ما استطاع، لأن سليمان المزور، الجان، قد أصبح على كرسيه. وهذا سليمان الحقيقي بغير خاتم، ما عنده حقائق، ما كانت الطيور تأتي إليه، والحيوانات تستمع لكلامه، ولا كان الجان تأتمر بأمره، لأنه قد افتقد الخاتم الذي يملك سر المملكة. الخاتم، كما قلنا، قام هذا الشيطان ورمى به في قاع البحار. فقيل: القصة على أن سليمان طرد من مملكته، لا أحد يأبه به، لأنهم غير معترفين أصلا بأنه سليمان، بل هذا منتحل لشخصيته وليس بسليمان الحقيقي. وأن سليمان في هذه الفترة ذهب اليمن وذهب يسر إلى أن عاش في قرية بعيدة عند جماعة من الصيادين. فبينما هناك من اعتنى به من أهل الاصطياد. وهنا جاءت قدرة الله عز وجل أن الخاتم الذي رمي به في البحر ابتلعه حوت، سمكة ابتلعت هذا الخاتم. ثم مع مضي الليالي والأيام، أن من كان عندهم، أي سليمان، عندهم من الصيادين، استطاعوا خلال اصطيادهم أنهم يصطادوا هذه السمكة. استطادوها بتقدير الله. فلما بطنت وجد سليمان الخاتم ماثلا أمامه. وبعد ذلك لبس الخاتم، فرجع إليه ملكه من جديد، واستطاع أن يدخل على الشيطان وأن يطرده خاسئًا مذمومًا مدحورًا. هذه القصة، نعم، من الإسرائيليات، بعض العلماء يستأنس بها ويجعلها هي تفسير لما نقل عن سلفنا بأن الجسد هو شيطان استطاع أن يبقى على ملك وكرسي سليمان فترة من الزمن، قدرت بأربعين يوم، قدرت بأربعين يوم، ثم أزال الله عز وجل هذه الفتنة. هذه القصة الإسرائيلية بعضهم قبلها، وبعضهم متردد فيها. لكن انتبه، انتبه، هذه القصة كذلك فيها نكارة، التوسعات ستأتي فيها نكارة من أعظم نكاراتها، وهذا الذي نبه عليه ابن كثير رحمه الله تعالى وحذر منه. النكارة الشديدة في هذه القصة أن هذا الشيطان الذي تجسد بجسد سليمان استطاع أن يدخل على زوجات سليمان وأنه يواقعهن، وهذه عظيمة، هذه عظيمة. فذكر ابن كثير أن هذا ما يستصوب، وهذا من البواطل، من أظلم البواطل، أن يكون عرض نبي مهان ومستباح للشيطان. وإنما ذكر ابن كثير رحمه الله وأشار إشارة إلى أن لا نبعد، إلى أن هذه القصة الإسرائيلية ملفقة من بعض أهل الكتاب الذين يرون أن سليمان ساحر وليس بنبي، فهم يدسون عليه الدسائس. الشاهد إخواني في الله، هذا المذهب الثالث في قضية الجسد، «ولقد فتن سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب»، الجسد قيل: هو شيطان استطاع أن يبقى في الكرسي فترة من الزمن، قيل: نعم، نقل هذا عن السلف. الحواشي كيف وصل الشيطان؟ فبعضهم يستفصل بقصة السمكة وما أدراك ما السمكة، مع التحفظ على بعض ما فيه النكار، فلن يقبل أبدًا. المذهب الرابع من مذاهب هذه القصة هو من آثر السكوت، آثر السكوت والإطباق، وأن الآية تمرر، تمرر، وما عندي علم، ما عندنا آية توضح هذه الآية، ما عندي حديث صحيح يوضح معنى الجسد، ما عندي كذلكم يعني أسانيد خالية من الكذابين والإسرائيليات، بل كل الذي عندي إسرائيليات. وهذا الذي انتصر إليه ابن حزم رحمه الله تعالى كما في الملل والنحل، وحذر وبيّن وغلّظ القول كعادته رحمه الله في من يستأنس بالقصة الأولى أو بالمعنى الثاني، وأن كل ذلك بواطل، باطل، ما يمكن، لا نقول أنه هو نفس إنسان شق إنسان، ولا نقول أنه جان، ولا نقول أنه شيطان، ما عندي هذا. وإنما الله عز وجل أخبرنا بأنه ابتلى سليمان، ابتلاه ليظهر فضله، ولهذا سيأتي بعد هذه القصة أن الله عز وجل فضله وأكرمه وأعطاه وحاباه كما سيأتي معنا بإذن الله. فالشاهد إخواني في الله، فهذه أربع التفاسير لهذه الواقعة التي حكاها الله عز وجل وقصها لنا عن سليمان، سليمان، «ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب»، ما هو الجسد؟ قيل: إنه شق إنسان، وقلنا: ذهب إليه جماعة من أهل العلم، كما ذكرناهم، ومنهم الإمام الشنقيطي، وهكذا الإمام أبو حيان في البحر المحيط، وجماعة. ومنهم من قال: إنه بمعنى أنه حكم هو بنفسه، حكم بجسد بلا روح، أي لم يكن هناك له شعور، ابتلاء من الله عز وجل. والقول الثالث: أنه شيطان استطاع أن يصل إلى ملكه مدة من الزمن، ثم عاد الحكم إليه. والمذهب الرابع: من آثر السكوت، فهذا إخوانا في الله بداية الانطلاق مع سليمان عليه السلام في القصص الكثيرة التي جاء ذكرها في كتاب الله جل فعلًا. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.