‏‏قصة داود وسليمان في القران 8

‏‏قصة داود وسليمان في القران 8

الدرس في ‏‏قصة داود وسليمان في القران 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تسخير الريح لسليمان عليه السلام

دعا سليمان ربه فاستجاب له وسخر له الريح لتجري بأمره وتقطع مسافات كبيرة في وقت قصير. كانت الريح رخوة ولينة، مما مكن سليمان من السيطرة على مساحات واسعة.

أعمال الجن تحت إمرة سليمان

عمل الجن تحت إمرة سليمان كان يشمل بناء القصور وجلب الكنوز، ومنهم من كان يسلسل كعقاب لمن لا يطيع أوامره. بنوا بيت المقدس في عهده باستخدام الرخام والذهب واللؤلؤ.

صناعات الجن والشياطين لسليمان

صنع الجن والشياطين لسليمان المحاريب والتماثيل والأواني الضخمة، وكانت هذه الأعمال مباحة في شريعتهم. كانت هذه الصناعات بأحجام هائلة لتلبية احتياجات جيش سليمان.

ختام الحديث عن ملك سليمان

أشار المتحدث إلى دعاء سليمان لربه بملك لا ينبغي لأحد من بعده، ثم ألمح إلى مصير الآخرين الذين تمردوا. وختم بالتأكيد على إمكانية الحديث أكثر عن ملك سليمان فيما بعد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في ذكر حال سليمان عليه السلام، وما حباه الله عز وجل بهذا الملك العظيم الذي كان بدايته، كما يقول العلماء، أنه نظر إلى الأرض، فلما رآها مترامية الأطراف، واسعة الأرجاء شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، وفيها ما فيها من المدن والدول والأقاليم والشعوب، مع قصر العمر، وكان سليمان كما أسلفنا ذو همة عالية في الجهاد والقتال، وإلى نشر الإسلام، فدعا الله عز وجل بهذه الدعوات، قال: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب﴾. فهو لم يرد الملك لذاته أو طمعًا لشخصه، وإنما أراد ملكًا يتزلف به إلى ربه، وهكذا كان الأنبياء يتنافسون في خدمة دين الله جل وعلا. فرأى سليمان عليه السلام أن الله لو أعطاه ملكًا، فإنه سيستغل هذا الملك فيما يعود إلى دين الله، وكان الأمر كذلك، فاستجاب الله عز وجل لدعاء سليمان. فكان من عطاء الله عز وجل ما يأتي منها: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب﴾. سخر الله عز وجل الريح لسليمان، والريح لا أعني الهواء، بل الريح التي هي تمشي وتجري ما بين السماء والأرض. أجرى الله عز وجل الريح بأمر سليمان، بأمره، أي أنها تأتمر بأمره، تسير حيث أراد، أراد هنا ذهبت به، أراد هنا ذهبت به. وهذه الريح كما وصفها ربنا عز وجل رخاء، أي أنها رخوة، بمعنى أنها لينة، لأن من عادة الريح، وكلنا نعلم هذا، إذا هبت الريح تأتي بأصوات وبإزعاج وبقلقلة أحيانًا تخطف القلوب، تخطف القلوب من شدة ما تسمع وما تجد من صوتها، لكن هذه الريح على خلاف ذلك، تأتي الريح الشديدة العاتية وهي رخاء لينة، لا تسمع لها حسًا، لا تسمع لها حسًا. ومن طبيعة هذه الريح غدوها شهر ورواحها شهر، الغدو من أول النهار إلى الزوال إلى الظهر، هذا يسمى غدوة، والرواح من الزوال أي من بعد الزوال إلى آخر النهار يسمى رواح. هذه الريح من سرعتها أنها تقضي في فترة الغدوة، وهي ساعات، تقضي ما يقضيه الراكب المسرع في شهر، يعني لو أنك راكب على جواد، وتمشي، تمشي، لا أقول مسافة يوم، دعه يمشي إلى أسبوع، دعه يمشي شهر كامل، مسافة شهر كامل، هذا الراكب الذي يقطعه من مسافة، هذه الريح تقطعه في ساعات من الغدوة. غدوة تحركت من بعد الفجر تصل إلى الظهر إلى مسافة يقطعها الراكب في شهر، ثم الرواح وما تقضيه من بعد الظهر، بعد الزوال إلى غروب الشمس إلى آخر النهار، كذلك تقضي مسافة شهر، بمعنى أنه في اليوم كله من الفجر إلى المغرب تقطع ماذا؟ مسافة شهرين. هذا جندي من جنود سليمان عليه السلام سخره الله له، فما ظنك بسرعة سليمان يجوب الأرض؟ يجوب طبعًا، جاءت أحاديث عن الحسن البصري وعن جماعة بإسناد صحيح أنه كان يضرب المثال كيف كان في بلاد الشام في الصباح، ثم يتغدى في بلاد فارس، ثم يأتي المغرب هو في بلاد كابل في أفغانستان، في فترة في نص يوم يقضيها. فضل من الله عز وجل، وزد على ذلك كما ذكر ذلك المفسرون، على أن هذا لمن هذا لسليمان ولمن معه، أراد أن يذهب إلى بلاد آسيا أتى بجيشه كلهم، كلهم فينتظرون الريح فتأخذهم جميعًا، هو ومن معه من الجند والعدد والعتاد كلهم تحملهم هذه الريح. ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب﴾، هذه من ملك سليمان الذي وهبه الله إياه، طبعًا ما ينبغي لأحد من بعده. وهكذا مما سخر الله لسليمان الجان والشياطين، الجان والشياطين يخدمون تحت إمرته عليه السلام. فكان كما قال سبحانه: ﴿وكل بناء وغواص﴾، بناء وغواص من عالم الشياطين، أي أن من الشياطين من يخدمون سليمان في الغوص في البحار وفي المحيطات، ويصلون إلى قاع المحيط، ماذا يفعلون؟ يأتون بالكنوز، يأتون بالأشياء الثمينة، يأتون بالأسماك، يأتون بالخيرات، يأتون بالذي يريد سليمان، يذهبون يأمرهم: أدخلوا البحر، ويأتوا لي بكذا وكذا، فيأتون بكل ما طلب وأراد، بما استطاعوا عليه، هذا كل غواص. وكل بناء كذلك من الشياطين من كان يخدمونه في البر، أولئك في البحر، هؤلاء في البر، في البر يبنون، يشتغلون، يعملون، يجلبون الصخور، يأتون بالرخام، يبنون البنايات العظيمة الفخمة، القصور، الأبنية، يبنون المعسكرات، كل ما يريده سليمان، بأمر يأتمرون بأمره. ﴿وكل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾، وهناك إضافة، هؤلاء الذين هم تمردوا، ما أرادوا أن ينصاعوا لأمر سليمان، أبوا أن يستجيبوا لأوامره، هؤلاء سلسلوا، جعلوا عبرة لغيرهم من الجان والشياطين، إن لم تأتمروا هكذا يكون حالكم، سجنًا. وقد ذكر ربنا عز وجل أيضًا من أعمال الجان تحت إمرة سليمان: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات﴾، هذه كذلك من أعمال الجان الذين هم خدم بسليمان عليه السلام، يعملون له ما يشاء من محاريب. اختلف العلماء في مسألة المحاريب، قيل: المحاريب هي أماكن العبادة، أماكن العبادة ومنها المساجد، كانت الجان تصنع المساجد وبيوت العبادات هنا وهنا. وقيل: المحراب وهي المحاريب أنه كل بناء محكم، كل بناء محكم، فيدخل في ذلك الأبنية الفخمة، الأبنية الفخمة. ولهذا قال قتادة رحمه الله تعالى في تفسير المحاريب: «قال: المساجد والقصور، المساجد والقصور، فكل ذلك يدخل في قضية المحاريب». ومما يذكر والشيء بالشيء يذكر ها هنا أن من المحاريب أي من المساجد التي بنيت في عهد سليمان عليه السلام «بيت المقدس»، بيت المقدس بني في عهد سليمان عليه السلام. وأنا قصدي بني أي جدد في عهده، لأن بيت المقدس في الحقيقة بني قبل سليمان، بني في زمن يعقوب عليه السلام، أول من بنى اللبن الأولى لبيت المقدس هو يعقوب، ثم بعد ذلك طبعًا كان بناء، ثم جدد وجدد وجدد إلى أن جاء سليمان عليه السلام وبنى. لكن بناء وما ظنك ببناء سليمان عليه السلام، وعنده هؤلاء الخدم من الجان والشياطين، والذي يأتون بما أراد. طبعًا ذكر المفسرون في كتبهم الشيء العجيب الغريب الذي كان في بناء بيت المقدس في عهد سليمان، حدث ولا حرج، عن الذهب واللؤلؤ، وعن الرخام الذي كان ما لا نظير له في العالم. يأتون به من كل أنحاء العالم، من أفخم الرخام، حتى كان بيت المقدس كما يذكر المؤرخون في الليل يكون كالقمر من شدة لمعانه، حتى أن بني إسرائيل لما دخلوا إلى بيت المقدس بافتتاحه الذي كان في عهد سليمان، جعلوا هذا اليوم عيدًا لعظيم الأبهة والعظمة، وامتنانًا لله أن أعان على إحياء هذا البيت بهذه الصورة والمهابة. طبعًا جاءت الأدلة على أن بيت المقدس تم في عهد سليمان، كما جاء في السنن من حديث «عبد الله بن عمر بن العاص» رضي الله تعالى عنه قال: «قال عليه الصلاة والسلام: لما فرغ سليمان بن داود من بيت المقدس سأل ربه ثلاثًا، سأل الله عز وجل أن يعطيه حكمًا يوافق الحكمة، وأن يعطيه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وأن من أراد هذا البيت لكي يصلي فيه ركعتين أنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». فقال عليه الصلاة والسلام معلقًا على سؤال سليمان: «قال: فأعطي اثنتين، وإني لأرجو أن يعطى الثالثة»، الحديث صحيح حسن، الشيخ الألباني رحمه الله. الشاهد في أول حديث: «لما فرغ سليمان عليه السلام من بناء بيت المقدس»، فالشاهد أن سليمان بنى هذا البيت، وهي من المحاريب. بقي قد يقول قائل: وهل بيت المقدس هذا الآن على ما كان؟ لا، لم يكن على ما كان، لأن بعد فترة من موت سليمان عليه السلام جاء «بخت نصر» من أرض العراق الفارس، أو الملك الظالم الكافر، ودخل إلى بيت المقدس، واستباح أرض الشام، استباح أرض الشام، فقتل وأسر وحرق وخرب ودمر، حتى أن هذه الأشياء التي في بيت المقدس كلها اقتلعها، أخرجها وعراها. وهذا سيأتي، إن شاء الله، معنا مستمرًا في حلقات قصة الأنبياء والرسل، سيأتي هذا في حينه حول غزو بخت نصر إلى بيت المقدس. الشاهد أن قوله سبحانه وتعالى في بيان عمل الجان: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب﴾، إذن يدخل في ذلك المساجد والقصور. «وتماثيل» أيضًا كانت الجان والشياطين يعملون التماثيل، والتماثيل هي هذه الأجسام المنحوتة المصورة، وكانت على أشكال، وكانت على صور، إما على صور أناس، قيل: أن صور الأنبياء، ذكروا هذا، صور الأنبياء، أو على صور حيوانات، وكانت هذه الصناعة تكون إما من طين، وإما من نحاس، وإما من زجاج، وإما من رخام، قدرة أعطى الله عز وجل لهذا العالم من عالم الجن والشياطين، كانوا يشكلون هذه المجسمات ويجعلونها في مملكة سليمان، فكانوا يعملون هذا. طبعًا علق الإمام البغوي رحمه الله تعالى، وقال: «وهذا كان مباحًا في شريعتهم»، وكان هذا مباحًا في شريعة الإشارة إلى أن في شريعتنا لا يجوز، لا يجوز أن نصنع لهذه الأجساد والصور التي يسميها العلماء ما لها ظل، أو كذلك الصور المنحوتة، وكل ما له رأس وذوات الأرواح لا يجوز. وهذه المحاريب وتماثيل، «وجفان كالجواب»، مما كانت تصنعه الجان، تصنع الجفان، الجفان جمع جفنة، والجفنة لو أردنا أن نختصرها هي القصعة، قصعة الطعام، صحون، إن صح التعبير، صحون، لكن الصحون هذه ما يمكن أن تكون بهذا الحجم أو هذا الحجم، لا، كانت الصحون أو هذه الجفان والقصاع كانت كالجابية، كالجوابي. وجفان كالجواب، الجابية جابية هي جابية الماء، حوض الماء، هذا الحوض هو عبارة عن مقدار الصحن، مقدار الصحن. قد يقول قائل: ولماذا يريد سليمان عليه السلام أن يصنع صحونًا وعاءً كما نسميها بهذه الحجم؟ هو يحتاج ما لا يحتاج غيره، هو عنده جيش، جيش، تدري ما جيش سليمان عليه السلام؟ «وحشر لسليمان جنوده من الإنس والجن والطير»، مملكة ما لها طرف، هؤلاء هم في ذمته، أكلهم شربهم على سليمان عليه السلام، ما عسى أن الصحون العادية هذه تنفع؟ ما هذا الجيش الذي ليس له طرف وليس له نهاية؟ حتى ذكر جماعة من المفسرين أن الجفنة الواحدة تكفي لمن؟ كم تتوقع؟ خمسة عشر مئة، لا تكفي ألف، تكفي ألف. يعني تخيل لو جفنة واحد تكفي ألف، إذن تخيل عدد الألف، وجمع للألف، هؤلاء حول الصحن، كم تتوقع يكون حجم الصحن؟ هذا شيء كبير جدًا، وهذا الذي أشار إليه ربنا في القرآن: ﴿وجفان كالجواب﴾، أي الجفنة وهي الصحون كانت كالجابية، كالبرك العظيمة، تصنع هذه كانت الجان تصنعها لهذا المعسكر العرمرم. «وقدور راسيات»، وأيضًا، وهذا كما يقال تبع، القدور التي تطبخ كانت عبارة عن قدور راسية، يعني تخيل نحن نتفكر في قدور المطاعم الشهيرة عندنا، يحتاج إلى أربعة يحملونها، وسع إدراكك يا عبد الله، أكبر قدر، كم تحتاج؟ هذه القدور راسية، ما معنى راسية؟ ثابتة، لا تتحرك، لماذا لا تتحرك؟ لعظيم حجمها، لعظيم حجمها، بحيث أنها تطبخ ويشعل فيها النار وتنظف وهي في محلها، ما تتحرك أصلا، ما أحد يصدر يحركها لأنها قدور عظيمة جدًا. ذكر بعض المفسرين أن الصعود إليها بسلم ينصب السلم ويصعد إلى هذا القدر الذي يطبخ فيه، كما قلنا، لماذا هذا الطبخ؟ لعظيم المعسكر الذي كان تحت إمرة سليمان عليه السلام من الإنس، الله أعلم بعددهم، ومن الجان، الله أعلم بكثرتهم، وهكذا من سائر المخلوقات كالطيور وغيرهم. فهذا، إخواني في الله، مما يذكر، طبعًا هذا الذي كان يعملونه، إذن كان الجان تعمل المحاريب وتعمل التماثيل وتعمل الجفان كالجواب وتعمل القدور الراسيات، ومنهم من كان غواصًا في البحار، ومنهم من كان يعمل في البر يصنع، وكل هؤلاء تحت إمرة سليمان عليه السلام. ﴿هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾، ومع ذلك «وآخرين مقرنين في الأصفاد»، عد هناك كما يقال احتياط، هؤلاء تمردوا، ما هو بحاجة إليهم، قد تركهم. بقي أشياء، إخواني في الله، متعلقة بملك سليمان، لعلنا نرجي الحديث عنها في مقام آخر. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.