الدرس في قصة داود وسليمان في القران 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن قصة وردت في القرآن عن خصمين دخلا على داود عليه السلام وتسورا محرابه وطلبا الفصل في نزاع بينهما حول نعاج. يُبين المقطع تفاصيل القصة ورد فعل داود عليه السلام.
يتناول قصة داود عليه السلام وخطأه في الحكم بين متخاصمين دون الاستماع للطرف الثاني، ثم استغفاره وسجوده. يُقدم آراء العلماء حول سبب الخطأ مثل سوء الظن وعدم الاستماع للطرف الثاني.
يتناول تفسير قصة داود عليه السلام والنعاج، حيث يروي داود حكم في نزاع دون الاستماع للطرف الثاني، ويتناول آراء العلماء المختلفة حول القصة ومعناها.
يشير إلى وجود خلاف حول قضية معينة، وذكر قصة امرأة كجزء من هذا الخلاف، ويختتم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مواصلة إخواني في الله في هذه المقامات في هذه الأيام مع بيان قصة داود وسليمان من صحيح القرآن، وسنلازم مع داود عليه السلام في ذكر أهم مسائل حياته وسيرته عليه السلام. بدأنا بفضائله ومناقبه وما أعد الله له من خير الدنيا والآخرة، ثم عرجنا إلى بعض الحوادث التي جاء ذكرها في القرآن عنه. وفي هذا المقام أيضًا، إخواني في الله، سنتطرق إلى قصة وحدث وقع لداود عليه السلام قد جاء ذكره في القرآن، وهو في قوله تعالى: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾. هذه القصة تتحدث عن خصوم، أو عن خصمين، وإن كان الخلاف حاصل هل هم عبارة عن اثنين أو مجموعة، لكن على ظاهر النص أنهم خصمان إذ تسوروا المحراب. تسوروا أي ما دخلوا من الباب، وإنما قفزوا من الأسوار. إذ دخلوا على داود ففزع منهم، قالوا لا تخف. لماذا داود فزع منهم؟ فزع منهم لأنه دخلوا عليه على حين غرة، دخلوا عليه فجأة. وهذا يجر إلى مسألة يذكرها المفسرون والمؤرخون عن داود عليه السلام بأن داود كان قد قسم الأيام إلى ثلاثة: يوم جعله للرعية في تسييس الدولة وما يتعلق من مسائل وقضاء ومن القتال والجهاد إلى غير ذلك، ويوم جعله للقضاء يجلس في محله ويأتي عنده الخصوم فيختصمون لديه، ويوم جعله للعبادة والتعبّد. قد مضى معنا لو تذكرون في أوائل دروس داود عليه السلام ما كان من أمر داود أنه كان من أعبد الناس، كما قال عليه الصلاة والسلام: «خير الصيام صيام داود، خير الصلاة صلاة داود». فكان يصلي وكان يقوم وكان يصوم وكان يقرأ في التوراة والزبور، فكان عابدًا متعبّدًا ذا أيد. قد أشرنا إلى أن ذا الأيد تعود إلى قوة عبادته وإلى قوة بدنه وجسده. فهؤلاء الخصوم الذين تسوّروا المحراب دخلوا عليه في وقت عبادته، وهذا اليوم يكون الأبواب مقفّلة، وليس يسمح أحد بالدخول. قد علمت الرعية أن هذا هو يوم عبادة داود، لا أحد يدخل عليه ولا أحد يطالبه بشيء. لكن هؤلاء خالفوا العرف المتبع، فقفزوا. وهذه مسألة كيف قفزوا؟ لو تذكرون أو تراجعون ما ذكره العلماء عن حراسة داود عليه السلام، وأنهم من باب «وشددنا ملكه»، لا جن جنونك من الأعداد والأرقام القياسية لحراس داود عليه السلام بالآلاف، مع جيش قد يقدر بأنه أقوى جيش منذ أن خلق الله آدم إلى زمنه. وقد مضى ذلك معنا، فكيف هؤلاء استطاعوا أن يمروا على هذه الحراسات وهذه الرقابات ويدخلوا ويكونوا بين يدي داود فجأة؟ فخاف، وحق له أن يخاف. فقالوا: «لا تخف، لا ضيم لا ظلم عليك لا عدوان». قال: «لا أختصم خصمان، هذه قضية، ونحن خصوم اختلفنا في قضية ونريد أن نسمع الحكم منك». بقي من هؤلاء الخصوم من أهل العلم من يرى أن هؤلاء هم بشر، كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى: أنهم من بني آدم بلا شك ولا ريب. لكن أكثر المفسرين يرون أن الخصوم عبارة عن ملائكة، عبارة عن ملائكة تشكلوا، والملائكة تتشكل، هذه من طبيعة خلقتهم التي أوجدها الله عز وجل عليها أنهم يتشكلوا، فتشكلوا على صورة خصوم فدخلوا على داود عليه السلام، فتسوروا المحراب. والمحراب هو مكان العبادة، مكان التعبد، يسمى المحراب عندهم. فلما دخلوا قالوا: «خصماني بغى بعضنا على بعض، وقع بيننا عداوة، فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط، أي لا تجير، لا تظلم». ويقعد هذا عنك، فاسمع منا وحكم بما فتح الله عليك. فما قضيتهم؟ قالوا: «خصماني بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط». إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، أخي الله أعلم من مقصود بالأخوة هنا، قد تحتمل أخوة الدين، قد تحتمل أخوة النسب شقيق، وقد تحتمل أخوة مصاحبة وزمالة وعمل. فعدت اعتبارات لمسألة الأخوة، ما بال أخيك له تسع وتسعون نعجة، نعجة هي أنثى الضأن، عنده ما شاء الله تبارك الله هذا العدد الكثير الغفير الوفير من أشياء، ولي نعجة واحدة، أما أنا ما عندي إلا نعجة واحدة فقط. فقال أي الأخ: «أكفلنيها»، أي اعطيني إياها، أترك هذه النعجة. يعني الأخ الأول يرى أن تسع وتسعين يعني ما أحلى هذا الرقم، لو كمل بواحد يكون مئة. فطالب من وليس أي طالب، بل ألح: «أكفلنيها»، أي بالغصب واللزوم. والله أعلم أين وصل التهديد، أي شدد عليه في العبارة، وأنه لا بد أن تعطيني ولا بد أن تتنازل عن هذه الضأن، وما هي إلا واحدة، ما ستضره اعطني إياها اجعلها في حوزتي. فشد عليه في العبارة فقال: «أكفلنيها وعزني»، عزني في الخطاب، أي شدد عليه في الخطاب والطلب وألح عليه. فما ترى يا داود؟ هل هذا الصواب؟ هل أنا مخطئ عندما لم أعطي أخي ما أراد وأنا أبقى بلا شياه؟ أم أنه هو المخطئ الذي طمع ونظر إلى ما في يدي بذل أن يعطيني يأخذ مني واسلبني مالي؟ فحكم بيننا بما أراك الله عز وجل. قال: «قد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه»، هذا ظلم، ما يجوز. «وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض»، وهذا طبيعة في الخلطاء، الخلطاء هنا بالشراكة. الشراكة عندما تكون هناك شراكة عمل دائما يكون فيه تنازع، دائما تنازع يكون فيه بغي يكون فيه عدوان، عدم التفاهم. وأحيانا تنقضي وتنتهي الشراكات بالانقطاع وعدم الاستمرار، إلا كما قال ربنا: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، من كان لله مؤمنا تقي فيخاف الله عز وجل فيتق الله في عمله ومع شراكته. وإلا الأصل في أمر الشركاء يكون فيهم البغي. فضرب داود عليه السلام بهذا المثال على ما أنتم عليه، هل أنتم فيه شراكة؟ وانظروا إلى نهاية الشراكة كيف أن هذا الشريك بغى على أخيه حين طلب منه أن يتنازل عن شاته وعن نعجته. هنا انتهى الحكم الذي نطق به داود عليه السلام. قال سبحانه: ﴿فظن داود أنما فتناه﴾، فخر راكعا وأنام. ظن داود علم داود ما الذي علم؟ علم داود أن هذه القضية أو ما يعبر عنها بالحكومة الذي تحاكموا إليه أن ما فتناه أي اختبرناه، هي ليست قضية عادية بل هي قضية كان من ورائها اختبار وابتلاء لداود. فعلم بها لكن بعدما انتهى الحكم، علم أنه وقع في اختبار، وأن هذا الاختبار ما وفق فيه، ولهذا استغفر ربه وخر راكعا وأنام، فاستغفر الله عز وجل مما صدر منه عليه السلام. وهذا زاده شرفا عند ربه سبحانه وتعالى. هذه القصة إخواني في الله، ننظر إلى أقوال العلماء فيها، ما هي هذه القصة؟ أو بمعنى الأصح، الجزء الأخير؟ لماذا داود عليه السلام خر راكعا؟ بمعنى سجد سجود سجد لله واستغفر ربه. يا ترى استغفر ربه من ماذا؟ ما الذي وقع فيه داود عليه السلام حين لم يفعل الذي أراده الله منه أن يفعله في هذه القضية؟ عندي عدة أقوال. القول الأول الذي أبتدئ به أن من أهل العلم من طالب عدم الخوض في هذا الباب، الله أعلم. اقرأ الآية كررها مررها لن تجد مكمن الخطأ أو الزلل الذي أو الذنب كما يعبر بعضهم الذي وقع فيه داود عليه السلام. ما عندنا علم لهذا يرى جماعة من أهل العلم الكف. القول الثاني، هنا نأتي إلى الأقوال التي أرادت أن تضع محل الخطأ أين صار في هذه القضية؟ منهم من ذهب كإمام النحاس وغيره، ذهبوا إلى أن الذي صدر من داود عليه السلام أنه أساء الظن بهم عندما تسوروا المحراب ودخلوا عليه فجأة، ظن فيهم شرًا وظن فيهم سوءًا، وأنهم إنما أرادوا قتله. فهذا الذي وقع في نفسه كان هذا لا ينبغي، من أين حكمت عليهم بهذا الظن السيء؟ فهذا الذي ماذا خر داود عليه السلام لما في نهاية القصة علم أن هؤلاء المساكين ما عندهم قتل ولا عندهم اغتيال ولا عندهم شيء، إنما عندهم مسألة اختلفوا فيها وأرادوا الجواب منه. المسألة الثانية أو القول الثاني في بيان المكان مكان الزلل، منهم من قال أن داود عليه السلام إن شغل بالعبادة عن الناس، إن شغل بالعبادة عن الناس. لأن كما قلنا في هذا اليوم يغلق الأبواب ما أحد يدخل عليه، يغلق الأبواب. فهؤلاء وقعت لهم قضية ويحتاجون إلى الحكم، وأن هذا الحكم لربما إذا تم في حينه لربما وصل الأمر إلى سفك الدماء وإلى القطيعة والعداوة. فمثل هذه القضايا تحتاج إلى حل، فكيف يا داود عليه السلام كيف تمتنع عن الناس والناس يمتنعون عنك بأن تغلق بدونهم الأبواب؟ ولهذا حتى أن حكم داود كان يعني سريع. وهذا القول قد أشار إليه العلامة المعسومي رحمه الله تعالى، ذكر أن هذا الذي كان من داود أنه انشغل بالعبادة. ولهذا جاءت الآيات بعد ذلك: ﴿يا داود إنا جعلناك خلي إن جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس﴾، لا تترك الناس بدون حكومة أو مثل هذه النزاعات تترك. القول الثالث، هذا الذي سمعتموه أنه انشغل بالعبادة. القول الرابع، من أشار إلى مسألة وهي أن داود عليه السلام حين حكم: «قد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه»، أنه طيب أنت سمعت من الأول، صاحب الشاه، صاحب النعجة. طب ألم تسمع إلى القول من الطرف الثاني؟ يعني الأول تظلم: «أنا مظلوم، أنا ما فعلت شيء، أنا هذا أخي جاء من باب حالي وكفأ أكفلني وشدد علي وعزرني بالكلام وهددني». طيب الثاني ما قوله على دعوة أخيه؟ قل ما فيه. داود عليه السلام لم يعطي للطرف الثاني فرصة في أن يدافع عن نفسه، لربما كان كذلكم عنده شبهة أو لربما عنده مسألة أو لربما عنده أحقية. كان ينبغي ترك المجال للطرف الثاني، ولهذا ذهب جماعة من العلماء إلى هذه المسألة إلى أن الذي لأجله خر راكعا داود عليه السلام أنه لم يستمع للطرف الثاني. وهذه مسألة نعم لها وجاهة، ومما يذكر عن شريح القاضي رحمه الله ما يعرف بقضائه وشدة نباهته وعدالته، أنه جاء له برجل أو جاء رجل إليه يشتكي وقد فقئت عينه. فقام ما شأنه قال: «فلان ضربني وفقع عيني». فقال الشريح: «ائتوني به حتى أسمع منه». فقال من حضر: «تسمع منه؟ أما يكفي هذا؟ هذا واضح». يعني يريدونه أن يكتفي بالطرف بالطرف الأول. قال: «أما يكفيك هذا؟ قد خرجت عينه». فقال شريح: «وما يدريكم؟ لعل الآخر قد فقئت عينه كذلك، هداك بالمثل، لربما ذاك فقع عين هذا عندما هذا فقع عين الأول، ننظر الثاني ونستمع إليه». فتجد أن في القضايا وهذه مسألة ومدخل جميل إخواني في الله في مسائل القضايا، سواء القضايا ليست في المحاكم، بل حتى أنت يا رب الأسرة في بيتك وعند أهلك وزوجاتك وأولادك. أو في القضايا الخاصة أو العامة، إذا كان لك مرجعية عند قبيلتك عند عشيرتك أو في مسجدك أو داعية تأتيك المسائل، احرص عبد الله على الإنصاف على الإنصاف. لربما تأتي المرأة وهي تبكي بكاء مريرا، بكاء مريرا، وأن الزوجة فعلت وأن الزوجة ما خلت، وأن الزوجة تخرجه بأنه شيطان. ثم تتأنى تستدعي الزوج، فهكذا الذي قالته المرأة، الأمر وين؟ فرق بين السماء وبين الأرض الإنصاف عزيز. الشاهد أن هذا هو القول الرابع في هذه المسألة، أن من قال أن الذي وقع فيه داود عليه السلام أنه لم يترك المجال للطرف الثاني لكي يستمع منه. القول الأخير، القول الأخير، وهي قالوا أن هذه القصة الذي سمعتموها قصة النعاج ليست هي المقصودة بذاتها، ليست هي المقصودة بذاتها، بل وراءها قصة أخرى. ما هي القصة؟ هي قصة المرأة. قصة المرأة وما أدراك ما قصة المرأة؟ يذكرون وفيما يذكر عن داود عليه السلام أنه أعجب بإمرأة، أعجب بإمرأة تعلق قلبه بها، أرادها. لكن الإشكالية أن هذه المرأة متزوجة، أن هذه المرأة متزوجة. فكان داود يريدها يريدها معنى متزوج، كانت مع زوجها تسعة وتسعين زوجة، تسعة وتسعين زوجة. فأراد هذه، وجاء عند هذا الرجل وهو زوجها، أورية القائد، أستدعى وطلب منه: «ما رأيك تطلقها وأنا أريدها أتزوجها أنا أريدها لنفسي؟». وكأنه عزه حاول فكر لا تبخل علي طلقها وأنا سأصونها وأنت اختر ما شئت من النساء إلى غير ذلكم. هذا القول إخواني في الله الذي لأجله لأجله أرسل الله عز وجل هؤلاء الخصوم لكي يختصموا إلى داود: «يا داود أحكم الآن في هذه المسألة التي بين يديك، نعاج تسعة وتسعين نعجة، صاحبها أراد الواحدة، ما تقول في ظلم؟ طب ما تقول في نفسك أنت الآن؟ أنت الآن عندك تسعة وتسعين زوجة، فكيف تطالب الواحدة التي بيد زوجها؟ لماذا تطالبه وتعز وتشدد عليه في الخطاب؟ هل هذا صواب؟». حينها تفطن داود عليه السلام لما كان من فعله ولما كان من أمري، فخر راكعا وأنا واستغفر ربه عز وجل مما صدر منه. هذا القول إخواني في الله، نعم رده جماعة من أهل العلم، رده جماعة من أهل العلم. وممن رده الإمام الشنقيطي وقبله ابن حزم والقاضي عياض وابن كثير وجماعة. ردوا أن هذا ما ينبغي ولا يليق، لكن بالمقابل هناك علماء أجل على ثبوت هذا المعنى، وأن هذا المعنى ما فيه شيء. وممن صرح بثبوت هذا المعنى الإمام البغوي والبيضاوي وهكذا الإمام السعدي والشوكاني وابن القيم، كلهم على هذا أنهم يرون أن قصة النعاج هي عبارة عن تلميحة لقصة المرأة الذي تعلق قلب داود بها. وقالوا أن هذا ليس فيه شيء، أن هل هذا شيء يخدش في النبوة؟ قالوا: «ما فيه خج»، هذا ما فيه. إلى هذا الحد أنه تمنى وأراد هذا ما فيه شيء، وطلب يمكن كما وذكر بعض ما كان من قضية الأنصار والمهاجرين عندما قدم المهاجرون إلى الأنصار. فكان الأنصار يقول: «المهاجر اختر ما ترى أعجب من زوجاتي إليك فأطلقها وتتزوجها أنت». هذا كلهم ما يخدش هذا ما يخدش. طبعا إلى هذا الحد الخلاف حاصل، يعني من أهل العلم كما سمعتموه يرون ما فيه شيء ما فيه شيء. وأطنب الشوكاني على هذه المسألة وهكذا ابن القيم، أجاز هذا القول، وأن كان داود قد تعلق قلبه بهذه المرأة، وأن هذا لا يخدش في منزلته. وكان الأولى أن لا يفعل، وكان الأولى أن لا يفعل إلى هذا الحد. أما ما بعد هذا، وأنبه إلى ما بعد هذا من أن داود عليه السلام تجسس على المرأة وكان يراها وهي تغتسل. وأنه أتى بها وأنه راودها وأنه فعل بها الفاحشة وأنه تعمد في إرسال زوجها إلى مقدمة الجيش حتى يقتل ويتفرغ للمرأة، هذه كلها من الإسرائيليات. بل للأسف موجود في التوراة هذا موجود في التوراة التي دست بالدسائس والافتراءات على أنبياء الله ورسل. فالشاهد إخواني في الله، هذه خلاصة ما أذكره في هذه القصة العظيمة التي جاء ذكرها في كتاب الله سبحانه وتعالى في قصة الذين تسوروا المحراب، على قولين: هم الملائكة، وهو قول أكثر، أو أنهم بشر، وهو قول بعض المفسرين. وأنهم تخاصموا في قضية صاحب النعاج الذي شدد العبارة والطلب والمطالبة من أخيه صاحب النعجة لكي يأخذها. وعلمنا أن داود عليه السلام بعدما انتهى من حكمه، بعدما اتهم صاحب النعاج بالظلم والهضم، وأنه حاول أن يعتدي على أخيه بغير وجه حق. حينها بعد ذلك علم أنه اختبر، وأنما قد فتنا، فاستغفر ربه وخر راكعا وأنام. قلنا اختلف العلماء لهذه المسألة، وكما قلنا من أراد المزيد فليرجع. فمنهم من كف البحث عن ذلك، الإمام ابن كثير، لو رجعت لتفسيره أغلق الباب تماما ما شرح القصة لا من قريب ولا من بعيد. قال: «ما عندي شيء»، قال: «ما عندي شيء في هذه القصة لا عندي أحاديث صحيحة، إنما عندي كوم من الإسرائيليات، أنا ما أعتمد عليها»، فتركها. فقط شرح الكلمات ومشى وما ذكر شيء رحمه الله تعالى حتى لا يقع في الذي يخشى. لكن بعض العلماء اجتهدوا، وهذه فضل الله يؤتيه من يشاء. فسمعنا قول من يقول أن الذي وقع فيه داود عليه السلام إما أنه استمع للطرف دون طرف الثاني، وإما أنه أساء الظن، أو أنه تفرغ للعبادة على حساب أن يترك الناس بلا قضاء، أو أنها إن القضية كانت إلماحة لما وقع منه عليه السلام في قضية تلك المرأة. وكما قلنا وهذه المرأة قصتها على القول الذي هو يمكن أننا نمرره هو كذلك محل خلاف بين من يرى ذلك وبين من يمنع ذلك. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.